تحدي ما بعد "داعش"

منشور 14 نيسان / أبريل 2016 - 04:07
ارشيف
ارشيف

بول بيلار* - (ذا ناشيونال إنترست) 7/4/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

قد تؤذن التراجعات الأخيرة لمجموعة الدولة الإسلامية "داعش" في العراق وسورية بالانهيار الكلي للمجموعة الإرهابية، لكن الفوضى التي ستخلفها وراءها ستشكل تحدياً من نوع آخر

*   *   *

أحد العيوب الرئيسية في التاريخ الأميركي من التورط في الصراعات المسلحة وراء البحار وهو عدم الانتباه إلى ما سيأتي بعد إلحاق الهزيمة بـ"البعبع" الذي يكون موجوداً في تلك اللحظة. والمثال البارز هنا بطبيعة الحال، هو الغزو الأميركي للعراق في العام 2003؛ حيث كان المروجون لتلك الحرب مهملين بشكل غير مسؤول بعدم التفكير جدياً بأن الفترة التي ستلي الإطاحة بالنظام العراقي ستكون أي شيء باستثناء نظام مستقر وديمقراطي.

وهناك عيب آخر حدث عندما تبعت الولايات المتحدة قيادة أوروبية للإطاحة بمعمر القذافي في ليبيا. وعندما تنشأ الفوضى والصراع المستمر، تكون التداعيات الأوسع سيئة دائماً وبشكل حتمي على المصالح الأميركية، وعلى الأمن الدولي أيضاً. ويشتمل هذا بشكل خاص على تقديم أرض خصبة للتطرف والإرهاب، كما فعل غزو العراق بتوليده المجموعة التي نعرفها راهناً باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام (أو "داعش").

إن كثيراً مما يسري على الإطاحة بالأنظمة يسري أيضاً على إلحاق الهزيمة بتنظيم "داعش" نفسه، وهو اللاعب من غير الدول الذي سيطر على مساحة شاسعة من الأراضي، وما يزال يحاول التصرف كدولة. وهناك بكل تأكيد فوارق كبيرة بين أنظمة الدولة الحقيقية وبين "الدولة الإسلامية"، بما هي ظاهرة سريعة الزوال وبربرية بشكل خاص وغير شرعية كلية وغير معترف بها.

وسيكون من الصعوبة بمكان بناء قضية جيدة لاستراتيجية تركز على إبقاء "داعش" قائماً في مكانه وموجوداً إلى أجل غير مسمى، بينما كان من الممكن وضع قضية قوية بالتأكيد لنكون في وضع أفضل اليوم، لو أننا لم نسعَ إلى مطاردة وإسقاط نظام مثل ذلك الذي كان في العراق. لكن هناك قضايا لما سيأتي تالياً.

وسوف يترتب التصدي لمواجهة تلك القضايا في وقت قريب جداً. "داعش" يهرب وينكص على الأعقاب. وقد فقد في العراق نصف الأراضي التي كان قد كسبها تقريباً في هجومه الذي شنه في العام 2014، بينما تدخل القوات الحكومية العراقية في المرحلة المبكرة من حملة استعادة ثاني كبريات المدن العراقية، الموصل.

وفي سورية، منيت المجموعة الإرهابية بهزيمة رئيسية عندما خسرت مدينة تدمر التي حررتها القوات الحكومية السورية، كما أنها خسرت أرضاً إضافية لصالح ميليشيات المعارضة الأخرى في الشمال الغربي من البلاد. وفي الأثناء، تتراكم التقارير التي تتحدث عن الصعوبات المالية المتصاعدة التي تواجهها المجموعة، والمشاكل التي تعاني منها في محاولة إدارة دويلتها.

ولكن، وعلى خلفية هذه التطورات الإيجابية، ثمة حالة مستمرة من عدم اليقين في ما يتعلق بالسؤال المهم: "ما الذي سيأتي لاحقاً". تقع على عاتق الدبلوماسية الدولية بوساطة الأمم المتحدة والخاصة بمستقبل سورية السياسي مسؤولية بذل الكثير من العمل لاستكشاف هذه الحالة من عدم اليقين. ولكن، بينما ما يزال الدبلوماسيون يتفاوضون، تبرز التطورات المتسارعة على الأرض هذه المسألة.

ويجعل العمل الحالي في تدمر وما حولها من الصعوبة بمكان الإفلات من استنتاج أن نظام الأسد سيملأ بعض الفضاء الذي كان يحتله "داعش". وذلك يجعل من الصعب التوصل إلى أي صيغة سياسية لسورية تتركز على فكرة مغادرة ذلك النظام. وتضيف التراجعات التي مني بها "داعش" في الشمال الغربي إلى الأراضي التي تتطلع إلى السيطرة عليها مجموعة من المتنافسين في هذه الحرب الأهلية المعقدة.

وفي العراق، ثمة حالة مشابهة وصفها مقال توماس فريدمان، كان قد وضعه خلال زيارته للشمال العراقي. وينسب فريدمان إلى محافظ كركوك القول "المشكلة في العراق ليست داعش. إن داعش هو أحد أعراض سوء الإدارة والطائفية". و"من دون المزيد من التغييرات الإدارية والسياسية، فإن الحال في العراق يمكن أن يصبح حتى أسوأ" بعد إلحاق الهزيمة ب"داعش".

وينتقل فريدمان بعد ذلك إلى شرح السبب: "ببساطة، ليس ثمة من إجماع هنا حول اقتسام السلطة في المناطق السنية التي استولى عليها داعش. ولذلك، إذا سمعت في يوم ما بأننا قضينا على خليفة داعش، أبو بكر البغدادي وأنزلنا راية داعش من على السارية في الموصل، فعليك عندها أن تؤجل احتفالك". وتظل التطلعات المتنافسة للأكراد والعرب السنة هي الأكبر، لكنها ليست الجزء الوحيد من الصراعات غير المحلولة في العراق.

ولعل الاتجاه الواضح ضد داعش، بموجب السياسات القائمة للولايات المتحدة وآخرين، هو أحد الأسباب التي تجعل الدعوات المتكررة إلى انخراط عسكري أميركي لقتال التنظيم، غير مضمونة. وتضم الأسباب الأخرى الوقائع المعيقة لبعض المحاولات لاستخدام القوة العسكرية الأميركية ضد التطرف، ومخاطر الغوص بشكل أعمق في مستنقع حرب معقدة كتلك الجارية في سورية.

وما تزال نغمة الإلحاح المقترنة بالدعوات إلى التصعيد تستند إلى افتراضات زائفة حول كيف أن الأحداث في ما يدعى خلافة "داعش" المفترضة تمت بصلة إلى الإرهاب الدولي في الغرب. وثمة النزر اليسير من الدليل على أي دعم مالي أو مادي، على سبيل المثال، من مركزية "داعش" للهجمات الأخيرة في باريس وبروكسل.

في الوقت الراهن مع ذلك، ثمة سبب آخر يجعل الدعوات لتصعيد عسكري أميركي غير مدعومة، هو أنه حتى لو كان هذا التصعيد سيسرِّع في أفول "الدولة الإسلامية"، فإن مثل هذا التسريع سيجلب للواجهة وبسرعة أكثر المزيد من المشاكل الجوهرية. وحتى تبز التطورات العسكرية على الأرض التقدم في حل الصراعات ومعالجة المشاكل التي يشكل "داعش"، كما قال المحافظ العراقي، أحد أعراضها، لن تؤسس تحسناً بالقدر الذي يخص الأمن العالمي

إلى المدى الذي تكون فيه للتطورات الجارية في سورية والعراق ذات صلة بتهديد الإرهاب في الغرب، فإن ذلك التهديد لا يعتمد كثيراً على سرعة فناء "داعش"، وإنما على ما يتركه خلفه بعد أن ينتهي.

*صعد في سنته 28 من عمله في وكالة الاستخبارات المركزية، ليكون من أبرز محللي الوكالة. وهو أستاذ زائر في جامعة جورجتاون للدراسات الأمنية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Challenge After ISIS

عن "الغد"

مواضيع ممكن أن تعجبك