باريس: صدر مؤخراً للباحثة الفرنسية صوفى بسيس كتاب جديد يحمل عنوان "الغرب والآخرون: تاريخ سيطرة" ، والكتاب وفقاً لجريدة "العرب اللندنية" عبارة عن قراءة تحليلية رصينة فى طبيعة علاقة الغرب مع باقى دول العالم، من خلال الاعتماد على مراجع متنوعة .
"الغرب والآخرون" قراءة فى تاريخ القرون الخمسة الأخيرة، ويبدأ هذا التاريخ، حسب المؤلفة، منذ عام 1492 أى عام "اكتشاف" القارة الأمريكية، وطرد المسلمين واليهود من إسبانيا، حيث نشهد آلة طرد المنابع الشرقية وغير المسيحية للحضارة الأوروبية. ففى مطلع القرن الخامس عشر اخترعت إسبانيا منظومة "نقاء الدم"، وسوف تتكلف ازدواجية الانتماء للديانة المسيحية وللعرق فى شرعنة غزو أمريكا. قبل أن يليها ظهور الخطاب المعادى للزنوج، أو الخطاب الذى يشرعن بدوره العبودية، وقبل أن تتدخل المنظومة العقلانية من أجل تبرير سمو العرق الأوروبى على العرق الأسود.
نحن أمام "اختزال شديد للعرق الإنسانى فى هوية أوروبية تقوم على رفض كل هوية تشوه صورة نريدها لنا نحن أهل أوروبا". يحدث هذا فى وقت تتطلع فيه أوروبا إلى آفاق جغرافية جديدة وإلى تنوع ثقافى وإنسانى غير متجانس مع المعتقدات الأوروبية الراسخة قبل رحلات الغزو والاكتشاف.
لا تتردد صوفى بسيس حسبما ذكرت "العرب" فى التأكيد على أن قدوم "النزعة النازية" لم يجسد استثناء أو قطيعة عما كان سائدا من قبل، بقدر ما كان استمرارية لنزعة الرجل الأوروبى الأبيض، والذارئع الإيديولوجية كانت بدورها جاهزة، من خلال الانطلاق من مبدأ"الغاية تبرر الوسيلة".
ترى المؤلفة أن الهوية الغربية لا يمكن أن تنفصل عن "ثقافة الاستعلاء"، فلا فرنسا ولا الولايات المتحدة ولا بريطانيا جسدت الاستثناء على هذه القاعدة، لأن جميع هذه القوى العظمى تنطلق من هذه الأرضية.واليوم، ومن خلال الضغط على الجميع من أجل تكريس ثقافة الاختلاف والاعتراف بالآخر، يلجأ الغرب إلى تحديث هذه الثقافة عبر أشكال جديدة من نفى الغير وشيطنته، أو عبر المراوغة والمناورة حول المفاهيم المضللة، من قبيل ابتكار الأوروبيين لمنطق "نحن وهم" كلما تعلق الأمر بالتعاطى مع قضايا الأقليات الأجنبية المقيمة فى القارة العجوز".
ووفق فضائية "الجزيرة " القطرية تذكر المؤلفة بكتابها الأسطورة المؤسسة للغرب التي تشكلت على مرجعية يونانية -رومانية، مستبعدة بذلك كل المصادر الشرقية أو غير المسيحية الأخرى (المصرية، الهندية, الإسلامية, ...) للحضارة الأوروبية. وتبعاً لهذه الأسطورة، فإن أوروبا وريثة الإغريق وروما هي حصراً مسيحية، ولا يوجد أي نفوذ آخر "ليلوثها".
ومن هنا فقد دأب المفكرون في عصر النهضة الأوروبية على اصطناع نسب مباشر مع أثينا لتجاهل الوسيط الحضاري الإسلامي (الثري) في توريث أوروبا التراث اليوناني. وكان طرد الإسلام من أوروبا قد توافق وإقصاء الفكر الإسلامي من المجال الثقافي الأوروبي, هذا رغم الدور المميز للأندلس – لا سيما عبر فكر ابن رشد - ليس فقط في إيصال ولكن في إعادة قراءة الفلسفة الإغريقية. ولولا الإسلام الذي هيأ لها الظروف اللازمة لما تمكنت النهضة الأوروبية من مد خيوط نسب مميزة مع ذلك الإرث التي تدعي صلتها المباشرة به, وذلك في توكيد صارخ للقراءة الغربية الانتقائية للتاريخ. فضلاً عن ذلك فإن الأوروبيين لم ينكروا فقط دور الحضارة الإسلامية في نقل وشرح التراث اليوناني، بل دمروا ما شيدته في الأندلس. فعقب طرد المسلمين واليهود منها حول الأوروبيون الأندلس المسلمة التي كانت معقل التسامح والعلم في أوروبا، إلى معقل للتطهير العرقي من خلال استحداث تعبير «نقاء الدم». فكان على كل من يتقدم لوظيفة عمومية أن يثبت نقاء عائلته من الإسلام واليهودية وذلك منذ أربعة أجيال على الأقل. وهذه القاعدة القانونية لم يتوقف العمل بها في إسبانيا إلا في 1865.
© 2008 البوابة(www.albawaba.com)