محيط - رام الله: صدر حديثا عن دار الكرامة كتاب "سرديات الجنون" للشاعر الفلسطينى الدكتور المتوكل طه، ويقع فى 175 صفحة من القطع المتوسط.
يتناول الكتاب 23 شخصية فلسطينية، أصيبت بالجنون بفعل إجراءات الاحتلال الإسرائيلي، وهى شخصيات حقيقية معروفة يعود تاريخ بعضها إلى عام النكبة الفلسطينية.
وأوردت صحيفة "العرب" اللندنية أن الأديب والروائى الفلسطيني أحمد رفيق عوض قدم للكتاب قائلا: "هذه حكايات أو سرديّات تقدم لنا الفانتازى والأسطورى ظاهرياً، ولكنها، وفى الوقت ذاته تدهشنا بأنها تقدم لنا اليومى والحياتى والمعيشى أيضا، لا فرق بين الأمرين. نحن نعيش الفانتازى والأسطورى يومياً، وبكلمات أخرى، حياتنا لا تستقيم ولا تُعاش ولا تُحتمل دون هذا الاستثنائى والمدهش. حياتنا ليس فيها واقعية كثيرة، وليس فيها استثناءات كثيرة، ولكن هذه الاستثناءات على ندرتها هى التى تعطى المعنى والنكهة".
ويضيف عوض:" المتوكل طه، بلغته الحارقة والنافذة، وقلبه المتّقد، وعواطفه السيّاحة، يلتقط ما حوله، ومما سمع، ومما عاش، أنماطا تقدم لنا وعيها وحياتها بطريقة استثنائية مدهشة وبالغة الحرقة والألم، والمسألة تتعدى التصديق والتكذيب، أو الحقيقة والواقع، أو الخيال أو التخيّل، المسألة أبعد من ذلك بكثير جداً. ليس كل ما لا نرى هو غير موجود، وليس كل ما نرى هو بالضرورة موجود. وما أصدق مَنْ قال إننا لا نحتاج إلى عينين لنرى.
الجنون – كما تقول هذه الحكايات أو الروايات – جزء لا يتجزأ من الحياة، الجنون بأنواعه، المريضة والواعية والخفيفة والاستثنائية، جزء أصيل من الحياة . لا يمكن الاستغناء عن الجنون، للثورة والكشف والفضح والانفضاح والنقض والمواجهة والقدرة عليها، لا بد من لحظة جنون حتى تستقيم الحياة، وحتى نستطيعها ونحتملها ونراها بألوانها الحقيقية . لا بد من لحظة جنون كاشفة وكاوية ونافذة، ليس للرؤية فقط ولكن من أجل الحياة ذاتها".ويختتم عوض تقديمه بالقول: "هذه سرديات تقدم الحياة فى لحظات الجنون والخيال.. والكثير من الحقيقة .. تماماً كتلك الفتاة التى حدقت فى المرآة، فرأت طبقات من أنواع الحيوات المختلفة .. الفتاة لم تستطيع أن تطيق أن هناك غيرها .. لم تستطع أن تهضم أن الآخرين – غيرها – يمكن لهم أن يجنّوا، لم تستطع أن تختبر تلك التجربة.. فكسرت مرآتها .. هذا الكتاب مرآة مثل تلك التى فى الحكاية.
من السرديات نقرأ نص الدخول :
"
نَصُّ الدخول
تجاوزنا حفرة اليأس، وقفزنا فوق رمال البرق التي تسحب الظلال إلى الأعماق . كان عذابا حلوا ، والخوف
ضروري للوصول إلى المجنون.
هو رجل بلغ السبعين، وتجرّأ على السنوات! وحتى يظلّ فتيّا ، فقد علّق صورته ، وهو شاب ، على جدار
غرفته في المخيم ، وأمرها أن تكبر وتهرم نيابة عنه ، وظل شابا ، يرى ويتبع الصقر في يوم غائم ، ويدلّ
الصياد عليه. له وجه يشبه البحر بعد العاصفة، ويبدو أن ساحرا بارَكَهُ ، لذا، فهو لا يموت! لا يمكن
اللحاق به، ولو بمئة قمر صناعي، أو ألف كلب صيد.
استقبلنا على شرفة بيته الشاميّ، كان وجهه صافيا كالخزف الصينيّ، ويمسك بقلم يشبه شكل البندقية، كأن مهمتّه الدموية لم تنته بعد! رغم صمت الطبول.
رجلٌ يتشوّق إلى البعيد، يعرف صوت الخداع، وينأى عن الذين رغبوا بالرذيلة أو انغمسوا فيها، ولمّا سألته عن أصدقائه القدماء، قال: كانوا دوائي، لكنهم تحوّلوا إلى سُمّ زعاف، لهذا، سأطلق ذئبي بين نعاجهم، أولاد اللّخناء!
رجلٌ يبدو أغنية من لحم ودم ، يحبّ النساء الولودات مثل فلاّح عريق ، ويشفق عليهن ، فيبدو في عيونهن
غامضا كالناحية السوداء ، تراه وحيدا في ميدان الخيل الفارغ ، كأن الفرسان قد ماتوا ! ولا ترى في عينيه نظرة الهارب ، كأن الإصرار شعاع بؤبؤيْه ! يحبّ أن يتبأر في العيون ليكتشف جوهر الناظر أو المتحدث أو المتشاوف .
ويبدو أن حصانه الحقيقي ليس كالأحصنة التي نعرفها ، بل إنه ذلك الترقب وملاحقة كل ما هبّ وجاء
إلى أحشاء الناس ، وعمل على تحطيمهم وإذلالهم ، لهذا تراه يأخذ حصانه يمينا ويسارا ، كأنه مروحة
يروّضها ويهفّ بها ، إنها طريقته الملكية ليحول دون وصول هواء أو دخان إلى جهاته ، إنه بحصانه الرشيق يردّ كل الموجات الصفراء الخانقة، ليظل بعافية الحضور ، ويتغلّب على فساد المناخ أو المكان ، وينتصر على مخاوفه وزلاّته ، وما تكاثف من حوله من غوائل وآفات .
ينام قليلاً ويحلم كثيراً ، ويحمل المواخر على لسانه ، كأن فمه بحر عوليس الناري بمخلوقاته الباطشة ، وعندما تجلس إليه ترى حلما في حلم، وتسمع السباع وهي تعوي في قلبه، ويده الممدودة باستقامة على يمينه، ثابتة كأنها سيف البحر.
هل أنتَ خالد الذي مات أبوه وهو في بطن أ مّه ؟ نعم، هو أنت ! يا أيها اليتيم السبعينيّ النبيل ، أخشى أنّك صرت كالنمور المُسنّة، التي تصبح كاسرة ،ً عندما تدرك نهايتها ؟! ضحك حتى اهتزت الحديقة، وقال: لكلامك ترتيب نمطيّ سعيد! لا يا بنيّ، فأنا الجوّال الأبديّ، أنا الحرف الصوفيّ الحاوي، وأنا المغنّي الذي وقفت له الشرفات، ولوّحت له الأيادي والزهور. بدأت سيرتي منذ دم أبي على صخرة الجبل حتى اليوم، ولن تنتهي إلى أن أمسح دمعته، في قبره، حتى يستريح وينام. ل?كنك وحدك! ولا تتقن إلاّ أن تلعن تاريخك ، وتحارب
وحدك كل انهيار !
ضحك الخالد ، فأدركتُ سذاجتي، وكأنه قال: كل شيء معي؛ الطبيعة والناموسُ وَوَهْمُ الزمن والتاريخُ
والغناء والأحمالُ... وصاح: معي الجنون! ألا يكفي؟
قلت: هو الزاد الكافي والنسغ الوافي..
وأردف : أنا لا ألعن تاريخي ، ولا أقدّسه أيضا ، ل?كننا بحاجة ماسّة وحيوية ، إلى أن نكشف جرحنا للريح
والهواء ، وأن ننقّيه من صديده والتهاباته ، وأن نعصر الجمر على حدوده ليبرأ من جديد !
يا أخي ! لا بُدّ من مراجعة المسيرة ، لنعرف اللوطيّ من النبيّ ، والبائع من الرافع ، والسارق من الوامق
، حتى لا تضيع غرناطة ، مرة أخرى ، في القدس !
وحتى لا تموت مريم المخيم ، أو تجهض فاطمة الحاجز ، وحتى لا يفتشوا جسد أمك الميتة بهراواتهم في
الطرقات ، أو يظل إخوتك كالكلاب اللاهثة الجوعى أمام مكاتبهم الموبوءة ، وتحت قوى اللاوعي المُظلمة !
عُدْ ، إذاً ، وانتظروني هناك ، فإن مَنْ سرقوا القافلة سيتّهمون أصحابها الحقيقيين ، بالقرصنة والجنون وقطع الطريق .
رجعنا، والمجنون بجسده الممتلئ يغطّي كل الجبال والشوارع والوهاد، كأن صورته غطّت كل شيء، فلا
نرى إلاّ شيئاً منه؛ شَعره الطويل الممشوط الأبيض، فَمَه المزموم كالبرعم الخرافيّ، وعينيه الدخانيتين..
كأنه ضباب كثيف ملّون، تجسّد، حتى بدا كائنا أكبر من هذه الأرض الممتدة!
وصلنا، فسألني صديقي أبو ضحى: كيف وجدته؟
قلت: مجنون رائع، يعرف حدود لعبة الزمان، فأعدّ لها البيادق المناسبة. لم يسمع بالهزيمة، ولا يقرّ بالنكبة ....".
© 2008 البوابة(www.albawaba.com)