الشتاء التونسي في الربيع العربي

منشور 19 كانون الثّاني / يناير 2016 - 04:58
ارشيف
ارشيف

تييري بريسيلون - (لوموند دبلوماتيك) 9/1/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

رصيد الحكومة التونسية في تناقص مستمر، والإرهاب يؤجج المشاعر المعادية للإسلاميين، مما يهدد أسس الائتلاف في البلاد. والأجهزة الأمنية ترسخ استقلالها الذاتي في التعامل مع الجهادية، وهي بصدد العودة إلى الأساليب القديمة.

المزاج العام في تونس قاتم، والفرحة بسقوط نظام بن علي في العام 2011 تبخرت. وقد عانت تونس ثلاث هجمات إرهابية في العام 2015، والتي ادعت ما تسمى "الدولة الإسلامية" المسؤولية عنها. وهبط عدد السياح الوافدين إلى البلد من كانون الثاني (يناير) إلى تشرين الثاني (نوفمبر) بنسبة

26 % عن العام 2014، وهبطت إيرادات السياحة بنسبة 33 %، ومن المتوقع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي قريباً من الصفر -وقد يكون العام 2016 أسوأ؛ حيث يعرض القليل من الأمل في تحسين الظروف الاجتماعية. ويناضل التونسيون مُسبقاً مع ارتفاع الأسعار ومعدلات البطالة العالية المقيمة.

ولكن أعظم المخاوف التونسية تتعلق مباشرة بالأزمة الليبية: مهما كانت نتيجة الحوار بين الحكومات المتنافسة في طبرق وطرابلس، فإن التدخل الأجنبي ضد قواعد "الدولة الإسلامية" حول سرت يبقى مرجحاً، مع أو من دون موافقة أي حكومة وحدة وطنية في ليبيا. (في 17 كانون الأول (ديسمبر)، تم التوقيع على صفقة توسطت فيها الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، على الرغم من رفضها سابقاً من جهة كل رؤساء البرلمانات والفصائل المتنافسة داخل المعسكرين). وسوف يصبح الاتفاق بين القبائل، والذي كان قد جعل الحدود الليبية مع تونس مستقرة، هشاً، مما يجعل تونس أكثر انكشافاً أمام التداعيات الاقتصادية والسياسية للصراع في ليبيا. وتواجه السلطات التونسية بالفعل احتجاجات اجتماعية في الجنوب، وتصاعد الخوف من أنصار "الدولة الإسلامية" الذين يعملون مع شبكات التهريب.

في حال طُلب من تونس، الشريك الاستراتيجي لحلف الناتو منذ تموز (يوليو) الماضي، أن تشارك في مثل هذا التدخل، فإن البلد سيصبح هدفاً سهلاً للعمليات الانتقامية. وبعد حوادث إطلاق النار على السياح في سوسة، أعلنت حكومة الباجي قائد السبسي: "إذا وقع هجوم ثالث، فإن الدولة سوف تنهار". وقد تمكنت الحكومة من النجاة بعد هجوم آخر (يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر)، لكنه يبقى أن نرى ما إذا كانت التدابير المتخذة منذ انتخابات العام 2014 ستتحمل المزيد من الصدمات في العام 2016.

للوقاية من الاضطرابات المتوقعة، شجع شركاء تونس الأجانب إقامة تحالف بين طرفي الطيف السياسي في البلد -حزب "نداء تونس"، الذي يدعي اعتناق إرث الحبيب بورقيبة، والذي قد تشكل في العام 2012 من أجل مواجهة هيمنة الإسلاميين؛ و"حركة النهضة" الإسلامية التي فازت في انتخابات العام 2011، لكنها اضطرت إلى الخروج من السلطة في العام 2013. وفي شباط (فبراير) الأخير، شكل الخصمان حكومة ائتلافية، والتي ربما تم الاتفاق عليها عندما اجتمع قادتهما في العام 2013. وقد أملت تركيبة التحالف "الواسع والشامل" عدد المقاعد التي يحتفظ بها كل جانب في مجلس نواب الشعب: كان لنداء تونس 86 مقعداً، وللنهضة 69 من أصل 217 مقعداً، ولذلك يمكنهما، من الناحية النظرية، تدبر أمورهما من دون الدعم من حلفائهما، الاتحاد الوطني الحر (16 مقعداً)، وأفق تونس (10 مقاعد)، والأهم من ذلك كان تشجيع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والجزائر.

على الرغم من أغلبيته المريحة، يجد الائتلاف صعوبة في الوفاء بالوعود التي كان قد بذلها. ويقول المحلل السياسي العربي شويخة: "الأساس الحقيقي لهذه الحكومة هو التسوية بين الطرفين، وليس خططاً للإصلاح الديمقراطي والاجتماعي". ويبدو أن الائتلاف شرع الآن فقط في الاستعداد لوضع خطة عمل.

كان المقرضون الدوليون يتوقعون من تونس إصلاح القطاع المصرفي، وقانون الاستثمار، والخدمة المدنية ونظام الضرائب، وإدخال الشراكات بين القطاعين العام والخاص. لكن وتيرة الاصلاح تباطأت نظراً للضغوطات الخارجية من أجل فتح الأسواق التونسية، فضلاً عن الضرورات الاجتماعية ومصالح العشائر التي تتحكم في صنع القرار الاقتصادي. ووفقاً لدراسة حديثة لوزارة المالية، فإن الاقتصاد غير الرسمي يمثل

53 % من الناتج المحلي الإجمالي.

يشعر الاقتصاديون بالغضب بسبب عجز الائتلاف الحاكم عن متابعة التدابير التي انبثقت عن الثورة، بما في ذلك 350 تحقيقاً أطلقتها لجنة التحقيق في الفساد، وعملية مصادرة ذات نطاق غير واضح وسيئ التعريف، ونظام التحكيم الذي تتولاه "لجنة الكرامة الحقيقية". ولم تكن الرئاسة قادرة على تنفيذ مشروعها المسمى "المصالحة الاقتصادية"، الذي يصعب الدفاع عنه سياسياً والمصوغ بطريقة سيئة من الناحية القانونية، والذي سيقتضي التنازل عن مقاضاة رجال الأعمال وموظفي الخدمة المدنية المتهمين بالفساد أو اختلاس الأموال العامة في ظل نظام بن علي، شريطة أن يقوموا بإعادة المال الذي اختلسوه.

كما أغضبت الحكومة أيضاً "الحداثيين"، الذين قدموا الإطار الفكري لصعود حركة "نداء تونس"، والذين يشعرون بأنهم تعرضوا للخيانة بإدراج الإسلاميين في الائتلاف. وقد تم استبعاد وزير العدل، محمد صلاح بن عيسى، وهو زعيم حداثي، من الحكومة. وكان التقدم الوحيد الذي تم إحرازه هو أنه أصبح بإمكان الأمهات السفر الآن مع الأطفال من دون استئذان الأب. كما أن عدم تجريم الحشيش، وهو وعد انتخابي كان قد بذله السيد السبسي، لم يحدث: وتستخدم الشرطة حظر القنب كأداة للقمع الاجتماعي في مناطق الطبقة العاملة، وتسجن الآلاف من الشباب كل عام. وفي كانون الأول (ديسمبر) الماضي، سُجن ستة طلاب من جامعة القيروان لمدة ثلاث سنوات بتهمة المثلية الجنسية. ولم يتم تحديد أي موعد لتكييف قانون العقوبات بحيث يصبح منسجماً مع الدستور الجديد حول مسائل التمييز أو الحق في ظروف معيشية صحية.

أظهرت الإخفاقات الأمنية التي كشف عنها الهجوم في سوسة أن وزارة الداخلية مرهوبة الجانب، هي في الواقع ضعيفة ومنقسمة. وهي تفتقر إلى إجراءات تأديبية داخلية قادرة على منع الانتهاكات -الممارسات الوحشية والتعذيب والابتزاز. وقد أطلقت أولوية مكافحة الجهادية العنان لقوة الشرطة التي تضم قسماً كبيراً ممن يعتقدون أن الثورة والديمقراطية والحرية هي شؤون مرادفة للإرهاب، والتواقون إلى الانتقام بعد سنوات من خسرانهم الثقة.

تعطي طريقة عمل مؤسسات الدولة انطباعاً بأن السلطة مشتتة، وأنه ليس هناك طرف مسؤول حقاً. ومن الناحية النظرية، يوجد لدى تونس نظام برلماني خاضع للترشيد، ولو أنه يتبع تقليداً رئاسياً -بل وحتى استبدادياً. ولكن، وعلى الرغم من أن رئيس الدولة له وزنه، فإنه ليس في موضع القيادة. وفي غياب أغلبية قائمة على أساس برنامج سياسي، يظل رئيس الوزراء، حبيب الصيد، أقرب إلى موظف مدني منه إلى زعيم سياسي. وكما يقول أنس بن عبد الكريم، رئيس جمعية البوصلة التي أسست هيئة للرقابة على البرلمان، فإن البرلمان "لديه القليل من الموارد كبرلمان في ظل الدكتاتورية. ليست هناك غرف كافية للجان، وليس لدى النواب دعم فني. وليست لدى الجمعية العامة قوة المبادرة".

بالإضافة إلى ذلك، طورت أحزاب الائتلاف مؤخراً فقط ثقافة ديمقراطية، وهي تعتنق تراثات قديمة: لدى نداء تونس رؤية توجيهية على غرار رؤية بورقيبة للدولة، بينما تجمع حركة النهضة بين الفكر التقليدي والأجندة الإخوانية. ويشعر التونسيون بالارتباك لدى رؤية حزب نداء تونس وهو يمزق نفسه. وكان الحزب قد بُني كآلة لكسب الانتخابات وانطلق من دون أجندة، وتشكل من موجات من اليسار، والحركة النقابية، ودوائر الأعمال والكوادر السابقة في حزب زين العابدين بن علي، "حزب التجمع الدستوري الديمقراطي". والآن وقد أصبح مؤسسة في السلطة، وقع الحزب تحت رحمة الطموحات المتنافسة. ومنذ التخلي عن الهدف غير الواقعي المتمثل في الإبقاء على حزب النهضة خارج السلطة، فإنه لم يعد لديه موقف سياسي.

الأمين العام لنداء تونس، محسن مرزوق، الذي كان يُنظر إليه ذات مرة على أنه الرئيس المقبل، تفوق عليه حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس، بدعم من أقرب مستشاري والده، والمنسقين الإقليميين، وكبار شخصيات حزب التجمع الدستوري الديمقراطي السابقين وأصحاب الثقل في الحكومة. وفي هذا الصراع، يبدو أن كل شيء مباح، بما في ذلك العضلات المستأجرة ومراقبة الضرائب. وقد تجلت الخصومات بين الأفراد الأثرياء والعشائر الاقتصادية في تونس وسوسة وصفاقس علناً. ولدى أنصار مرزوق، الذي يحظى بدعم نحو 30 نائباً، أجندة أقرب إلى الروح الأولى للحزب، كما تقول بشرى بلحاج حميدة، العضو المنشقة في البرلمان: "إنهم يريدون حزباً محافظاً. ونحن نريد واحداً تقدمياً. إنهم يريدون استعادة النظام الحزبي نفسه كما كان من قبل، بمساعدة من النهضة [...] بحيث يتمكنون من حيازة السيطرة على الدولة والاقتصاد".

لكن حركة النهضة تبدو أكثر هدوءا بكثير؛ ولديها جهاز مجرب جيداً لإدارة المناقشات الداخلية، ويعمل الولاء للحزب على إبقاء الخلافات طي الكتمان. وتستعد الحركة لعقد مؤتمرها العاشر، وهي مناسبة للتجديد العقائدي والاستراتيجي. ويقول عبد الحميد الجلاصي، رئيس مجلس الشورى، هيئة صنع القرار: "لقد بدأ حزب النهضة عملية تغيير عميق. نحن بحاجة إلى وقت لتحويل حزب احتجاجات، والذي اعتاد أن يكون سرياً ومقموعاً، إلى حزب حكومة. بعد 40 عاماً من محاربة الدولة العميقة والسجن والتعذيب، أصبحنا حذرين". وقد تم استلهام روح

عبد العزيز الثعالبي، إحدى الشخصيات المؤسسة للحركة الوطنية، لإضفاء الشرعية على التقارب بين الدستوريين الديمقراطيين وبين الإسلاميين المحافظين من خلال العثور على أصل مشترك.

على الرغم من ولائه للحكومة وجهوده الواضحة للتكيف، لم يتمكن حزب النهضة من التغلب على انعدام الثقة لدى خصومه السياسيين، الذين يشككون في أن أجندته ما تزال تدور حول أسلمة الأعراف الاجتماعية. ويدور السؤال الأكثر حرجاً حول مسؤوليته عن تقدم السلفية الجهادية أثناء وجوده في السلطة في 2012-2013. ويضغط يساريو الحزب الأكثر راديكالية من أجل تقديم قادتهم في ذلك الوقت إلى المحاكمة. والشخصية القائدة الأبرز بين هؤلاء هي بسمة خلوفي، أرملة الزعيم اليساري شكري بلعيد، الذي اغتيل في العام 2013.

مع أن اتفاق حزب النهضة مع السبسي يحميه من مثل هذه الإجراءات، فإن رصيد الحكومة في تناقص مستمر، والإرهاب يؤجج المشاعر المعادية للإسلاميين، مما يهدد أساس الائتلاف نفسه. كما ترسخ الأجهزة الأمنية استقلالها الذاتي في سياق التعامل مع الجهادية، وتعود باطراد إلى الأساليب القديمة.

بالنظر إلى الحالة الراهنة للبلد، فإن أي قوة سياسية تظهر مع شبكة من الناشطين والدعم المالي اللذين يسمحان لها بالاستيلاء على السلطة ربما لن تكون من اليسار. ويقول

عبد الرحمن الهذيلي، منسق المنتدى الاقتصادي والحقوق الاجتماعية، والذي نظم اجتماعات منتدى العالم الاجتماعي في تونس في العام 2013 والعام 2015: "الذين كانوا مهمشين هم الذين حررونا، ولكن منذ ذلك الحين تم تهميشهم. لقد أهمل اليسار مناطق الطبقة العاملة. كنا غير مستعدين، ورأى الناس من النظام القديم فرصة في ذلك: استعادوا وظائفهم القديمة مرة أخرى في السياسة والخدمة المدنية ووسائل الإعلام. كان خطؤنا هو عدم السعي إلى تحقيق توافق في الآراء بشأن الإصلاحات الرئيسية -من اليسار إلى النهضة- مباشرة بعد 14 يناير. تركنا الفرصة تفلت من أيدينا. ولن تكون هناك ثورة أخرى".

لا يستطيع المحللون أن يستشفوا ما إذا كانت اللامبالاة العامة السائدة في تونس الآن هي موافقة ضمنية على الاتفاقية الأمنية، أم تجسيد للسخط من دولة غير قادرة على توفير الخدمات الأساسية ولا تحترم مواطنيها، أم احتجاج صامت، والذي يمكن أن يتحول إلى ثورة. المجتمع السياسي يبدو مسكوناً بهاجس الجهادية. وإذا ما نمت هذه النزعة في تونس، فإنها ستخلق الظروف التي سوف تحبذ العودة إلى الاستبداد.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Tunisia’s Winter of the Arab Spring

ala.zeineh@alghad.jo

عن "الغد"

مواضيع ممكن أن تعجبك