الصفحة الرئيسية
بريد إلكتروني
لبنان ليبيا مصر موريتانيا المغرب الامارات الاردن البحرين اليمن الجزائر السعودية
السودان العراق الكويت ايران تركيا تونس سوريا عُمان فلسطين قبرص قطر


 
مش انا
بتهمة مساعدة الاسرى ..الحبس الانفرادي لقطة بسجن النقب في فلسطين المحتلة
خيّاط فرفوري عتيق للبيع- علي السوداني
اذا اردت ان تقرأ شيئا مفيدا ورائعاً.. ادخل!
اوباما ينحني نصف قامته امام امبرطور اليابان
 
الحافلة-خالد ابو الخير
Posted: 28-04-2009 , 17:23 GMT

خالد ابو الخيرأختار أن لا يغادر الحافلة..

حين يعود إلى الوراء يمكنه تذكر وجه زوجته ذات نوبة فجور، وأولاده الذين نشأوا على غير هواه، وارتال من العسكر وموظفي البنوك المخلصين وملقني الأحياء والموتى، والسماسرة من كل نوع.

لسبب أو لأخر، أو رما لاسباب شتى، نسي لماذا هو مطارد منذ استقل حافلة الركاب التي تنطلق من شارع لم يعد يذكر اسمه.

اتخذ مكانه في المقعد الخلفي، تحسباً أن يستقل الحافلة أحد من مطارديه، فمن مكمنه هذا يمكنه أن يلحظ كل من يستقل الحافلة أو ينزل منها، كما بمقدوره أن يغادرها بسهولة، من الباب الخلفي الذي يبعد عنه أقل من متر.

بعد سنوات أمكنه أن يسخر من فكرته تلك، فمطاردوه، هذا إذا كان حقاً ثمة مطاردون له،  لا يستقلون الحافلات عادة ويشمئزون من ركوبها. فقرر أن يغير مقعده، إلى كرسي قريب من السائق أتاح له رؤية أفضل للشوارع.

تغيرت الشوارع كثيراً، وأزدحمت بشتى انواع المركبات، والبشر. وصار معتادا أن تتغير مسارتها، فتلك التي كانت باتجاهين تحولت الى اتجاه واحد، وجرى جرف أرصفة اعتاد سابلة وباعة متجولون طرقها. غير أن الملاحظ ان كل ما جرى فعله، بما في ذلك اقامة جسور وانفاق، رسخ من الأزمة المرورية ولم يحلها، في مدينة تصدأ من فرط عتقها.

 

سره انه تحلل فجأة من شتى الالتزامات، فلا أجرة بيت، ولا زيارة لا تحتمل الارجاء الى المؤسسة الاستهلاكية مع مقدم كل شهر، ولا اقساط مدارس، وقرض البنك، ولا حتى راتب. سره تحلله حتى من مشاعره تجاه من كانوا اهله.. زوجة على المقاس، تفيض شكوى وصراخاً، وأولاد حاول جهده الا يكونوا مثله، فكانوا رغما عنه.

 

استسلم  لعجقة السير  والدوران، واعتق النسيان.

 

طوال سنوات، سلى نفسه بالتنصت على أحاديث ركاب الحافلة، فتلك سيدة تشكو من ارتفاع الأسعار، وموظف يحكي عن الظلم الذي أحاق به، وشرطي يتذمر من ارتفاع نسبة الجرائم، وحزبي لا يعجبه العجب ولا صيام الحكومة في رجب، ومراهقة تبدي حنقها على مقدار الحرية الذي تسمح لها عائلتها به. أحاديث شتى لأناس من مختلف المشارب والأصول والأعمار، تجمعهم رغبة عارمة في التذمر والشكوى من كل شيء.

 

:أفسح لي مكاناً.

 

ودفعته قليلا باليتها المكتنزة، سيدة في مقتبل الاربعين، أصرت على الجلوس لصقه.

 

كانت الحافلة وقت الظهيرة ممتلئة عن بكرة أبيها، عندما باغتته في مكمنه، وبدأت حديثين، واحد جرى على لسانها، لم تكف فيه عن التذمر من أزمة المواصلات والشقق والعرسان والطرقات، والآخر.. نطق به جسدها المفتقد للانسجام ككتلة يصعب تحديدها. أحيانا كان صوت الجسد يعلو على صوت اللسان، فلحظ مستغرباً احمرارا على وجنتيها خاله بعيد المنال.

 

السيدة التي اعتادت اقتحام وحدته، لأيام، والجلوس بجانبه واضعة طرف فخذها على فخذه، حتى عندما لا تكون الحافلة مزدحمة، سألته مرة: أراك دائما في الحافلة.. أليست هناك محطة تتوجه إليها!.

 

باغته السؤال كمن القي على رأسه جردل ماء. وأعيته الاجابة، لكنه بدل الموضوع بسؤال مباغت عن أحوالها، فانفتحت شهيتها للحديث وجرى الكلام على لسانها بكل ألوان الطيف، حتى حل الليل، فغادرت مقعدها بجواره قائلة: أراك في الغد.. والأفضل أن يكون لديك جواب.

 

سأل مندهشاً: جواب..

 

قالت شاهرة اصبعها بتأنيب: لماذا أيها المواطن المحترم لا تغادر الحافلة؟.

 

تمنى، يضع وجنته على زجاج النافذة متطلعا إلى الأضواء والنجوم الكليلة في ليل مدينة قلما تنام،  لو أن الأضواء تنطفي ليرى قبة السماء بلا حجاب، تماما كما رأها مرة في طفولته على سفوح قريته البعيدة.

 

وتمنى أن لا يرى تلك السيدة ثانية. لكنه كبت حسرة فقد المرأة، مثلما كبت سابقاً حسرات تعيي من يعدها.

 

تسير الحافلة الهوينا صاعدة الطرقات العالية، بالكاد تلتقط أنفاسها، ولا تلبث أن تنحو للسرعة في الشوارع المنبسطة، حيث يبدو اعلان لسيدة تتمدد على قارعة يافطة، تسأل المارة عن وجهتهم. لكن السؤال ليس من بقية الديباجة الإعلانية، يمكن القول انه محض خروج عن النص.

تلتقي عيناه بعينيها كلما مرت الحافلة صوبها، أبدا تسأله. وأبدا لا يحير جواباً.

جاوره مرات صانع اقفال كبير السن وفقير الحال، بملابس رثة وبنطال مهترئ، قال أنه سيغيره منذ سنين اربع، ولم يفعل. قال له مرة:

أود ان اتقاعد.

ولما لم يجبه..تابع كلامه: لقد كبرت كما ترى، ومن هم في مثل سني تقاعدوا منذ سنين. أم ترى أن من كان مثلنا لا يتقاعد ابداً.

 

اجابه يرنو الى الطريق: لا يتقاعد ابدا.

 

صانع الاقفال اهداه قفلا وقال مودعا : حين تغادر الحافلة مر بمحلي، ساعطيك مفتاحه.

 

 منذ ذلك اليوم.. صار الرجل القفل، بالنسبة للركاب الذين يتغيرون دائما، فقد عرف حاملا لقفل لا يدري احد لماذا يصر على الإمساك به.

 

قبل لقبه الأخير كان حاز عشرات بل مئات الالقاب، فهو: الرجل الصامت، وهو ملك أو سيد الحافلة، وهو نابليون، وموسيليني معاً، واحيانا سيدهارتا.

في قرارة نفسه.. لم يرق له أي من هذه الالقاب.

 

جرت محاولات في السابق لإبعاده عن الحافلة، قاومها كلها، معتداً بانه ليس راكبا عادياً. لكنه راكب ابدي. ويشهد جميع الركاب، صغارا وكبارا بأنه لطيف المعشر وغير مؤذ، يأخذون عليه فقط قلة كلامه وكثرة شروده، ولا باع له بالسياسة.

 

تسير الحافلة بسهولة انسياب قارب في مياه لا لون لها. تغويه السيدة المستلقية على قارعة الاعلان، والمرأة التي غادرت اليتها مقعده ولم تعد، وذكرى ذويه وشرطة السير والحرس البلدي وصانع الاقفال، والقفل. و تسير.

© 2009 البوابة(www.albawaba.com)

نسخة للطباعة
أعلى الصفحة
نسخة للطباعة
أراء - يوجد 3 رأي لهذا المقال

» جميل ما تكتب
  الكاتبة الباحثة امتياز المغربي, (2009-04-29 , 13:15) - رد على هذا التعليق
  عندما تهطل اللمسة الانسانية على ايقاع الاحرف والكلمات فإننا نجد خيط رفيع جميلا يقودنا دائما بخفه وسلاسه نحو نص جميل بالتوفيق يا خالد ابو الخير تحيتي الكاتبة والباجثة امتياز المغربي فلسطين

» جميل
  عطيل, (2009-04-30 , 13:35) - رد على هذا التعليق
  نصوصك من اجمل ما قرأت.. خالد ابو الخير انت رائع

» لا يغقلون
  جميل, (2009-06-08 , 22:10) - رد على هذا التعليق
  بصراحة ومن الاخر انت خسارة بهل امة التي لا تقلاا ولا تعقل ولا تفهم.. الله يعينك لانه وضعك في وضع لا تحسد عليه بين تافه ومارق ومتسول ومنافق ومزيف. قلبي معك يا ابو الخير
   
   
   
 

  من نحن للإعلان خصوصية المعلومات المسؤوليّة  
© 2009 Al Bawaba (www.albawaba.com)