الطائرة الروسية ومأزق النظام المصري

منشور 27 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2015 - 06:12
ارشيف
ارشيف

أنور الجمعاني

أصبح في حكم المؤكد، بحسب السلطات الروسية، وبحسب تقارير جهات متواترة، أن تحطم الطائرة الروسية فوق سيناء ناتج عن عمل إرهابي، أدّى إلى مصرع 224 راكباً. والظاهر أن الطائرة المنكوبة ضحية قنبلةٍ زرعت بداخلها، وانفجرت بعد 30 دقيقة على إقلاعها من مطار شرم الشيخ. وقد تبنى تنظيم الدولة الإسلامية مسؤولية التفجير، وعدّه انتقاماً من انخراط روسيا في الأزمة السورية، ورداً على حملاتها العسكرية الجوية على مواقع التنظيم في بلاد الشام. وبدت السلطات المصرية، بعد شهر من وقوع الجريمة، ميالة إلى الهروب إلى الأمام، واستبعاد فرضية العمل الإرهابي، وتجاهل القرائن التي يمكن أن تدعم هذا الاحتمال، مرجّحة فرضية العطل الفني أو التقصير من طاقم الطائرة.

ويمكن عملياً فهم تردّد الموقف المصري في هذا الخصوص، فالتسليم بحدوث عمل إرهابي يعني نكسة كبيرة للنظام العسكري في مصر، ويحمل طيه عدة دلالات، لعل أهمها عدم قدرة الجيش المصري على حماية سمائه من مفاجآت داعش الدامية، وعجز الأجهزة الأمنية والاستخبارية عن استشعار التهديد الإرهابي، واستباق الحدث قبل وقوعه، ما يعني سقوط مقولة إنّ العسكر صمام الأمان وسفينة النجاة في أرض الكنانة، ما يعني فشل نظام السيسي في تأمين سلامة زوار مصر.

والحرج قائم بالنسبة إلى النظام المصري، من جهة ما يترتب عن التسليم بفرضية الاعتداء الإرهابي من تداعياتٍ، لعل أهمها ظهور مصر في صورة البلد غير الآمن الذي يتلافى السياح والمستثمرون الإقامة فيه والسفر إليه، وهو ما يؤثر سلباً على الاقتصاد المصري، وخصوصاً قطاع السياحة الذي يوفر نحو 15% من عائدات العملات الأجنبية، و12% من إجمالي الناتج المحلي المصري، وكان يتوقع أن تبلغ إيرادات القطاع 8 مليارات دولار مع نهاية العام الحالي، في وقت تقلّص فيه احتياطي مصر، بشكل غير مسبوق، ليبلغ 16.4 مليار دولار، وهو رقم يغطي، بالكاد، حاجيات البلاد للأشهر الثلاثة المقبلة.

وقد تحولت مخاوف السلطات المصرية إلى حقيقة، فمباشرة بعد حادثة تفجير الطائرة، أعلنت عدّة وكالات أسفار تعليق رحلاتها إلى مصر، وحظرت دول الطيران فوق سيناء، فيما أجلت أخرى رعاياها من التراب المصري، ونصحت مواطنيها بتلافي التوجه إلى أرض الكنانة. ومنعت روسيا طائراتها من النزول في المطارات المصرية على اختلافها، ما حوّل السماء المصرية سماء مغلقة، وعطل حركة الملاحة الجوية فيها. وكلّف ذلك قطاع السياحة خسائر تقدّر قيمتها بـ125 مليون دولار شهرياً، بحسب مصادر رسمية مصرية.

ومعلوم أن هذا الحال لا يخدم النظام الحاكم في مصر، فنزيف التدهور الاقتصادي لا يتوقف، وعدد العاطلين من العمل يتزايد، وتعهدات المشير عبد الفتاح السيسي بإشاعة الأمن وضمان الاستقرار، وتحقيق الإنعاش الاقتصادي، تبدو للناس مجرد سراب، أو هي وعود في مهب الريح.

وإقرار السلطات الروسية بأن الطائرة ضحية عمل إرهابي يجعل الحكومة المصرية تواجهمعضلة تعويض الضحايا ومعضلة التواصل مع الطرف الروسي الذي قد يتحوّل، بفعل الجريمة النكراء في حق مواطنيه، من حليف للنظام الحاكم إلى خصم له، وذلك في حال تمادت السلطات المصرية في الهروب إلى الأمام، وعدم التسليم بنتائج التحقيق وما يترتب عليها من تبعات.

ويعد تلويح رجل روسيا القوي، فلاديمير بوتين، بتفعيل المادة 51 من الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة، من أبرز التحديات التي تثير حرج النظام العسكري في مصر، فبمقتضى هذه المادة، من حق "أي دولة عضو في الأمم المتحدة الدفاع عن نفسها، إذا اعتدت عليها قوة مسلحة، وذلك إلى حين اتخاذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين". وبناءً عليه، من غير المستبعد أن تركب روسيا هذا البند من الميثاق الأممي، لتوسع حربها في الشرق الأوسط، وتشن غارات على معاقل تنظيم ولاية سيناء، بحجة تعقّب الجُناة والانتقام منهم. وهو ما يعد في حال حصوله انتهاكاً لسيادة مصر وحدودها، وما يجعل العسكر في موقع العاجز عن رد التدخل الخارجي. ومعلوم أن ذلك يزيد من غضب أهالي سيناء الذين سيجدون أنفسهم في مرمى القنابل الروسية، وفي معزل من الدولة المصرية، ما يعمّق الشعور بعدم الثقة بين الحاكم والمحكوم في مصر.

زادت حادثة الطائرة الروسية من عزلة النظام المصري ومتاعبه، وأخبرت بعجزه عن مواجهة الخطر الإرهابي الداهم، وتقصيره في حماية المواطنين والوافدين على السواء، وزادت في تعميق جراح الاقتصاد المصري، ويُخشى أن تتحول البلاد إلى نموذج للدولة الفاشلة، بعد أن أجهض الانقلاب مسيرة الانتقال الديمقراطي الوليد، وعجز عن تحقيق الانتقال الاقتصادي المأمول، والاستقرار الأمني المنشود، ولم يبادر بإعلان مشروع مصالحة وطنية، تضمّد جراح مصر المفتوحة.

عن "العربي الجديد"

مواضيع ممكن أن تعجبك