بعد الربيع العربي: تحويل مصر إلى أطلال

منشور 09 آب / أغسطس 2016 - 03:10
ارشيف
ارشيف

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 6/8/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في مصر، يسمونهم "شباب القهاوي"؛ وفي الجزائر، يستخدمون لفظة محلية تعني "الذين يسندون ظهورهم إلى الحائط"، وفي المغرب، يستخدمون المصطلح الفرنسي الذي يعني "الخريجون العاطلون عن العمل". وفي جميع أنحاء العالم العربي، تتورم صفوف الشباب المصابين بالمرارة.

في معظم البلدان، يؤدي انتفاخ شريحة الشباب إلى الازدهار الاقتصادي. لكن الحكام العرب المستبدين يعتبرون الشباب بمثابة تهديد –ولسبب وجيه. فقد كان الشباب الأفضل تعليماً من آبائهم، والمتصلين بالعالم والمتشككين في السلطة السياسية والدينية، هم الذين وقفوا في طليعة انتفاضات العام 2011، وأطاحوا بالحكام في تونس ومصر وليبيا واليمن، وأقلقوا راحة الحكام الآخرين في كثير من الدول الأخرى.

والآن، باستثناء تونس، فإن تلك البلدان إما انزلقت إلى مستنقعات الحروب الأهلية، أو شهدت تراجع ثوراتها. وفي الصورة العامة، تذهب أقدار الشباب العرب إلى مزيد من السوء: فقد أصبح العثور على عمل أكثر صعوبة، بينما أصبح من الأسهل أن ينتهي الأمر بالمرء إلى زنزانة سجن. وأصبحت خياراتهم النمطية هي الفقر، أو الهجرة –أو بالنسبة لأقلية: الجهاد.

كل هذا يهيئ الظروف لحدوث الانفجار التالي. وليس هناك مكان يشكل فيه هذا المزيج السام من الضغط الديمغرافي، والقمع السياسي وانعدام الكفاءة الاقتصادية مكمناً للقلق أكثر من مصر في ظل رجلها القوي، عبد الفتاح السيسي.

معركة انتفاخ القطاع الشبابي

كما تبين أوضاع الشباب العرب، فإن الشرق الأوسط هو المكان حيث الناس أكثر تشاؤماً وأكثر خوفاً من أن يكون حال الجيل التالي أسوأ من حال الجيل الراهن. فالشعوب العربية تنمو بسرعة استثنائية. وعلى الرغم من أن نسبة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 - 24 عاماً بلغت ذروتها في 20 % من مجموع 357 مليون نسمة في العام 2010، فإن عدد الشباب العرب سوف يستمر في النمو، ليرتفع من 46 مليوناً في العام 2010 إلى 58 مليوناً في العام 2025.

باعتبارها أكبر الدول العربية، تشكل مصر نقطة مركزية في تحديد مستقبل المنطقة. فإذا تمكنت من النجاح، فإن الشرق الأوسط سوف يشرع في أن يبدو أقل حلكة؛ وإذا فشلت، فإن فوضى الراهن القبيح ستصبح أكثر دمامة. وقد أثبت جنرال استولى على السلطة بانقلاب في العام 2013، السيد السيسي، أنه أكثر قمعاً من حسني مبارك الذي أطيح به في الربيع العربي؛ وهو لا يقل افتقاراً إلى الكفاءة من السيد محمد مرسي، الرئيس الإسلامي المنتخب الذي أطاح به السيد السيسي.

النظام مفلس، تديمه فقط حقن المال السخية من دول الخليج (وبدرجة أقل، المساعدات العسكرية من أميركا). وحتى مع المليارات من أموال البترودولارات، فإن عجوزات ميزانية مصر وحسابها الجاري تتصاعد، عند 12 % و7 % من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي. ومع كل المواقف القومية للسيد السيسي، فقد ذهب وقبعته في يده إلى صندوق النقد الدولي من أجل 12 مليار دولار للإنقاذ.

الآن، تقف نسبة البطالة بين الشباب المصري عند أكثر من 40 %. وقطاع الحكومة متضخم سلفاً بموظفي الخدمة المدنية الذين لا يفعلون شيئاً؛ وفي اقتصاد مصر المتصلب، لا يستطيع القطاع الخاص استيعاب جحافل العاملين الجدد الذين ينضمون إلى سوق العمل كل عام. ومن المثير للدهشة، في نظام مصر المحطم، أن خريجي الجامعات هم أكثر ترجيحاً للبقاء بلا عمل من الناس شبه الأميين.

تنبع مشاكل الاقتصاد في مصر في جزء منها من عوامل خارجة عن سيطرة الحكومة. فأسعار النفط المنخفضة تؤثر على كل الاقتصادات العربية، بما فيها اقتصادات مستوردي الطاقة الذين يعتمدون على حوالات المغتربين. وقد تكفل الإرهاب والحروب بإبقاء السياح بعيداً عن الشرق الأوسط. وما تزال أخطاء الماضي تلقي بظلالها بكثافة أيضاً، بما في ذلك تركة الاشتراكية العربية ومصالح الجيش التجارية الواسعة.

لكن السيد السيسي يجعل الأمور أسوأ. فهو يصر على الدفاع عن الجنيه المصري لتجنب تأجيج التضخم وإثارة اضطرابات الخبز. وهو يعتقد أن بوسعه السيطرة على كلفة الغذاء، والكثير منه يتم استيراده، عن طريق دعم العملة. لكن ضوابط رأس المال فشلت في منع ظهور سوق سوداء للدولار (حيث يتم تبادل الجنيه المصري بثلثي قيمته الرسمية تقريباً)، كما خلقت أيضاً نقصاً في قطع الغيار والآلات المستوردة. ويعمل هذا على زيادة التضخم على أي حال (14 % ويرتفع). كما يلحق الضرر أيضاً بالصناعة ويُبعد المستثمرين.

بتربعها على قناة السويس، إحدى أعظم شرايين التجارة الكبرى في العالم، ينبغي أن تكون مصر في وضع جيد للاستفادة من التجارة العالمية. ومع ذلك، تقع مصر في النصف السفلي من مؤشر البنك الدولي لسهولة ممارسة أنشطة الأعمال التجارية. وبدلاً من تخفيف البيروقراطية والروتين لإطلاق مواهب شعبه، يصب السيد السيسي نقود دافعي الضرائب في المشروعات الضخمة. وقد وسَّع قناة السويس، لكن إيراداتها انخفضت مع ذلك. وأصبحت الخطط لبناء مدينة على غرار دبي في الصحراء تستلقي مدفونة في الرمال. والجسر المقترح لربط مصر بالسعودية أثار الاحتجاجات بعد أن وعد السيد السيسي بإعادة تسليم جزيرتين سعوديتين تسيطر عليهما مصر منذ فترة طويلة.

وحتى ممولي السيد السيسي العرب أصبحوا يبدون نافدي الصبر. فقد عاد المستشارون من الإمارات العربية إلى ديارهم، غاضبين من البيروقراطية المتحجرة والقيادة العنيدة التي تعتقد بأن مصر ليست في حاجة إلى مشورة من الخليجيين المغرورين –الذين هم مجرد "شبه دول"، لديها "النقود مثل الأرز"، كما سُمع السيسي ومساعدوه وهم يقولون في شريط صوتي مسرب.

هل من الأفضل وجود الجنرال الذي تعرفه؟

هكذا هي أهمية مصر الاستراتيجية، بحيث لا يمتلك العالم خياراً سوى التعامل مع السيد السيسي. لكن على الغرب أن يتعامل معه بمزيج من البراغماتية والإقناع والضغط. ويجب عليه أن يكف عن بيع مصر الأسلحة الثمينة التي لا هي تحتاجها ولا هي تستطيع تحمل كلفتها، سواء كانت طائرات (إف-16) الأميركية أم حاملات الطائرات العمودية الفرنسية من طراز مسترال. ويجب أن تأتي أي مساعدة اقتصادية مع شروط صارمة: يجب السماح بتعويم العملة في نهاية المطاف؛ ولا بد من تصغير قطاع الخدمة المدنية المنتفخ؛ ويجب إلغاء خطط الدعم المكلفة والمثقلة بالفساد. وينبغي التعويض على الأكثر فقراً في الوقت اللازم من خلال مدفوعات مباشرة.

ويجب القيام بكل هذا بالتدريج. فمصر هشة للغاية، والشرق الأوسط مضطرب جداً، بحيث لا يمكن معالجة العلة بالصدمة. وسوف تكافح البيروقراطية المصرية على أي حال في وجه التغيير الجذري. ومع ذلك، سوف يساعد تحديد اتجاه واضح للإصلاح في استعادة الثقة في الاقتصاد المصري. وينبغي على عرب الخليج أن يصروا على حدوث مثل هذه التغييرات –وأن يحجبوا بعض "الأرز" إذا استمر السيد السيسي في مقاومتها.

في الوقت الحالي، تراجع الحديث عن قيام انتفاضة أخرى، أو حتى انقلاب آخر للتخلص من السيد السيسي. فبعد أن أُخِذَ بالمفاجأة في العام 2011، أصبح البوليس السري المصري الآن أكثر اجتهاداً في تشمم أثر المعارضة والتقاطها. لكن الضغوط الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية في داخل مصر تتصاعد بلا هوادة أيضاً. ولا يستطيع السيد السيسي توفير استقرار دائم. ويحتاج النظام المصري إلى إعادة الانفتاح. وسيكون إعلان السيد السيسي عن عدم نيته الترشح للانتخاب مرة أخرى في العام 2018 مكاناً جيداً للبدء منه.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:

 After the Arab spring: The ruining of Egypt

ala.zeineh@alghad.jo

عن "الغد"

مواضيع ممكن أن تعجبك