الشرفة النائية
من الشرفة النائية كان يطل..
رجل في حوله السبعين..
يطالع الأشياء مدركاً عجزه عن الانخراط بها.
لطالما استرعى انتباهي بجلسته تلك. ولطالما فكرت، برغبته التي لا يكبحها شي، بأن يمر في الطريق، يتجاذب أطراف المسير مع عابرين منشغلين بيومياتهم، وربما يتجرأ بقذف الكرة مداعباً أطفالاً يلهون بلعب كرة القدم. غير أن ما يتمناه مثله لا يدركه حتماً.
ويرتد طرفه الكليل إلى جريدته الصباحية. يقرأ فيها أولاً: صفحة الموتى. وحين يلمح اسماً سبق أن عرفه، ينبعث حزنه المختلط بالخوف العميق، فهو يعرف أنه قاب قوسين أو أدنى من سلوك الدرب ذاته.
في كل صباح.. كان يجلس على تلك الشرفة حتى الظهيرة. لدرجة أن خيل لي أن لا احد آخر في البيت. بيد أني كنت مخطئاً.
لكن من في البيت، أبعدوه مسافة عنهم ، أو هو ابتعد مسافة عنهم، يمضيها في مطالعة الحياة.. من شرفته.
يعرف أنه يعيش مرحلة لا يمكن أن تكون في خضم الحياة، ولطالما لام نفسه، على كونه حين كان شاباً أضاع فرصاً كثيرة، لا عدَّ لها، كان يمكن أن يمضيها مستمتعاً بالحياة.
كم من الفرص نضيع؟ كم جبل حلمنا بتسلقه؟ كم مدينة حلمنا بزيارتها؟ كم لعبة رفضنا الانخراط بها لكي لا تخدش "قيافتنا"؟ وكم انخرطنا في العناد والعصبية والحزن والبكاء واللهاث وراء المال.. حتى نصل لتلك الجلسة، قبل المشهد الأخير على الشرفة. نتحسر على ما قد مضى، وندفع رغبتنا العارمة في الانخراط في الحياة.. لأننا لم نعد قادرين على السير في ركابها.
أصدقائي..
هي الحياة.. لا تنتظر من لا يقبل عليها. انتهزوا كل فرصة سانحة، لتكونوا فرحين..
أما الرجل الذي جاوز حوله السبعين، فقد مات وهو يرنو من شرفته إلى درب ما زال الأطفال يملؤه صخبًا وضحكاً وغناء.


التعليقات
نعم هى الحياة
لا تنتظر كثيراً من لا يتقدم
ويأخد فرصته بنفسه فلو ترددت
طويلاً فتأكد انك ستفوت عليك
كثيرا من الفرص .
شكرا عزيزي رؤوف ودكتور صلاح
تعليقاتكما تنم عن اصالتكما ورهافة حسكما.. تحية
استمتعت بقراءة النص.. فعلا كله عبر
ذكرتني بكلام طلال حيدر.. وحدن بيبقوا مثل زهر البيلسان.. شكرا خالد.
العزيز خالد ابو الخير: الأغبياء من يتركون الواقع الذى بين أيديهم والذى يعيش بينهم بعمر اليوم ويشغلون خيالهم المريض بما يحمله الغد فلا هم عاشوا يومهم ولا وجدوا سوى السراب فى غدهم ان الحياة لابد وان نعيشها لحظة بلحظة مهما كانت هذه اللحظة بطعم الشهد او المر لكنها حتما ستزول وتمضى بغير رجعة فياشباب اليوم عيشوا يومكم وتمتعوا به وجوبوا الأرض شرقا" وغربا" وتسلقوا الجبال وأعبروا الأنهار فما تفعلونه اليوم هو المخزون الذى سيظل معكم من الذكريات حيث يكفى ان تغمضوا اعينكم وتسرتجعوا ذكرياتكم فتعيشوا الحياة مرتين
علِّق