الألعاب البهلوانية الأولمبية للكرملين

منشور 03 آب / أغسطس 2016 - 03:31
ارشيف
ارشيف

نينا خروشيفا*

موسكو- سيكون الروس يوم الجمعة المقبل بين الرياضيين الذين سيتجمعون خلف أعلامهم الوطنية في حفل افتتاح الألعاب الأولمبية الصيفية لسنة 2016 في ملعب ماركانا في ريو دي جانيرو، ولقد كانت روسيا قاب قوسين أو أدنى من عدم المشاركة، ففي أعقاب الكشف مؤخرا من قبل الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات عن استخدام واسع النطاق للمنشطات برعاية حكومية، تجنبت روسيا حظرا شاملا بشق الأنفس.

لقد قررت اللجنة الأولمبية الدولية عدم حظر المشاركة الروسية بشكل كامل وترك الأمر للاتحادات الرياضية المنظمة لمراجعة سجل كل رياضي واتخاذ القرار فيما يتعلق بإمكانية مشاركة ذلك الرياضي في المنافسات الرياضية. لقد تلقى البعض ذلك القرار بالترحاب بينما أزعج القرار آخرين. أما بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والذي أصبح بارعا للغاية في تحويل أسوأ إذلال دولي لنصر دعائي للكرملين، فإن الموضوع لن يؤثر سلبا عليه مهما كان قرار اللجنة الأولمبية الدولية.

في واقع الأمر، فإن بوتين يعتبر الألعاب الأولمبية -وخاصة الميداليات- مهمة للغاية ومثل أسياده في الاتحاد السوفياتي القديم، فإنه يخلط بين المجد الرياضي والمجد العسكري ولهذا السبب ضغط بشكل شخصي من أجل أن تستضيف روسيا الألعاب الشتوية في سوتشي، ولقد كان السعر غير المسبوق والذي وصل لخمسين مليار دولار أميركي يستحق ذلك، وذلك نظرا لأن روسيا فازت بمعظم الميداليات (لقد شكلت التصرفات الروسية خلال الألعاب الأولمبية في سوتشي أساس فضيحة المنشطات).

إن هذا لا يعني أن المجد الرياضي يعوض عن المجد العسكري، فخلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في بيجين سنة 2008 (والتي حلت روسيا فيها في المرتبة الثالثة بعد الصين والولايات المتحدة الأميركية) تمكنت روسيا من لفت انتباه العالم بحربها القصيرة مع جورجيا وبعد سوتشي شعر بوتين بالغضب من الإطاحة بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فكتور يانكوفيتش وأراد الفوز بالذهب الجيواستراتيجي المتمثل بضم شبه جزيرة القرم وتنصيب جهات انفصالية موالية له في شرق أوكرانيا.

والآن ماذا عن ريو؟ إن هناك إشاعات بأن مولدوفا والتي خطت خطوات واثقة على طريق التحالف مع الغرب هي التالية على قائمة بوتين الهجومية. إن الاستيلاء على ترانسنيستريا وهي جيب مولدوفي موال لروسيا قريب من أوكرانيا سينطوي على تحديات اقتصادية كبيرة لروسيا والتي ما تزال تترنح من العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب شبه جزيرة القرم، ولكن احتلال تلك المنطقة سيبعث برسالة قوية وبوتين يعشق الرسائل القوية.

إن روسيا البيضاء هي ضحية محتملة أخرى لحملة بوتين الانتقامية. إن روسيا البيضاء التي يحكمها الحاكم المطلق الكسندر لوكاشينكو والذي يتولى منصب الرئاسة منذ سنة 1994 من المفترض أنها في الجيب الخلفي للكرملين، ولكن لوكاشينكو يحاول منذ فترة طويلة التلاعب بروسيا في مواجهة الغرب، وذلك من أجل الحصول على أفضل الصفقات بالنسبة لبلاده، ومنذ ضم شبه جزيرة القرم فلقد اتجه بخطوات ثابتة باتجاه الغرب على الرغم من أن خطوة روسيا الأخيرة بتقليص إمدادات النفط قد تكون كافية من أجل إجبار لوكاشنكو على إعادة التفكير بسياسته.

بالنسبة لمولدوفا أو روسيا البيضاء، فإن الكشف عن برنامج المنشطات الروسي والحظر شبه الكامل على روسيا من المشاركة في الألعاب الأولمبية قد يحمل أخبارا سيئة للغاية؛ إذ قد يقوم بوتين بالتلاعب بتلك الأخبار من أجل إثبات طرحه بأن هناك مؤامرات غربية مستمرة ضد روسيا، وفي واقع الأمر فإن الكرملين ووزير الرياضة الروسي فيتالي موتكو اتهما جريجوري رودشينكوف المسؤول الروسي السابق في لجنة مكافحة المنشطات والذي انقلب ليصبح الشخص الذي كشف عن فضيحة المنشطات بأنه ألعوبة غربية، ولو أضفنا إلى ذلك قرار الناتو الأخير بإرسال وحدات عسكرية صغيرة شرقا من أجل طمأنة بولندا ودول البلطيق، فإن من الممكن أن تقرر روسيا أنه قد حان الوقت لإنشاء منطقة عازلة أكبر بينها وبين الغرب.

إن من الواضح أن بوتين وهو عميل سابق للكي جي بي لن يعتذر عن فضيحة المنشطات، وكما يعترف كل الجواسيس فإن الكذب والخداع في خدمة بلدك ليس مقبولا فحسب، بل إنها تمثل جوهر الخدمة السرية، وعليه يبدو من المناسب أن نظام المنشطات الذي ترعاه الدولة كان بإشراف ف سي بي (الاستخبارات التي حلت مكان الكي جي بي).

مثل الجواسيس فإن الجبابرة لا يحبون كثيرا اللعب النظيف وبوتين جاسوس وجبار في الوقت نفسه. لا يمكن أن تنشط أي آلة دعائية في بلد تكون فيه السياسة حرة وعادلة ونزيهة وشفافة والدعاية حيوية من أجل تمكين زعيم ما من تدعيم سلطتة للدرجة التي وصل إليها بوتين.

بالنسبة لبوتين، فإنه لا يختلف عن أي قائد آخر سواء كان ديمقراطيا أو لم يكن فلقد كشفت أوراق بنما التي تم تسريبها مؤخرا استخدام حسابات الأوفشور البنكية والشركات الوهمية لإخفاء الثروة وتجنب الضرائب من قبل الجميع وذلك من رئيس وزراء أيسلندا إلى والد رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون. لقد كان المقربون من بوتين عبارة عن مجموعة صغيرة من الأسماء في قائمة طويلة ومتنوعة والدرس بالنسبة لبوتين هو أن الجميع يكذب، ولكن بطريقة أو بأخرى فإن الروس فقط هم الأشرار.

إذن بالنسبة لبوتين، فإن الكشف عن قيامه بالغش هو خطأ ولكن يجب أن لا يشعر بالخجل من جراء ذلك وتعرضه للعقاب بسبب الغش يكشف ببساطة عن نفاق أولئك الذين يقفون وراء ذلك العقاب، وبهذا المعنى فإن الحظر الكامل للرياضيين الأولمبيين الروس كان يمكن أن يكون نتيجة أفضل بالنسبة لوضع بوتين محليا ونتيجة أسوأ بالنسبة للبلدان التي يركز عليها.

والآن بعد أن تم إعادة إحياء الأحلام الرياضية لروسيا إلى حد ما، فربما سيكون بوتين مستعدا لتعليق سعيه للمجد العسكري بشكل مؤقت لأسباب ليس أقلها الخوف من نقل بطولة كأس العالم لكرة القدم 2018 من روسيا إلى مكان آخر، وفي واقع الأمر تظاهر بوتين بأخذ مزاعم استخدام المنشطات على محمل الجد وحتى انه طلب من اللجنة الأولمبية الروسية إنشاء وكالة مستقلة لمكافحة المنشطات.

لكن حتى تلك الخطوة تستهدف تعزيز موقف بوتين وليس الخضوع للإغراب؛ حيث إن تلك الخطوة تبعث برسالة مفادها أنه حتى في وجه الظلم فإن روسيا العظيمة تظهر الكياسة والكرم، وفي غضون ذلك فإن حقيقة أن الرياضيين الروس سيواجهون "بشكل غير عادل" المزيد من التدقيق والتمحيص في الألعاب الأولمبية سيوفر الغطاء الملائم لأداء ضعيف محتمل.

إن مما لا شك فيه أن بوتين هو مناور ممتاز، ولكن تلاعبه في موضوع التدقيق الإضافي الذي ستخضع له روسيا ربما يحمل مخاطر أقل من تفسيره المحتمل لحظر كامل. إن السؤال هو ما إذا كانت روسيا التي تخشى عواقب أشد سوف تفكر بالفعل مرتين قبل أن تخرق القوانين الدولية مجددا.

*هي أستاذة في الشؤون الدولية وعميد مساعد للشؤون الأكاديمية في "ذا نيو سكول" وزميلة تنفيذية في معهد الإدارة العامة.

عن "الغد"

مواضيع ممكن أن تعجبك