الشتاء العربي..

منشور 14 كانون الثّاني / يناير 2016 - 03:33
ارشيف
ارشيف

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 9/1/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعد خمس سنوات من موجة الانتفاضات العربية، أصبح العالم العربي أسوأ حالاً من أي وقت مضى. لكن شعوبه أصبحت تفهم محنتها بطريقة أفضل.

القاهرة- "أنا أحرارْ ما يخافوش/ أنا أسرارْ ما يموتوش/ أنا صوت إل ما رضخوش...". الصوت المعني هنا، الناهض في أغنية وسط الحشود التي تزحم ساحة بورقيبة في مدينة تونس، في بداية العام 2011، كان صوت آمال المثلوثي. وللحظة من الهدوء في شهر من الصخب، أعطت المغنية صوتاً لتطلعات مئات الآلاف من أبناء وطنها.

يوم 14 كانون الثاني (يناير)، أجبرت تلك الاحتجاجات زين العابدين بن علي، طاغية تونس طوال ربع القرن السابق، على التخلي عن منصبه. وكان ما أعقب ذلك سهلاً. أعاق الإرهاب كلا من التقدم الاقتصادي وإجراء إصلاحات سياسية أعمق. لكن البلد أصبح في العام 2015 أول دولة عربية يحكم عليها "فريدوم هاوس"، منظمة المراقبة الأميركية للحريات المدنية، بأنها "حرة" كلياً، كما ارتفعت تونس بشكل قياسي بمقدار 32 مرتبة على قائمة الدول التي تدرسها "جمعية تصنيف الديمقراطية"، في فيينا. وفي كانون الأول (ديسمبر)، غنت الآنسة المثلوثي أمام جمهور حاشد آخر -هذه المرة في أوسلو، كجزء من الاحتفالات التي أحاطت بمنح جائزة نوبل للسلام لأربع مجموعات من المجتمع المدني التونسي، والتي شكلت رأس الحربة في وضع الدستور التونسي الجديد للعام 2014.

للأسف، ما يزال هذا الناتج يشكل شذوذاً صارخاً. كانت هناك ست دول عربية دعت فيها الاحتجاجات السلمية الحاشدة الحكام المكروهين إلى الذهاب في ربيع العام 2011. لكن أياً من الانتفاضات الأخرى لم تصل إلى نهاية سعيدة. فقد انفجرت ليبيا واليمن، وحلت محل دولهما المركزية -كلياً أو جزئياً- ميليشيات متحاربة، بعضها تدعمها القوى الخارجية، وبعضها ترفع أعلام مجموعات "القاعدة" و"الدولة الإسلامية". وأصبحت مصر ومملكة البحرين أكثر استبدادية الآن، ببعض الطرق، مما كانتا عليه عندما بدأت الاحتجاجات. وسقطت سورية في هاوية: نصف مدنها تحولت إلى أنقاض، والكثير من أرضها الخصبة أصبحت مهجورة؛ والملايين من أهلها تشردوا داخل البلد؛ وملايين الآخرين هربوا أبعد إلى الخارج؛ ومئات الآلاف فقدوا أرواحهم؛ وليس ثمة نهاية في الأفق.

باستثناء أقصى شرقه وغربه -الخليج الغني بالنفط، والمغرب التي تزدهر بهدوء، منعزلة خلف حدودها التي ما تزال مغلقة منذ 21 عاما مع الجزائر- لا يبدو العالَم العربي في حال أفضل كثيراً. جنوب العراق الشيعي، وشماله وشمال شرقه الكرديان، هما في الواقع دول منفصلة. وفي غربه ذي الأغلبية السنية الذي تنهبه الحرب، غرس الحكم الوحشي المرعب لما يدعى "الدولة الإسلامية" لنفسه جذوراً. والجزائرون والسودانيون خرجوا من الحروب الأهلية ليجدوا أنفسهم ما يزالون رهناً لزمر وطغم غامضة مفترسة تدعمها الجيوش. والفلسطينيون، المقسّمون إلى كانتونات متناحرة، أصبحوا أضعف وأكثر عزلة من أي وقت مضى. والأردن يبقى جزيرة للهدوء الذي يُديمه الخوف: فكل من الناس في المملكة وفي الدول المانحة التي تُسندها مفزوعون من الفوضى التي تعصف بحدود البلد وتفيض عليه باللاجئين، بحيث لا يتحدثون كثيراً عن الإصلاح السياسي.

تغيير لم يكن منه بُد

باختصار، نادراً ما عاش العرب أوقاتاً أكثر قتامة. والآمال التي أيقظها الربيع العربي -بسياسات أكثر شمولية وحكومات أكثر استجابة؛ بوظائف أكثر وقدر أقل من الحاشيات الرئاسية التي تلتهم الاقتصاد- كلها تحطمت. وثمة آبار اليأس هي التي تفيض الآن.

شهدت دول الخليج الثرية عوائدها وهي تنخفض بسبب أسعار النفط المنهارة. وقوانين الهجرة الأشد التي طبقتها من أجل إحلال المواطنين، أو الآسيويين، محل العمالة الوافدة من الدول العربية، ضربت تدفقات التحويلات التي كانت تساعد بها أشقاءها الأفقر. والضغوطات الديموغرافية لا تلين. فهناك نحو 60 % من سكان المنطقة تحت سن 25 عاماً. وتكشف أرقام منظمة العمل الدولية أن البطالة بين الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي كانت تسجل مسبقاً رقماً رهيباً هو 25 % في العام 2011، قد ارتفعت إلى ما يقرب من 30 %، أي أكثر من ضعف معدلاتها في بقية العالم. وما يزال التماس الدخل الريعي مستشرياً، والمعايير في كل من التعليم العام وإقامة العدل قاتمة؛ والنمو الاقتصادي بطيء أو راكد؛ ويد قوات الأمن أصبحت أثقل من أي وقت مضى، في كل مكان -أكثر أو أقل. والانقسامات الطائفية والخصومات بين الطبقات تعمقت، موفرة أرضاً خصبة يطرح فيها المتطرفون رؤيتهم الخاصة الوحشية من "اليوتوبيا" الإسلامية، باعتبارها الحل الوحيد.

بذلك، يبدو أن الربيع العربي لم يجلب أي شيء سوى الويل. وأصبح شائعاً في بعض الدوائر تقليد خطاب روسيا وإيران في إلقاء اللوم بهذا الفشل على ما يفترض أنهم صناع السياسة "الساذجون" في الغرب: لو أن القوى الغربية لم تتخلَّ عن الحلفاء القدامى مثل حسني مبارك في مصر؛ لو أنهم لم يتدخلوا لدعم الثوار الليبيين؛ لو أنهم لم يفترضوا أن الدكتاتور السوري بشار الأسد هو مجرد قطعة دومينو أخرى تنتظر السقوط؛ لو أنهم لم يغضوا الطرف عن خطر المتشددين الإسلامويين: عندئذٍ لكان كل شيء بخير.

لكن هذا محض هراء. إن تأطير انتفاضات العام 2011 كسلسلة من الأحداث المعزولة، والتي كانت لكل منها ردة فعل سياسية فريدة ومُثلى، إنما يعني إنكار الواقع التاريخي لما حدث. ويناقض هذا القصر في النظر الخبرة الفعلية لرؤية كامل المنطقة -والمنطقة المصابة بخدر سياسي أكثر من أي مكان آخر في العالم أجمع، كما هي- وهي تسقط مدومة في حركة متزامنة مفاجئة. كما أنه ينكر أيضاً مسؤولية الفاعلين أنفسهم: الحشود التي وصل هتافها "كفاية!" إلى الكتلة الحرجة؛ والحكام المصابون بجنون العظمة الذين فاقمت ردود أفعالهم الاحتجاجات.

لا يعني هذا القول إن أحداث العام 2011 لم تكن لها مقدمات وبشائر. ثمة انتفاضة الجزائر الإسلامية في العام 1991؛ وانتفاضتان فلسطينيتان، و"ثورة الاستقلال" التي أطاحت بحكومة لبنان في العام 2005، وحتى "الثورة الخضراء" قصيرة العمر في إيران غير العربية -وإنما المجاورة- كلها كانت أحداثاً أشرت على رغبة المنطقة في التغيير. لكن ديمقراطيات العالم كانت محقة، إلى حد كبير، في الحكم على ما كانت تشاهده في العام 2011 باعتباره شيئاً أوسع، وأكثر قوة وأكثر صعوبة على التوجيه من مجموعة من الأزمات الوطنية التي حدث أنها جاءت بالتزامن. كما أن تلك الديمقراطيات لم تكن ساذجة لتعتقد بأن "شارعاً عربياً" أكثر تمكيناً سوف يسعى إلى تحريك بلدانه أقرب نحو المعايير العالمية للحكم الرشيد. وكان ذلك هو المطلب الذي أعلنه المتظاهرون في تظاهرة تلو الأخرى، من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي.

في الحكم على كل الأخطاء

كانت سذاجة الغرب، التي شارك فيها -ودفع ثمنها- كل أولئك المتظاهرين الآملين، تكمن في التقليل من شأن أمرين. الأول هو هشاشة العديد من الدول العربية، بالغة الضعف في مؤسساتها بحيث لا تتحمل مثل هذه الاضطرابات بالطريقة التي فعلتها -قُل- جنوب أفريقيا عندما سقط نظام الفصل العنصري. والأمر الآخر كان التصميم الشرس الذي سعت به الأنظمة المكرسة إلى الاحتفاظ بالسيطرة أو استعادتها. مَن كان ليصدق أن زعيماً ناعم الحديث مثل السيد الأسد كان ليفضل تدمير بلده على مغادرة منصبه؟ هذه كانت الحقائق التي أطاحت بالأمل وجلبته إلى الأرض.

تماماً كما كان الربيع نفسه أكثر من مجرد مجموعة من الأحداث المحلية، كذلك تشكل الفترة الراهنة من الثورة المضادة أيضاً شأناً عالمياً. تلقى المحافظون عبر المنطقة دعماً قوياً من دول الخليج. وأحد الأمثلة المبكرة والصارخة كانت البحرين؛ حيث هتفت العائلة الحاكمة بزميلاتها من الملكيات السنية لمساعدتها على سحق الحركة المؤيدة للديمقراطية التي دافعت عنها الأغلبية الشيعية. ويمكن النظر إلى تدخل السنة الأخير في اليمن، والذي ينفذه تحالف برعاية سعودية، في الضوء نفسه. ولا يسعى السعوديون فقط إلى إحباط الثوار الحوثيين، الذين يلعن السعوديون داعميهم الإيرانيين. إنهم يحاولون أيضاً فرض عودة إلى الحالة الراهنة الأسبق.

أما الصراع الأكثر تدويلاً فهو الحرب الأهلية المريرة في سورية؛ حيث تعمل القوى من المنطقة وخارجها من خلال وكلاء. وقد تصاعدت وتيرة تلك الحرب منذ وقت طويل لتضم عشرات المتحاربين المتورطين الذين لا تمكن السيطرة عليهم. لكنها تظل في جوهرها قتالاً بين مواطنين مظلومين، ونخبة ضيقة القاعدة -وفي حالة سورية، طائفية إلى حد كبير- عازمة على الاحتفاظ بقبضتها على السلطة.

وفي مصر، الأمة-الدولة ذات التاريخ الأطول والاستقرار الأكبر، كسب النظام القديم المعركة ثانية في الوقت الراهن -مرة أخرى بمساعدة الخليج. وكان يُنظر إلى مصر منذ وقت طويل باعتبارها قائد المنطقة، ولسبب وجيه. فعلى مدى السنوات الخمس الأخيرة، قدمت مصر قصة الربيع العربي الأكثر دلالة على الفشل؛ وهي تسلط الضوء اليوم على درجة استمرار التوترات نفسها التي كانت قد جلبت الانتفاضات في المقام الأول.

العالم يبدو كما كان، وحسب

في العام 2010، قبل ستة أشهر من تحول الاحتجاجات في ميدان التحرير إلى الانتفاضة (حتى المتحمسون المصريون أنفسهم يحجمون الآن عن وصفها بالثورة) التي أطاحت بحسني مبارك، حذرت هذه الصحيفة من التغيير الذي يلوح في مصر، واقترحت أن هناك ثلاث طرق ربما يسفر عنه ذلك التغيير. ربما تختبر البلد، مثل إيران في العام 1979، ثورة شعبية يختطفها الإسلاميون؛ ومثل تركيا في بداية الألفية، ربما تصبح مصر ديمقراطية، ولو أنها مهتزة ومعيبة، واحدة تمتلك القوة اللازمة لإخضاع "الدولة العميقة" المدعومة من العسكر؛ أو أنها ربما تعاني، مثل روسيا، من انقلاب بوتيني؛ حيث تعيد الدولة العميقة تأكيد سيطرتها تحت قيادة رجل قوي جديد.

لكننا كنا مقتصدين جداً في ذلك التوقع. لم تختبر واحداً فقط، وإنما كل هذه النتائج معاً اختبرت مصر، بطريقة مختلطة. لقد تغلب ثوريوها فعلاً -ولو أن ذلك لفترة وجيزة- على قوات الأمن التي كانت تدعم حكم السيد مبارك؛ ثم صوت المصريون على حكومة يترأسها الإخوان المسلمون –حكومة حاولت، أكثر من التقلص إلى دولة عميقة، أن تزج بالموالين للحزب في أعماق هذه الحكومة. (وكما حدث، كان هذا أيضاً ما تفعله حكومة تركيا ذات الميول الإسلامية منذ العام 2011، ولو بنجاح أكبر). ثم جلب الغضب الشعبي ضد الإسلاميين، والذي أثارته ورعته الدولة العميقة، جلب مصر إلى الخيار الروسي في شكل انقلاب ناعم شهد تنصيب عبد الفتاح السيسي، الجنرال ووزير الدفاع، رئيساً في حزيران (يونيو) 2013.

بعد سنتين ونصف السنة من ذلك، تبدو ثورة السيد السيسي المضادة كل شيء سوى أن تكون كاملة. فالسيد مبارك وأعوانه، ناهيك عن الشرطة المسؤولة عن قتل وإصابة المئات في صدامات العام 2011، كلهم خارج السجن. وعشرات الآلاف من الإخوان المسلمين، إلى جانب مئات من الثوريين العلمانيين، هم الآن في السجن أو المنفى، أو لقوا حتفهم. وقتل نحو 1.000 من الإسلاميين في الاحتجاجات المناهضة للانقلاب، والتي تم سحقها في العام 2013. وقتلت الشرطة عشرات إضافية منذ ذلك الحين؛ وقضى آخرون بسبب التعذيب أو الإهمال في السجن.

بذل رجال السيد السيسي عناية خاصة لمضايقة الشباب من ذوي الخبرة التقنية، الذين كانت مهاراتهم في استخدام وسائل التواصل الاجتماعية هي التي جعلت التجربة الثورية ممكنة. كما بذلت الدولة جهداً غير مسبوق للسيطرة على المحاكم، والجامعات ووسائل الإعلام. ويقوم دستور مفصل خصيصاً لمنح صلاحيات كاسحة للرئيس والجيش، وقواعد انتخابية مصممة لإنتاج برلمان مجزأ، بتزويد البلد بمظاهر الديمقراطية. لكنها مجرد خدعة.

تدخلت المخابرات المصرية في انتخابات العام 2015 لضمان ولاء المجلس التشريعي للرئيس. وعلى نحو ليس مفاجئاً، كان الإقبال على الاقتراع ضعيفاً، لا سيما بين الشباب. ثم تبين أن ازدراءهم مبرر أكثر عندما ألغت الحكومة فجأة نتائج الانتخابات الطلابية في كانون الأول (ديسمبر) في جامعات البلد. وكان المرشحون المؤيدون للثورة قد كسبوا في جميع الأماكن.

يمتدح الكثير من المصريين السيد السيسي على تخليص البلاد من كل من الإسلاميين ومن المتحمسين الثوريين. وينأى كثيرون آخرون بأنفسهم الآن عن السياسة جملة وتفصيلاً، وهو ما يشكل من وجهة نظر الحكام المستبدين نتيجة سعيدة تقريباً. وما تزال جماعة الإخوان المسلمين في وضع معلق وممزق، والإسلاميون الأكثر تطرفاً، الذين شنوا هجمات إرهابية وانتزعوا قطعة من الأرض في شمال شرق سيناء، لم يحرزوا نجاحات واسعة بين عامة الناس. ومن غير المرجح أن تحدث انتفاضة أخرى من حجم انتفاضة 2011 في المستقبل القريب.

لكن الجهود المبذولة لبناء "جدار خوف" أقوى وأكبر، عملت على المزيد من تنفير الشعب المصري من دولة ليست قاسية وتعسفية وغير قابلة للمساءلة فحسب، وإنما أيضاً غير كفؤة للغاية وأكثر إفلاساً من أن تشتري إذعانهم. ويجري تثبيط المستثمرين بصناعة القرار المتقلبة، والقوة المفرطة للجيش والمخابرات، والمحاكم التي لا يمكن التنبؤ بسلوكها -بل وحتى الحاقدة والمنحازة. وما يزال الدَّين الحكومي في مصر ضخماً، ويزيد عجز الموازنة على 10 % كل سنة منذ العام 2011؛ وفي أواسط العام 2015، زادت المطلوبات المحلية والأجنبية في مصر على 100 % من الناتج المحلي الإجمالي. والعملة في تراجع -وكذلك حال السياحة. والحوادث مثل مقتل مجموعة من السياح المكسيكيين الذين خلط الإرهابيون بينهم وبين قوات سلاح الجو، أو معالجة الحكومة الهزلية لما يبدو أنه كان تفجير طائرة مدنية روسية فوق الأراضي المصرية في تشرين الأول (أكتوبر)، تكشف كلها عن حالة عدم الكفاءة. والمحسنون للسيد السيسي في الخليج، الذين دعموا نظامه بما قد يكون 30 مليار دولار في شكل قروض رخيصة وودائع في البنك المركزي، وبالوقود، أصبحوا ينفدون -كما يشاع- من الصبر والمال معاً. ولم يعد لمصر التي طالما تم إنقاذها في الماضي المزيد من المنقذين في الانتظار.

أرفع قبعتي للدستور الجديد

ثمة تغريدة أخيرة -"هل حاول أحد إطفاء مصر ثم تشغيلها مرة أخرى؟"- والتي تلخص المزاج اليائس لشعب هذا البلد المحطوم. فبسبب الافتقار إلى بديل، أو مفتاح لوقف التشغيل، التزم الجميع موقف الانتظار والترقب، وهم يُصلون لكي يخفف السيد السيسي قبضته أو يأملون بانقلاب قصر يثبِّت حاكماً بقدر أقل من العقلية العسكرية. ويقول عبد المنعم أبو الفتوح، الإخواني السابق الذي كسب له برنامجه الوسطي 4 ملايين صوت في انتخابات العام 2012 الرئاسية: "الخيار الأقل كلفة هو تغيير داخلي يحصل من داخل النظام. إن الثورات تراكمية، وسوف يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى يتجمع الضغط".

لكن الانتفاضة إذا كانت قد غيرت قليلاً في الطريقة التي تسير عليها الأمور، فإنها غيرت الكثير في كيفية النظر الأشياء. ويشبِّه هاني شكر الله، المعلق المصري، ذكريات ميدان التحرير بشبح الملك هاملت، كحضور ربما يكون غير ملموس، ولكنه يبقى قوة محركة للحدث الدرامي، والذي يصر -بلا صوت- على أن هناك شيئاً فاسداً متعفناً في دولة مصر.

الذي يكمن وراء التعفن والفساد، في مصر وكل مكان آخر، هو فشل أجيال من النخب العربية في خلق نماذج فعالة وقابلة للمحاسبة من الحكم، وفي تعزيز التعليم. وبعد نحو 60 عاماً مما هو في الأساس حكم فاشي -تحشيد الناس القسري خلف بطريرك مزين بالكثير من الأوسمة، ومظاهر العظمة والمواكب والدعاية التي تخفي حقيقة أن الناس ليس لهم صوت- ربما لم يكن من المفاجئ أن الضربة الارتدادية، عندما جاءت، كانت عيية، عاجزة عن الإفصاح وفاقدة للاتجاه. وقد أنتجت الانتفاضات العربية القليل من القادة، والقليل من برامج العمل الموثوقة، والقليل من الأفكار. لكنها أنتجت حقاً ذلك الوضوح الذي تمس الحاجة إليه حول أشياء مثل ما الذي يعنيه الإسلام السياسي حقاً في الممارسة، وأين يقف العرب من العالم ومن بعضهم بعضاً، وما هي مكامن ضعف وقوة الدول والمجتمعات العربية.

قبل وصولها إلى سلطة قصيرة العمر وغير مجيدة في مصر، اجتذبت جماعة الإخوان المسلمين والمؤمنين بالشعار البسيط، وإنما الغامض "الإسلام هو الحل". وتدفع التجربة الآن مزيداً من العرب إلى السؤال: أي إسلام؟ إذا كان نسخة ليّ الذراع وقطع الرؤوس التي تدعيها "الدولة الإسلامية؟ التي تعتبر المسلمين كافة -باستثناء أتباعها الخاصين المتحمسين- متهربين ومرتدين وخطاة، فإن ثمة القليل من المشترين. وإذا كان يعني منح السلطة السياسية لشخصيات دينية أقرب إلى التيار السائد، وإنما لا تستطيع التوافق على نقاط في العقيدة، فإن ذلك لا يبدو من المشهيات أيضاً. كما لا يحتفظ الإخوان المسلمون أيضاً، الذين كشفوا عن كونهم محافظين عازمين على القبض على الدولة أكثر من العناية بإصلاحها، بقدر أكبر بكثير من القبول.

على مدى عقود، أرجع صناع الرأي العرب مجموعة من العلل الإقليمية إلى التدخل الغربي -وخاصة الأميركي- حتى بينما كان قادة الإقليم يتحولون عادة إلى الغرب لطلب العون أو الحماية العسكرية. والغرب بريء بالكاد في الحقيقة؛ فقد كانت أكبر كارثة إقليمية حتى السنوات الأخيرة هي احتلال أميركا غير الكفؤ بشكل مذهل للعراق. لكن المستنقع الذي خلفه ذلك الخطأ الطبيعي، إلى جانب ردة فعل الغرب غير الفعالة على الربيع العربي، أقنعت الجميع -سوى هامش أفسدته نظرية المؤامرة، بأنه ليس هناك الكثير من المعنى في الحديث عن قدرة غربية كليّة، أو هيمنة أميركية، أو حتى مؤامرة صهيونية. وقد كشفت قدرات الغرب عن كم هي محدودة، وأنها نادراً ما تُمارس بشكل فعال. إنه ضعف المنطقة الخاص، أكثر من النية الغربية الخبيثة، هو الذي يستمر في امتصاص القوى الخارجية وجلبها إلى هنا.

في الوقت نفسه، شاهد الكثير من العرب -ليس للمرة الأولى وإنما ربما بطريقة أكثر وضوحاً الآن من أي وقت مضى- كم هي الروابط بين الدول العربية ضعيفة، على الرغم من عقود من الشعارات التي تمجد الوحدة العربية. وشاهدوا كم هي الدول نفسها ضعيفة، والأكثر بعثاً على الأسف، كم هي الكثير من مجتمعاتهم الخاصة ضعيفة. وما يزال العراقيون والسوريون مولعون بالقول إنها لم تكن هناك توترات بين السنة والشيعة قبل الغزو الأميركي أو انتفاضة العام 2011. ومع ذلك، وإذا كان ذلك صحيحاً، فإن مثل هذا التضامن القديم تحطم بالكثير من السهولة.

لم يتغير التاريخ

إذا كانت نقاط ضعف الدول قد تكشفت، فكذلك فعلت أفعالها. في مصر وتونس، بل وحتى بقدر أكبر في سورية السيد الأسد، لم يكن أحد يعلم مَن في الأجهزة الأمنية الكثيرة المتنافسة يسيطر على ماذا حقاً، أو كيف. لم يكونوا يتمكنون من وضع أصابعهم -قُل- على الطريقة التي تندغم بها سلطة قضائية خاضعة في الشكل الكلي للأشياء. لكنهم أصبحوا يستطيعون الآن. في مصر، أصبح المحصول الحالي من الثوريين الشباب الرصينين يتجنبون الشارع الآن لصالح رسم خطط هادئة لإصلاح الشرطة أو إصلاح القضاء. وإذا بدأت انتفاضة أخرى، فإن مطالبها سوف تذهب أبعد كثيراً من مجرد إزالة رئيس صوري وانتخاب هيئة تشريعية يتم إبقاؤها بعيداً جداً عن مقاليد السلطة الحقيقية.

وماذا أيضاً قد يكون على أجندة التغيير؟ أحد الأماكن التي يمكن النظر إليها هو "الدولة الإسلامية"، التي تشكل -في مفارقة مروعة- نموذج الحكم الجديد الوحيد حقاً الذي تقيأته موجة الثورات. والمجموعة وحشية. وتشكل "دولتها" بالعديد من الطرق استنساخاً وإعادة إنتاج أكثر شراً بكثير من الأنظمة الاستبدادية السابقة، مغلفة بقشرة "إسلاموية" وحشية، والتي يجدها معظم المسلمين مثيرة للاشمئزاز. ومع ذلك، فإن حقيقة أن تتمكن هذه التجربة البشعة من البقاء حية من الأساس، على الرغم من جهود العالم شبه الموحدة لإسقاطها، تحمل الدروس للمنطقة.

مع أن قوانين "الدولة الإسلامية" بشعة، يجب على الدول العربية الأخرى ملاحظة أن تركيزها على العدالة السريعة والحازمة لا تروق فقط للسوريين والعراقيين الذين هم في أمس الحاجة إلى النظام وسط الفوضى. إنها تستجيب أيضاً إلى حاجة عامة مشتعلة إلى تصحيح عقود من الأخطاء المتصورة. كذلك يفعل عدم تسامح "الدولة الإسلامية" مع الفساد حتى في داخل صفوفها نفسها، وتركيزها -ولو بوسائل محدودة- على توفير خدمات مثل الرعاية الصحية، والتعليم والرعاية الاجتماعية. وعلى عكس الدول العربية الأخرى، التي تميل إلى أن تكون مفرطة المركزية، تمنح "الدولة الإسلامية" صلاحيات واسعة للمسؤولين المحليين. ويسعى هؤلاء المسؤولون إلى تنظيم التجارة والضرائب أكثر من محاولة السيطرة عليها. وبدلاً من تملك صناعة النفط، كما تفعل كل الدول العربية الأخرى تقريباً، تبيع "الدولة الإسلامية" النفط الخام في مناطقها عند رأس البئر، ثم تتقاضى الضرائب لاحقاً من الناس الذين يقومون بتكريره ونقله.

المكونات الناقصة في هذه الوصفة واضحة: احترام أساسي لحقوق الإنسان والاختلاف؛ وأنظمة للمساءلة؛ وطريقة لصناعة القوانين، والتي تُصغي لإرادة ومصالح الجمهور وليس لمجرد النصوص الدينية ببساطة، أو نزوات ما يدعى الخليفة. وعادة ما تُحزم مثل هذه المكونات الأساسية للحكم الرشيد بتكاسل معاً كجزء من حقيبة مختلطة المحتوى، والتي تسمى الديمقراطية. وقد بيّن الربيع العربية أنها ربما تكون هذه العناصر التكوينية، أكثر من تلك العروض المسرحية مثل إسقاط الطغاة أو إقامة انتخابات صاخبة، هي التي تشكل مفتاح النجاح.

في الهدوء المتوتر الذي أناخ على بلدان مثل تونس ومصر؛ وفي السلام الهش الذي سيحل أخيراً وبلا شك في أنحاء العراق وسورية واليمن؛ وخلال الوقفة المستمرة المليئة دائماً بالتوقع، والتي يعانيها العرب بينما ينتظرون التغيير، ينبغي أن تكون هذه الأنواع من لبنات البناء المؤسسي هي ما يستأثر بالانتباه. وربما يجد العرب السلوى في حقيقة أنه في أوروبا، أنتجت السنوات التي يفترض أنها  السنوات الثورية في 1848 و1968، القليل من التحرك إلى الأمام: في الحقيقة كان تأثيرها الفوري هو إثارة رد فعل محافظة. وقد وصف المؤرخ إيه. جي. بي. تيلور العام 1848، وهو عام شهد انتفاضة على مستوى كامل القارة ضد الاستبداد، بأنه اللحظة عندما "وصل التاريخ إلى نقطة تحوُّل، لكنه فشل في التحوُّل".

ولكن التغيير الثوري جاء فعلاً في كلتا الحالتين، في شكل مُطوَّل، في الجيل التالي. ولم يكن الذي جلبه هو العمل في الشارع بقدر ما كانت التطورات والتحولات الهادئة التي حدثت في الثقافة، والمجتمع والاقتصاد، وبناء مؤسسات جديدة وأقوى. لن يكون الأمر شيئاً مُسكراً ومنتشياً مثل العمل الجماهيري في ميدان التحرير. ولكن، إذا كان لفَصل مقبل من الانبعاث أن يفضي إلى صيف مقيم في هذه الأنحاء، فإن ثمة حاجة إلى بعض التغير المناخي الجذري في كل التفاصيل أولاً.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Politics in the Middle East: The Arab winter

[email protected]

عن "الغد"

مواضيع ممكن أن تعجبك