التنوُّع المجتمعي المشرقي في خطر

منشور 15 كانون الثّاني / يناير 2016 - 05:56

عبدالباسط سيدا

بعد حصولي على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة دمشق صيف 1991، توجهت إلى ليبيا للعمل في مجال التدريس، وذلك نتيجة انسداد أبواب العمل في وجهي بفعل فرمانات الدولة الأمنية في وطني العزيز سورية.

 وهناك في ليبيا، بنيت الكثير من علاقات الصداقة مع الإخوة الأفاضل من أساتذة الجامعة. كما توافرت لي فرصة ثمينة مكّنتني من الاستماع إلى آراء الجيل الليبي الشاب، وتطلّعه نحو مستقبل يرتقي إلى مستوى آماله وطموحاته.

لكن الذي كنت أفتقده في ليبيا أكثر من غيره كان التنوّع المشرقي، الذي كان بالنسبة إلينا الوضع الطبيعي الذي يعكس تاريخ المنطقة وواقع التمازج الحضاري بين شعوبها بأديانها ومذاهبها وقومياتها المختلفة.

وأذكر في هذه المناسبة، حادثة طريفة جرت معي في الجامعة، أثارت دهشتي واستغرابي ودفعتني نحو التمعّن والتفكير في وضعيتنا المتباينة مقارنة مع وضعية المغرب.

كنّا في جلسة استراحة مع العديد من الزملاء الليبيين. سألني أحدهم عن مكان سكن الفنانة سميرة توفيق في سورية، ويبدو أنه كان من المعجبين بصوتها، فقلت له: إنها لبنانية، وليست سورية. فاستغرب صاحبنا قائلاً: لكن وفق معلوماتي أنها من البادية السورية. وكان جوابي هو: نعم هي تغني باللهجة البدوية، لكنها ليست بدوية، هي لبنانية بنت مدينة. فطرح عليّ سؤالاً في صيغة تأكيد قاطع لم أكن أتوقعه لحظتها: هي مسلمة أليس كذلك؟

فأجبته بالنفي، لأن معلوماتي المتواضعة في مجال الفن كان تقول بأنها مسيحية. وما إن سمع الرجل الجواب، حتى ضرب كفاً بكف قائلاً: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكأن مصيبة قد حلّت عليه. لم أعرف كيف أتصرف. هل كان عليّ أن أضحك أم أبكي؟ فقد كنت في موقف جديد لا ينسجم بالمطلق مع الواقع الذي كنا نعيشه في سورية على وجه العموم، وفي منطقة الجزيرة على وجه التحديد، وفي مدينة عامودا على وجه التخصيص، حيث كانت لدى والدي المتدين وسائر أبناء المدينة من المسلمين أفضل الصداقات مع أبناء المدينة من المسيحيين. وفي المدرسة كانت لدي، ولدى سائر زملائي من المسلمين، أفضل الصداقات مع الزملاء المسيحيين. وكان الأمر لدينا، وما زال، من الأمور الطبيعية جداً، المنسجمة مع تربيتنا وثقافتنا وتاريخ منطقتنا. فالمسيحية كانت وستبقى معلماً أساسياً من معالم هُوية شعوب منطقتنا.

والأكثر طرافة ما حدث في اليوم التالي، إذ استوقفني القسم الأغلب من العاملين في الكلية من الزملاء الليبيين بقصد التأكد من صحة ما كانوا قد سمعوه في خصوص ديانة سميرة توفيق، حتى أن أحدهم طرح علي سؤالاً مباشراً: ما هو دينك؟

قلت له مستهجناً ومستغرباً: لماذا هذا السؤال؟

فأجابني: أرجو عدم المؤاخذة، فأنتم في المشرق لديكم ألف ملّة وملّة.

وكان جوابي: لكن هذا هو سرّ حيوية مجتمعاتنا.

وأعتقد أنه لم يستسغ كلامي، لأنه انصرف من دون أي تعليق.

لقد كنت وسأظلّ دائماً مؤمناً بأن التنوّع الذي نعيشه في منطقتنا هو أفضل النعم، شرط أن نحسن التعامل معه، ونحترم الخصوصيات والحقوق المترتبة عليه.

غير أن ما شهدته منطقتنا في العقود الأخيرة من أحداث، بخاصة بعد أن تبنّى النظام الإيراني استراتيجية الخلط بين المذهبي والسياسي، دفع بالعديد من الأميين في ميدان الأبجدية والثقافة، ممن وضعتهم الظروف في مراكز القرار، إلى التعامل مع التنوّع المعني وكأنه نقمة، تلزمهم «الإرادة الربانية» التي يفسّرونها ويفصّلونها على مقاسات هلوساتهم وعقدهم غير المشبعة، بالتخلّص منها.

وما تعرّض ويتعرّض له المسيحيون في العراق وسورية من قتل وتهجير وسلبٍ وخطفٍ، يؤكد عمق المحنة التي نعانيها مع النزعة الرغبوية البدائية التي يتمترس أصحابها خلف تأويلات دينية تخصّهم، تأويلات لم نكن نتخيّل يوماً أنها ستسود في مهد الأبجدية الأولى والحضارة الأولى، وأرض الديانات السماوية الثلاث. تأويلات تقطر جهلاً وحقداً ودماً، وتتحوّل إلى فعلٍ تدميري عارم نتيجة غياب المشروع الوطني الجامع، ورواج سوق مشاريع دكاكين أمراء الحرب، ومرتزقة السياسة، ممن يلتحفون كل ما هو إشكالي نشاز من التراث، ومن دون أية معرفة منهجية حقيقية به.

منطقتنا المتميّزة بالتعددية الدينية والمذهبية والقومية، لا تتحمّل سوى الاعتدال بكل أشكاله، لا تتحمّل التعصب الديني أو المذهبي أو القومي أو الأيديولوجي. ولا يكفي أن نردّد هذا الكلام من دون العمل على ترجمته واقعاً على الأرض. وما ينقصنا اليوم، التمسّك الجريء بما نراه صحيحاً، والدفاع عنه، وعدم مجاملة النزعة الشعبوية أو مغازلتها، لأن القضية بالنسبة إلينا وجودية، تخصّ مصير بلداننا ومجتمعاتنا وأجيالنا المقبلة.

إنها أيام عصيبة نمرّ بها، لكن الأمل ما زال معقوداً على عودة الوعي المغيّب.

* كاتب وسياسي سوري

عن "الحياة"

مواضيع ممكن أن تعجبك