أميركا في ظل فرنسا 2002

منشور 29 آذار / مارس 2016 - 06:05
ارشيف
ارشيف

روبرت زاريتسكي * — (ريل كلير وورلد) 7/3/2016

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

"صوتوا للمحتال، وليس للفاشي". هكذا حثت صحيفة ليبراسيون الفرنسية الناخبين صبيحة 23 نيسان (أبريل) من العام 2002. وكان محررو الصحيفة قد انتبهوا إلى واقع كان القليل من الناس يعتقدون أنه ممكن. ففي أعقاب الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، سوف يقابل الرئيس غير الكفؤ، جاك شيراك –الذي لطالما كان موضع شك بأنه مارس الاحتيال المالي في الحملة— الزعيم الكريه للجبهة الوطنية السلطوية المعادية للسامية، جان ماري لوبان، في الجولة الثانية والحاسمة من التصويت بعد أسبوعين.

وهكذا، فجأة، وعلى نحو غير متوقع، بدت الجمهورية في خطر.

وفي أعقاب جولة أخرى من الانتخابات الرئاسية الأميركية التمهيدية، قد يشعر الأميركيون بهذا الشعور من معايشة شيء مألوف مسبقاً مرة أخرى. ويقترب دونالد ترامب، الذي أيده جان ماري لوبان مؤخراً، من الفوز بترشيح الحزب الجمهوري له لخوض انتخابات الرئاسة. وفي هذه الأثناء، تجمع هيلاري كلينتون المندوبين الديمقراطيين بنفس السرعة التي جمعت بها المكافآت والأتعاب لقاء الحديث من البنوك وبيوت السمسرة. والفرص هي أنه تماماً مثلما فاز شيراك على لوبان، فإن كلينتون سوف تتغلب كذلك على ترامب.

 لكن هذا ربما لن يكون النهاية السعيدة التي نتخيلها.

في العام 2002، كانت كلمة "تراجع" تدور على لسان الجميع في فرنسا. وقد عمق الاقتصاد الضعيف ما يدعى "الصدوع الاجتماعية" التي تفصل بين الطبقات المجتمعية. وبدت قوى العولمة والهجرة وأنها تمحو حدود الأمة وتقوض الإحساس بالهوية الوطنية. وفي الأساس، بدت فرنسا وأنها تفرق بين ما يصفه عالم الاجتماع كريستوف غويلوي "المركز الحضري" و"الهامش". ويشكل الأول موطنا للطبقات الحرفية المستفيدة من التغيرات التكنولوجية والتجارية الكبيرة، وقد أصبح قواعد انتخابية للأحزاب الرئيسية في اليمين وفي اليسار. أما الذين لا يستطيعون العثور على وظائف في هذا العالم، فينجذبون نحو المناطق الهامشية، وغالباً ما يتم تجاهلهم من جانب أحزاب الاتجاه السائد. ويقول غويلوي إن المحافظين والاشتراكيين على حد سواء فشلوا في قياس الغور "الأيديولوجي والثقافي الذي يفرقهم الآن عن هذه الطبقات المجتمعية المتواضعة".

وتم قياس الغور مقارنة بأبعاد جان ماري لو بان المتضخمة. وعندما لا يقوم باستبعاد الهولوكوست باعتبارها " تفصيل من التاريخ" مذكور في نظام فيشي المتعاون، كان لوبان يلوم المسلمين ويقول إنهم مصدر متاعب فرنسا الاقتصادية والاجتماعية. وفي خطاباته، تحولت الهجرة إلى غزو، وتم اختصار الإسلام في الغزو. وعلى الرغم من استدعائه للمثول أمام المحكمة بتهمة التحريض على الكراهية العنصرية، أصر لوبان على مواقفه، محذراً فرنسا من أنها عندما ينمو السكان المسلمون من خمسة ملايين إلى 25 مليوناً، فإنهم "سيطلقون النار بينما نسير أمامهم ونحن محنيّي الظهور".

وفي الجولة الثانية من الانتخابات، صوت أكثر من أربعة أخماس المقترعين الفرنسيين لصالح شيراك —أو بالأحرى ضد لوبان وقيمه السامة. لكن من المهم الآن، فيما نحن نحاول إضفاء العقلانية على ظاهرة ترامب، تذكروا أن الرفض الضخم للوبان كان أفضل شيء يحدث للجبهة الوطنية على الإطلاق. وكان الحزب، إلى حد كبير، هو عربة لوبان الشخصية التي انحرفت في اتجاهها بين الفودفيل بين الهزل وبين العنف، والتي كانت وظيفتها المحافظة على ماركته الشخصية في عين الجمهور. وبسبب افتقاره إلى تنظيم وطني وتابعين محليين، لم يعد لوبان مستعداً لخوض حملة وطنية أكثر مما كان مستعداً لإدارة البلد. ولم يفهم ذلك أحد أفضل مما فهمته ابنته، الزعيمة الحالية للحزب، مارين لوبان، التي حولت ما كان ذات مرة مجموعة مزركشة من الأشرار المعادين للسامية والنازيين الجدد والتقليديين الكاثوليك والملكيين إلى داخل حزب أعاد تعريف المشهد السياسي للبلد. ويعود الفضل للوبان الابنة في أنه قد أصبح لدى فرنسا نظام الأحزاب الثلاثة.

وهو نظام أصيب بعدوى رهاب الأجانب والتوتر السلطوي عند الجبهة الوطنية الفرنسية. وتماماً مثلما سعى جمهوريو المؤسسة، مثل ماركو روبيو وتيد كروز، إلى مواكبة خطابات ترامب الرنانة المعادية للهجرة والمعادية للمسلمين، استهدف الجمهوريون الفرنسيون مثل نيكولاس ساركوزي "العرب" مراراً وتكراراً كتهديد قومي. وفي العام الماضي فقط، أعلنت أحد حلفاء ساركوزي، نادين مورانو، أن فرنسا هي "بلد السباق الأبيض"، مضيفة أنها لا تطيق "رؤية فرنسا وقد أصبحت مسلمة". وكثيراً وعلى نحو يشبه كثيراً رفض ترامب الأساسي لدعم ديفيد ديوك، انتظر ساركوزي ثلاثة أيام قبل إدانة كلمات مورانو وطردها من الحزب.

ربما يكون الأمر الأكثر كشفاً هو التطور السياسي لرعاع الجبهة الوطنية الفرنسية. فهم لم يعودوا كما كانوا في العام 2002 —ومثل مؤيدي ترامب في العام 2016— يدلون بأصوات تعبر عن غضبهم من نظام يتجاهلهم. وكما يحاجج علماء سياسيون مثل جان ايف كاموس ونيكولاس–لوبور،  لم يعد ناخب الجبهة الوطنية الفرنسية يصوت ضد أحزاب الاتجاه الرئيسي السائد أو ضد أعداء وهميين. بل إنهم يصوتون الآن لصالح خطاب الجبهة الوطنية الفرنسية الذي يدعو إلى الحمائية الاقتصادية وإعادة تعزيز الحدود الوطنية وسياسة "صفر هجرة". وهم يصوتون، على نطاق أوسع، لإعطاء الجبهة الوطنية الفرنسية دوراً وصوتاً أكبر في النظام. ويعرف هؤلاء المقترعون، على نحو متزايد، ما الذي يريدونه مثلما يعرفون ما الذي لا يريدونه.

لكن الأحزاب التقليدية لم تستوعب هذه الحقيقة تماماً بعد. فهي ترى في الجبهة الوطنية الفرنسية مانعة الصواعق ضد الذين سئموا من النظام وليس كحزب سياسي ناضج يتوافر على الأفكار والسبل لتغيير النظام. ومن غير المستغرب أنهم يميلون أيضاً إلى استبعاد المخاوف، الثقافية والاقتصادية على حد سواء، للعمال وأصحاب النشاطات التجارية الصغيرة التي تملأ صفوف الجبهة الوطنية الفرنسية. وترى الطبقة السياسية الفرنسية هؤلاء الرجال والنساء "السطحيين" الذين يقبضون بمرارة على خبزهم وقبعاتهم.

هكذا يشير تاريخ الجبهة الوطنية إلى الخطر الحقيقي الذي يواجهه النظام الأميركي راهناً. وإذا واجه ترامب هيلاري كلينتون في انتخابات شهر تشرين الثاني (نوفمبر) ومني بهزيمة ساحقة، فستكون تلك نهاية حرفته السياسية. ومثل توأمه الفرنسي، سوف يهيم غاضباً في دياجير الظلام.

لكن مغادرته لن تؤشر على نهاية الحركة التي قادها في الانتخابات. فالعدد المتنامي للأميركيين السطحيين، الممتعضين من التراجع في وظائف التصنيع وفي القوة الشرائية والفرص الحرفية يطالبون بأن يتم الاستماع إليهم. ويستغرب المرء إذا كان تساهل كلينتون مع تفصيلات السياسة يمكن أن يتغلب على الصعوبة التي نشأت بفعل إحساسها بالأهلية. وعلى نحو مشابه، يشك المرء في أن تجاهل ترامب المطلق للسياسة سيقوده إلى ما هو أبعد مما قاد إليه جان ماري لوبان. لكن حركته إذا وجدت زعيماً يتوافر على مواهب تذهب إلى ما وراء مؤهبته في الاستئساد، فسيكون لها نفس الأثر المزلزل على مشهدنا السياسي كما كان لدي مارين لوبان في فرنسا: تأسيس حزب ثالث، دائماً بأهداف معادية لقيم أميركا المحورية.

*أستاذ التاريخ في كلية هانرز في جامعة هيوستن.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: America in the Shadow of France, 2002

عن "الغد"

مواضيع ممكن أن تعجبك