كما هو متوقع، لجأت السلطات السورية الى الحديث عن "مندسين" يقفون وشاركوا في أحداث يوم أمس الجمعة التي شهدتها عدة مدن سورية، تشهد فيها اربعة متظاهرين ، في مفتتح "ثورة ياسمين" الشام ولن تجد تلك السلطات غضاضة في استخدام ألفاظ آخرى، من نوع "الجرذان" التي استخدمها العقيد معمر القذافي، أو مما استخدمه سواه من الحكام العرب، الذين لفظتهم شعوبهم ورمت بهم الى مزابل التاريخ، أو أولئك الذين هم بصدد الذهاب إلى تلك المزابل مع مرتبة "شرف الوساخة".
مشكلة هذه السلطات وغيرها أنها لا تريد أن تفهم، أن هذه الحركات والتظاهرات التي اندلعت في مدنها وقراها، مصدرها الشعب الذي عانى الكثير، دون أن تعيره تلك السلطات اهتماماً.. بل ظلت ماضية في غيها، ترمي إليه بين الحين والآخر الحبوب المخدرة والوعود والأكاذيب التي لا يتحقق منها شيء. وإن فهمت.. فأنها تفهم دائما متأخراً. لهذا تكذب وتصدق أكاذيبها بأن من تحرك هم" مندسون وعملاء لإسرائيل والسي ائاي ايه والشيطان"، الى آخر الاسطوانة المشروخة.
طوال عقود، صبر السوريون وتحملوا وسكتوا على مضض، على تغول السلطة واذرعتها الامنية التي اذاقتهم الويل، وفرضت الرقابة على كل شيء، الهواتف والفاكسات والانترنت وغيرها، وفي صميم جميع مناحي حياتهم بدعوى الحفاظ على الأمن، وفي سبيل الدولة المكرسة للوقوف في وجه إسرائيل والمطامع الصهيونية.
ومنذ حرب 1973 والقيادة السورية تتحدث وتتذرع بتحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، لتحميل السوريين المزيد من التضحيات في حرياتهم وحقوقهم وكرامتهم، دون أن يتحقق هذا التوزان، وليس من ثمة أمل أصلا بالقدرة على تحقيقه، ونظرة واحدة على دراسات معاهد التسلح الدولية تؤكد ذلك، لكنه مع هذا استخدم ذلك ذريعة لحكم الشعب بطريقة بوليسية، وسد منافذ حريته وأماله وتطلعاته وقمعها حين يتطلب الأمر استخدام القمع ضده.
الثورة السورية التي عبرت عن نفسها أفضل تعبير الجمعة، ثورة شعب يسعى لحريته وكرامته، تماما مثلما التوانسة والمصريين والليبيين واليمنين، وسائر الشعوب العربية التي طال "اذلالها" من قبل حكام لا يعرفون الا العصا والرصاص الحي وسيلة للتعامل مع الشعوب وحقها في التعبير عن مكنون انفسها.
من العار ان تتحدث السلطات عن شعبها بأنهم مجموعة من المندسين، والسوريون هم هم.. شعب عظيم، حر، لا يحني هامته الباسقة إلا لخالقه.
يبقى .. وهل مثل ياسمين الشام.. ياسمين!.