أطفال الشوارع وثورة البذاءات!

منشور 12 أيّار / مايو 2016 - 03:55
ارشيف
ارشيف

محمد صلاح

يستند بعض علماء السياسة إلى نظرية «ثورة التوقعات» في تفسير استمرار مظاهر الاحتجاج في شكل أو في آخر على رغم التحولات التي شهدتها مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتقوم النظرية على أن الناس لا يشاركون في الاحتجاجات «لأن أوضاعهم تسير من سيئ إلى أسوأ فقط، ولكن أيضاً لأن أحوالهم تشهد بعض التحسن بما يؤدي إلى زيادة توقعاتهم في حياة أفضل، ونتيجة لعدم قدرة الدولة على تلبية تلك المطالب يتولد لدى بعض المواطنين شعور بزيادة الفجوة بين ما يعتقدون أنهم يستحقونه وبين واقعهم الفعلي فتتحول ثورة توقعاتهم إلى مشاعر من الإحباط والغضب». لكن ماذا عن «ثورة البذاءات» فليس سراً أن شظايا الربيع العربي أفرزت تحولاً غريباً في معايير الحكم على السلوك بالسلب والإيجاب وصار الخروج عن الآداب شجاعة والتطاول على الناس جسارة والجهر بالألفاظ الخارجة والشتائم سلوكاً ثورياً وتحولت السخرية إلى استهزاء واحتقار، ويبدو أن «ثورة البذاءات» صارت تحتاج إلى تفسير علمي أسوة بالتفسير السياسي لثورة التوقعات، خصوصاً في ظل الخلط بين السياسة والبذاءة وبين السلوك الثوري والاعتداء اللفظي وبين النضال ورمي المولوتوف!

نموذج الخلط بين السياسة والبذاءة يبدو واضحاً في رد فعل النخبة السياسية المصرية على موضوع «أطفال الشوارع» فالحديث في مصر لا يتوقف ومنذ سنوات عن هذه الظاهرة، وفي كل فترة تقفز إلى السطح، كلما عصفت الظروف الصعبة أو الفقر بطفل أو أكثر ممن يسكنون الشوارع، أويبيتون لياليهم تحت الجسور أو في الأراضي الخالية، أو بين السيارات. وبالطبع لا يتوقف العلماء عن التحذير من خطورة الظاهرة على المجتمع، ويستثمرها السياسيون والنخب والنشطاء في الغمز واللمز والضغط على الحكومات، وتكون مناسبة جيدة لبرامج الفضائيات لتنشر الغسيل طوال الليل إذا دهس قطار أحد أطفال الشوارع، أو إذا ارتكبت مجموعة منهم جريمة. المهم في النهاية أن الكل أجمع على أن «أطفال الشوارع» ضحايا مجتمع مترد وحكومات فاسدة وظروف اجتماعية واقتصادية قاسية.

عاد الحديث مجدداً عن «أطفال الشوارع» طوال الأسبوع الجاري عبر حملة شنتها فضائيات تابعة لـ «الإخوان المسلمين» أو متحالفة معهم تبث من خارج مصر، وكذلك عن طريق إعلاميين يسهرون طوال الليل أمام الكاميرات في استديوات الفضائيات المصرية ليمارسوا هوايتهم أو قل حرفتهم في التنظير والوعظ وإرشاد المواطنين، وأيضاً بواسطة ناشطين من الأوزان الثقيلة طالبوا بإطلاق «أطفال الشوارع» وتركهم على ما هم فيه وإفساح المجال لهم ليمارسوا سلوك الشوارع ويفرضوه على المجتمع! المناسبة الجديدة التي فرضت الموضوع على الساحة هي تلك الضجة التي تفجرت رداً على قيام السلطات بالقبض على ستة من الشبان لتحيلهم في وقت لاحق على النيابة العامة التي أمرت بحبسهم احتياطياً على ذمة تحقيقات تجري معهم يواجهون فيها تهماً تتعلق بالتحريض على أعمال العنف والسعي لإسقاط الدولة. يطلق الستة على أنفسهم اسم «أطفال الشوارع» وهم كانوا كونوا فريقاً يفترض أنه يقدم فناً ساخراً حيث عرضوا أعمالهم على الناس عبر شبكة الإنترنت، وبالطبع كان فنهم مادة خصبة مؤثرة استخدمتها كل فضائيات «الإخوان»، لكن لم تجرؤ قناة مصرية واحدة على عرضها ليس خشية التعرض لرد فعل من جانب السلطات المصرية، وإنما ببساطة لأن «شرطة الآداب» ستتولى المهمة! عرض «أطفال الشوارع» عدد قليل من «الاسكيتشات» التي يفترض أنها ساخرة أو كوميدية تهزأ من الأوضاع السياسية في مصر وتتناول رئيس الجمهورية وزعماء دول عربية لها علاقة طيبة بمصر بعبارات بذيئة ومفردات خادشة للحياء، لا يمكن لأي وسيلة إعلام تحترم نفسها أن تعرضها وإلا تعرضت للمساءلة القانونية سواء في مصر أو خارجها، ما عدا بالطبع القنوات «الإخوانية» التي تبث من دول ترعى «الإخوان» وتؤيد أفعالهم. وإذا كانت السلطات المصرية أخطأت حين أوقفتهم فإن خطأها الحقيقي أنها تعاملت مع الأمر من موقف سياسي ووجهت لأطفال الشوارع الستة تهماً لا تختلف عن تلك التي توجه إلى «الإخوان» وغيرهم ممن يحرضون على العنف أو يمارسونه، وكان يتعين عليها إحالة الأمر إلى شرطة الآداب ليخضع الستة لمحكمة بتهم تتعلق بخدش الحياء العام والسب والقدح وتوجيه السباب.

خلص أستاذ علم السياسة في جامعة القاهرة الدكتور محمد كمال في مقال نشره في «المصري اليوم» نهار الأحد الماضي إلى أن التعامل الأمثل مع «ثورة التوقعات» يكون «ببناء المؤسسات السياسية القادرة على التكيف مع التغيير واستيعاب الجميع والتعامل مع المطالب بداخلها كبديل للجوء إلى الشارع»، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا إذا كان معارضو الحكم من رموز النخب السياسية لا يخجلون من تأييد تلك المظاهر الخارجة عن الآداب العامة ويفخرون بدعم أصحاب السلوك المشين لمجرد أنهم يوجهون سبابهم وشتائمهم إلى الحكم؟.

عن "الحياة"

مواضيع ممكن أن تعجبك