القاهرة: صدر للكاتبة رنا أبو ظهر الرفاعي كتاب بعنوان "الملف النووي الإيراني والصراع على الشرق الأوسط" عن "دار العلوم العربية" تحاول فيه الإجابة عن السؤال الجوهري الآتي: هل الصراع الأميركي - الإيراني هو في حقيقته صراع على الملف النووي، أم على بسط النفوذ في الشرق الأوسط؟.
وهي تفعل ذلك إوفقاً لجريدة "النهار" اللبنانية نطلاقاً من الفرضية الآتية: إن السبب الحقيقي وراء التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران هو الوضع المتأزم في العراق، فالولايات المتحدة ترغب في أن تقوم إيران بدور مساعد في تطبيع الخطة المرسومة والمتغيرة كل حين لـ"الساحة" العراقية، والموضوع الآخر هو المشهد الفلسطيني الذي شهد إصراراً من إدارة بوش على إيجاد حل لتفاقمه، وتنفيذ القرارات الدولية في لبنان ولا سيما معالجة سلاح "حزب الله" وما يشكله من تهديد لإسرائيل ؛ فالولايات المتحدة تعتبر دعم إيران لكل من "حماس" في فلسطين و"حزب الله" في لبنان، و"جماعات المقاومة" في العراق دعماً لمنظمات تشكل إقلاقاً للولايات المتحدة وإسرائيل.
فالأزمة النووية الإيرانية بحسب رنا الرفاعي، شديدة الإختلاف عن كل الأزمات المشابهة لها في العالم تبعاً لما تفرضه من حقائق جديدة ومن تحولات مصيرية في مسار الأزمات التي يعيشها الشرق الأوسط وفي طليعتها الصراع ضد إسرائيل. فامتلاك باكستان القنبلة النووية، على أهميته الإستراتيجية، لم يشكل في نظر الهند، التي تخوض نزاعاً مع اسلام أباد على كشمير، تطوراً يمكن أن يؤدي إلى إزالة الدولة الهندية من الوجود، أو إلى تقويض الحضارة الهندوسية، بل مجرد تطور استراتيجي يعدل في موازين القوى في منطقة جنوب آسيا ويمكن التعايش معه. الراجح أن معارضة الولايات المتحدة والدول الكبرى، المشروع النووي لكوريا الشمالية لا تندرج إلا في إطار سياسة عامة تحاول الحد من تسرب الأسلحة النووية، ومنع حصول أي تعديل نوعي في المعادلة الإستراتيجية في منطقة الشرق الأقصى، غير أن الصورة في منطقة الشرق الأوسط تبدو مغايرة تماماً.
الأكيد أن النتائج التي قد يفرزها دخول الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى النادي النووي لا تقتصر على تهديد الولايات المتحدة في سياستها ومصالحها ووجودها في الشرق الأوسط، بل تتعداه إلى ما تراه إسرائيل تهديداً مباشراً لها وخطراً على وجودها، لذلك عمدت الدولة العبرية إلى تطوير أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ الإستراتيجية أطلق عليها اسم مشروع "الجدار"، بما يجعل إسرائيل حقلاً للصواريخ الأميركية الصنع مع كل أنظمة الإنذار المبكر والإكتشاف المتقدم وتحديد مراكز الإنطلاق، والتي باتت تشكل مظلة قادرة على اعتراض كل هجوم صاروخي وإحباطه. وتؤمّن هذه المنظومة الدفاعية ما هو أكثر من الحماية ضد الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل لتدخل مجال التأثير في الحسابات الإستراتيجية للدولة المهاجمة.
ترى الكاتبة والصحافية رنا الرفاعي حسبما ذكرت "المنار" أنه في حال إقدام إيران، وهي تملك قدرات هجومية ونووية محدودة، على التفكير في مهاجمة إسرائيل، فلا بد من أن تدخل في حساباتها الإحتمالات الضئيلة لاختراق الأجواء الإسرائيلية من جهة، وفي المقابل، حتمية الرد الإسرائيلي الذي سيكون فعالاً ومؤذياً. وهذا ما يجعل احتمالات الضربة الأولى الإيرانية ضئيلة ومكلفة.ولكن رغم أهمية المنظومة الصاروخية الدفاعية الإسرائيلية وما يقابلها من قدرات الردع النووي الذي تتمتع به إسرائيل، فإن معادلة الدفاع الصاروخي لا تبدو في نظر القيادة الإسرائيلية كافية لحماية الكيان الصهيوني من أخطار جمهورية إسلامية تمتلك السلاح النووي، مما يطرح أمام القادة الإسرائيليين خيار الضربة الإستباقية أو الحرب الوقائية.
ومع ذلك فإن الخيار العسكري الإسرائيلي لاجهاض المشروع النووي الإيراني يفوق الأخطار التي يفرضها المشروع النووي الإيراني، فمفاعيل أي ضربة عسكرية لن تتوقف بالتأكيد عند الحدود الإيرانية بل ستزداد بعنف في الشارع الإسلامي من بغداد إلى الأراضي الفلسطينية إلى لبنان، ولا سيما أن إسرائيل ستعمد لمعاودة شن الحرب على لبنان لتحقيق ما لم تتمكن من تحقيقه في حربها الأخيرة ضده!
لعل لبنان هو البلد الأكثر تأثراً بتداعيات الملف النووي الإيراني، مما دعا الكاتبة الى تخصيص قسم كبير من مؤلفها للأزمة الأخطر التي يمر بها لبنان منذ نشوب الحرب اللبنانية. فهذه الأزمة ناجمة في الأصل عن الصراع بين القوى الإقليمية والدولية الذي يمثل فيه الملف النووي الإيراني الوجه الأبرز. على هذا الأساس فإن مسار حل الأزمة اللبنانية لا يزال طويلاً حتى لو كانت بدايته مع انتخاب رئيس للجمهورية، طالما أن الصراع بين القوى الدولية والإقليمية حول النفوذ والسيطرة وليس فحسب حول ملف إيران النووي.
© 2008 البوابة(www.albawaba.com)