السلطان نجا، لكن الانقلاب الفاشل سيغير السياسة التركية إلى الأسوأ

منشور 18 تمّوز / يوليو 2016 - 03:17
السلطان نجا
السلطان نجا

تقرير خاص - (مجلة الإيكونوميست) 125/7/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

إسطنبول، تركيا - بدأ ذلك في المساء. استولت عربات عسكرية على الجسرين فوق مضيق البوسفور؛ وحلقت الطائرات العمودية وهدرت الطائرات العسكرية في السماء. وسرعان ما تقاطرت الأخبار المألوفة للجيل الأكبر سناً من الأتراك، وإنما المنسية لدى الجيل الحالي: لقد نفذ الجنود انقلاباً. وأعلنوا في بيان: "من أجل استعادة النظام الدستوري، وحقوق الإنسان والحريات، وحكم القانون والنظام العام، تولت القوات المسلحة التركية السيطرة الكاملة على البلاد".

مع ذلك، وفي غضون بضع ساعات فقط، أصبح واضحاً أن الجيش خسر مقامرته. ووسط التقارير عن القتال والانفجارات في البرلمان، والاحتجاجات المناهضة للانقلاب في الشوارع -بل وحتى ورود تقرير عن قيام طائرة مقاتلة موالية بإسقاط طائرة عمودية يستقلها انقلابيون- اتضح تماماً أن الجنود فشلوا في ترسيخ السيطرة بسرعة، وهو متطلب رئيسي للانقلاب الناجح. وبالتدريج، قام العديد من قادة الجيش الحاليين والسابقين، وكذلك الأحزاب الرئيسية كافة في البلد، بالتنديد بمحاولة تخريب الديمقراطية. كما أعلن قادة الغرب -وعلى رأسهم باراك أوباما وأنجيلا ميركل وكبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي- عن وقوفهم الحازم إلى جانب رئيس تركيا المنتخب -ولو أنه كثير العيوب- رجب طيب إردوغان.

وبحلول صباح السبت، أفاد المسؤولون الأتراك بأن محاولة الانقلاب قد أُحبِطَت، على الرغم من استمرار المواجهة في قاعدة عسكرية واحدة على الأقل. وكان الوضع "تحت السيطرة بنسبة 90 %"، كما قال وزير شؤون الاتحاد الأوروبي في البلاد. ووفقاً لنائب رئيس هيئة الأركان المشتركة، قُتل نحو 194 شخصاً على الأقل، بمن فيهم 104 من "متآمري الانقلاب"، في القتال. وبقي مكان وجود عدد من الجنرالات الذين زُعِم أنهم محتجزون كرهائن لدى طغمة المجلس العسكري للانقلاب، غير معروف حتى ذلك الوقت.

على الرغم من أنهم بدوا منظمين جيداً في بداية الأمر، ظهر أن المتآمرين لا يمثلون سوى فصيل أقلية صغير من ضباط الجيش. وقد تلاشت الوحدات التي استولت على المطار بسرعة، ويقول قائدها إنه لم يدعم الانقلاب. ومع ساعات الصباح الباكر، كانت الإذاعة الحكومية الرئيسية التي بثت قبل ذلك بيان قادة الانقلاب، عادت مرة أخرى إلى يد الحكومة. ومع استمرار القتال في اسطنبول في ذلك الوقت، عاد السيد أردوغان عودة منتصرة إلى المدينة، وظهر على شاشات التلفزة ليعلن أن أولئك المسؤولين عن محاولة الانقلاب سوف يدفعون "ثمناً باهظاً".

نفذ مخططو الانقلاب ضربتهم بطريقة كلاسيكية، بينما كان الرئيس يُمضي العطلة بعيداً على شاطئ البحر. وفي البداية، كانت الطريقة الوحيدة التي استطاع بها السيد إردوغان إيصال رسالته إلى الشعب هي الاتصال بمحطة تلفزة خاصة عن طريق الهاتف المحمول، باستخدام تطبيق اتصالات الفيديو "فيس تايم". وبينما حملت المذيعة التي تقدم البرنامج شاشة هاتفها أمام الكاميرا، أدان السيد إردوغان ما وصفه بأنه انتفاضة قامت بها "مجموعة صغيرة من داخل قواتنا المسلحة"، وحث الشعب على تحدي حظر التجول بالخروج إلى الشوارع، واتهم جماعة غولِن، الحركة الإسلامية السرية التي كانت حليفته في السابق والتي أصبحت الآن ألد الأعداء، بقيادة الانقلاب. وحذر رئيس وزرائه المعين حديثاً، بينالي يلدريم، من أن قوات الأمن الموالية للحكومة سوف تقوم بـ"استخدم القوة ضد القوة".

واستجاب الأنصار دعوة زعيمهم، فتدفقوا على الساحات العامة في مدن عدة، وعلى مطار اسطنبول الرئيسي. ودعا المؤذنون في المساجد في كل أنحاء المدينة مواطنيهم إلى الخرود للاحتجاج على الانقلاب. وفي إسطنبول، شقت مجموعة كبرة من المؤيدين لإردوغان طريقها في اتجاه شارع التسوق الرئيسي في المدينة وهم يهتفون: الله أكبر. وفي إشارة أقل ثقة، اصطف عشرات من الناس أمام آلات السحب الآلي للمصارف من أجل سحب النقود.

وقد وقع سفك دماء. وعرض التلفاز صوراً لطائرة عمودية تقوم بإطلاق النار على مجموعات من الناس؛ وفي حادثة أخرى، حمل الناس المصابين بعد أن حاول حشد منهم السير نحو جسر البوسفور وقوبل بالنيران الحية. وهزت الانفجارات برلمان البلد. وذكرت وكالة الأناضول الإخبارية التي تديرها الدولة إن الطائرات العمودية والطائرات المقاتلة ضربت قاعدة للشرطة، وقتلت ما لا يقل عن 17 شخصاً. كما أمكن سماع الطلقات النارية والانفجارات في بعض مناطق اسطنبول.

كانت الانقسامات السياسية والاجتماعية تتصاعد في تركيا منذ العام 2013، عندما ضربت البلاد احتجاجات مناهضة للحكومة وفضيحة فساد كلفت ثلاثة وزراء مناصبهم. وقد اتهم السيد إردوغان الغولنيين بأنهم العقل المدبر وراء من الاضطرابات وفضيحة الرشوة.

بينما انتشرت الحرب في سورية إلى تركيا، رفعت موجة من الهجمات الإرهابية خلال السنة الماضية إحساساً بالأزمة. وفي آخر هذه الهجمات، قتل ثلاثة جهاديين من "داعش" 45 شخصاً في هجوم على مطار اسطنبول الدولي يوم 28 حزيران (يونيو). كما اشتعلت الحرب القائمة منذ وقت طويل مع المتشددين الأكراد من جديد.

ولكن، وحتى وسط هذه التوترات، لم يتخيل سوى القليل من الأتراك أن انقلاباً آخر من النوع الذي ضرب البلاد منذ الستينيات ربما يكون ممكناً. ويتمتع حزب السيد إردوغان، العدالة والتنمية الذي ما يزال في السلطة منذ العام 2002، بدعم نحو نصف الناخبين في البلاد. وفي العقد الأول من الألفية، بدا أن الجيش قد رُوِّض من خلال سلسلة من المحاكمات الكبيرة لكبار الضباط على أساس تهم بالتآمر، والتي يُعتقد أنها من هندسة أنصار غولِن بمساعدة السيد إردوغان. وفي الفترة الأخيرة، بينما كان يقود خطاً أكثر قومية، بدأ السيد إردوغان بإطلاق سراح الجنرالات المسجونين وبإعادة بناء الروابط مع الجيش. وربما تكون عودة الحرب في جنوب البلاد الكردي قد أعطت الجيش الانطباع بأنه يمكن أن يعود هو أيضاً إلى نفوذه وتأثيره في كيفية إدارة الحكومة.

سواء أخفت محاولة الانقلاب أم لا، فسوف تكون لها تداعيات هائلة على الديمقراطية التركية. وإذا نجا منها السيد إردوغان، فإنه سيخرج أكثر قوة وتصميماً من أي وقت مضى على الانقضاض على منافسيه المحليين. وسوف تتعزز فقط مساعيه الطويلة ليضمن لنفسه المزيد من القوة السياسية عن طريق تغيير الدستور لخلق رئاسة تنفيذية. ولو أطيح به، لكان صانعو الانقلاب سيواجهون مقاومة شرسة -ليس من مؤيدي السيد إردوغان وحسب، وإنما من أولئك الأتراك المقتنعين بأن الشيء الوحيد الأسوأ من حكم السيد إردوغان الذي يزداد سلطوية باطراد، هو أن يحكمهم الجنرالات. وربما يكون المزيد من سفك الدماء قادماً على الطريق.

عن "الغد"

مواضيع ممكن أن تعجبك