اجتماعات تونس: مطرقة المصالح وسندان الضغوط

منشور 01 تشرين الأوّل / أكتوبر 2017 - 05:46
اجتماعات تونس: مطرقة المصالح وسندان الضغوط
اجتماعات تونس: مطرقة المصالح وسندان الضغوط

من المفترض أن يقع التفاوض بين طرفي النزاع في ليبيا منذ ما يزيد عن 6 أشهر، لكن أطراف فاعلة في الصراع الدائر نجحت في عرقلته لأسباب تتعلق كلها بأجندة التفاوض، فالبعض كان يدرك أن الوقت لم يحن لتحقيق المكاسب المرجوة وأن تغييرا في الخوارط السياسية وفي موازين القوى يمكن أن يمهد لنيل المبتغى عند الجلوس حول الطاولة.

تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فالمعول على الحسم العسكري للسيطرة على العاصمة خاب رجائه واتجه إلى البديل السياسي، ومن راهن على تعطيل الاتفاق السياسي لإقناع الأطراف الدولية بمطالبه سُقِط في أيديه وتفلت منه العقال، ومن اعتمد على مشروعية الاتفاق المنقوص دون أن يحقق اختراقا مهما وجد نفسه أمام خيار ضعيف يزداد ضعفه كل يوم، وكان التردي الاقتصادي والمعاناة الحياتية دافعا لتحريك قطاعا من الرأي العام في مواجهة الجمود السياسي والتردي الاقتصادي. يضاف إلى ما سبق دور الفاعلين الإقليميين والدوليين وتوظيفهم للثغرات لصالح مقاربات لا تخدم الصالح العام، فأصبح لابد مما ليس منه بد، فكانت اجتماعات تونس.

التحدي هو أن الجميع، أو لنقل الأغلبية، ليسوا متأهبين للقاء، بمعنى أن كل طرف لم يبلور رؤية جامعة متفق عليها، وتمثل معظم الجبهة التي يمثلها، ولا يزال موقفه من الآخر متعنتا.

صحيح أن هناك توافق حول بعض المسائل مثل تقليص المجلس الرئاسي وفصل الحكومة عنه، لكن الخلاف الحقيقي سيظهر حول القضية الجوهرية وهي قيادة الجيش، فقبول حفتر بالتخلي عن الحسم العسكري ولو مرحليا ينبغي أن يكون ثمنه كبير، والثمن العالي يعني تهديدا للمنظومة كلها ولكثير من أطراف النزاع، وقد يقود الجدل حولها إلى انقسامات جديدة كالتي وقعت في الصخيرات، وأي انقسام جديد يعني مزيد من الهشاشة في العملية السياسية ومزيد من عدم الثقة في مخرجاتها.

الملاحظ أن دفتا التوجيه والتأثير في اجتماعات تونس تنحصران في مصالح خاصة لبعض الرموز والمكونات يضاف إليها ضغوط داخلية وخارجية، وفي ظل هكذا متحكمات من العسير أن يكون الناتج شيئا مرضيا.

يزعم كثير من أعضاء الكتلة الأكبر في البرلمان أن وفد التفاوض عن الأخير شكله رئيس البرلمان وغايته الأساسية من هذا التفاوض ضمان قيادته للمجلس الرئاسي، ويرافق الغاية الأساسية أهدافا فرعية تتعلق بشكل الرئاسي وشكل الحكومة والمؤسسات العامة السيادية والحيوية ومكانة الجيش في الاتفاق. ومجرد إثارة هذه المسألة في الأعلام على نحو ما نسمع ونرى كفيل بإرباك المسار التفاوضي والتأثير على نتائجه وعلى التعاطي معها.

الوضع مختلف نوعا ما بالنسبة للطرف الثاني وهم المجلس الأعلى للدولة، ولا يستبعد تطلع رئيسه لدور أساسي في الشكل الجديد، وحظوظه أكبر من غيره، لكن لا معارضة معلنة ضده، كما أن طريقة تشكيل وفد التفاوض عن المجلس الأعلى حسمت نقطة المصلحة الشخصية وقللت من فرص هيمنة رئيس المجلس الأعلى للدولة عليه.

أما الضغوط فيمكن القول أنها داخلية وخارجية، واعتقد أن التنقل الماكوكي لخليفة حفتر خلال الأسبوع المنصرم يصب في دائرة مضاعفة الضغوط من خلال التماهي مع الرؤى والمصالح الغربية، ولا نستبعد أن له دور في تسخين بعض المناطق الحساسة في الغربي الليبي لتعزيز حضوره لدى الأطراف الفاعلة، والحديث هنا عن إيطاليا التي تعتبر المنطقة الغربية مهمة لها خاصة المساحات حول أنبوب الغاز الحيوي الذي يشكل أهم مورد للغاز الطبيعي وأيضا منافذ تهريب البشر التي باتت تشكل قلقا كبيرا لإيطاليا وللاتحاد الأوروبي. ربما أراد حفتر أن تسبقه رسالة إلى روما تقول أنه قادر على تهديد المصالح الحيوية لإيطاليا، وبالمقابل فإن نجاحه في السيطرة على المنطقة ضمان لتلك المصالح كما وقع في الهلال النفطي.

من جهة ثانية فلقد شكل الحراك الذي أيقظه اقطيط أداة ضغط يمكن أن يتعاظم أثره، إذ من الممكن أن تتحول التجمعات الكبيرة التي التأمت يوم 25 سبتمبر إلى تكتل سياسي، قد يدفع الخوف من تشكله التفاوض باتجاه بعض التنازلات التي قد يرى فيها كثير ممن ناصروا اقطيط تلبية لمطالبهم التي خرجوا من أجلها، أو ينجح الأخير في توجيه دفة التأييد الذي حضي به ليحجز مقعدا مهما في المنظومة الجديدة، وهو ما قد يفهم من إعلانه مؤخرا عن تشكيل حكومة وفاق في آخر شهر أكتوبر.

والخلاصة أن التحدي الأكبر أمام التفاوض الجاري اليوم أنه يختلط فيه الصالح الخاص بالعام إلى درجة تهديد المصلحة العامة، كما أنه لم يشمل  أطرافا ومكونات مهمة ومجاميع لها وزنها السياسي وحضورها الشعبي، وقد أظهر التأييد لقطيط درجة كبيرة من اللاثقة في المسار السياسي الحالي برمته، ولأن التفاوض تشوبه شوائب عدة تشكك في منطلقاته فإن التداعيات، في حال الفشل لا سامح الله، ستكون خطيرة  وستعزز حضور الخيارات الأخرى الانقلابية والثورية على حساب الاستقرار. 
 
السنوسي بسيكري - عربي 21 
 
 
 

مواضيع ممكن أن تعجبك