حالة حرب

منشور 14 آذار / مارس 2016 - 05:25
ارشيف
ارشيف

عوز روزنبرغ

بمرور نصف سنة على موجة العنف الحالية، يتفق مسؤولون كبار سابقون في جهاز الأمن على شيء واحد: مواجهات مستقلة، تميزها وعلى حد قولهم، فانه خلف عبارات "انتفاضة الافراد" او "انتفاضة السكاكين" يختبئ عامل آخر – الانترنت – وهو الذي يغير قواعد اللعب. على حد قولهم، هذا ايضا ما يميز الموجة الحالية، عن الانتفاضتين اللتين سبقتاها، وهذا ايضا ما من شأنه أن يجعلها تستمر لزمن طويل آخر، بل ربما لسنين.

"أنا لا أرى هذا ينطفئ بعد بضعة أشهر، يقول العقيد المتقاعد موشيه جفعاتي، الذي شغل في الانتفاضة الأولى التي اندلعت في 1987 منصب قائد لواء دان في قيادة الجبهة الداخلية. "كل انتفاضة استمرت خمس سنوات تقريبا. يمكنك ان تسمي هذه "انتفاضة السكاكين"، "الشباب" او "الافراد"، ولكن هذه لن تخبو قريبا.

في العام 1986 عين جفعاتي قائد لواء في الضفة وقد شهد جذور المقاومة الفلسطينية على جلدته. هذه المرة، يقول، يدور الحديث عن مخلوق من نوع جديد. "لا توجد أي صلة بين الانتفاضة الاولى وهذه"، يقول مقررا. "صحيح أن الظروف لتنفيذ العمليات هي ذات الظروف، ولا سيما الاحباط المتزايد منذ السيطرة على الضفة، لكن في الانتفاضة الاولى كان انفجار شعبي لمظاهرات جماهيرية من النساء، الأطفال وكبار السن. الانتفاضة إياها كانت كفاحا شعبيا أكثر، وبعد ذلك فقط أخذت صورة كل أنواع الانتظامات. لم تكن في حينه كمبيوترات تقريبا أو انترنت، وكانت الاتصالات تجري بالمناشير وبالبث الاذاعي. ورويدا رويدا، عندما بدأ المراسلون يجرون التقارير في الميدان كان بوسع من في طولكرم ايضا أن يرى ما يحصل في الخليل".

وعلى حد قوله، وجدت الانتفاضة الاولى تعبيرها في المظاهرات الجماهيرية وباحراق اطارات السيارات او في السيطرة على القرى واعلانها أرضا محررة. وواصل يقول: "الى ان جئنا وأعدنا احتلالها بالطبع. كادت لا تكون عمليات. فقط هنا وهناك، ولا سيما في الخليل، إذ هناك كان اليهود يسيرون في داخل القصبة".

"هذه انتفاضة انترنت"، يدعي أيضا اللواء متقاعد شرطة شلومي كعطيبي عن الموجة الحالية. "لا توجد بنية تحتية. أحد ما ينهض في الصباح، يقرأ شيئا ما ويقول لنفسه سأفعل شيئا".

في الانتفاضة الاولى كان كعطيبي قائد البلدة القديمة في حرس الحدود، المنطقة التي كانت ولا تزال برميل بارود ذا امكانية اشتعال عالية. في الانتفاضة الثانية، التي اندلعت في 2000، عين قائد لواء الضفة في الشرطة، ويقول كعطيبي: "خلف الانتفاضة الاولى، في مراحلها المتقدمة، كان كيان ينظمها. كان كيان يثير، يحرض وينسق كل شيء. وكانت هناك حقا سياسة عمليات. يخططون متى يضربون ومتى لا.

كان تنظيم. اما اليوم، بالمقابل، فبسبب الانترنت، الكل يتأثر. أضف الى هذا حقيقة أنه كان للجميع تقريبا مصابون من الدرجة الاولى أو الثانية من القرابة، واذا بك تحصل على ما تراه اليوم في الشوارع".

عامي ميتاف، مسؤول سابق في جهاز الامن العام، يجد فارقا آخر بين الانتفاضة الاولى والموجة الحالية. بزعمه، خلافا لليوم، "السبب المركزي لاندلاع الانتفاضة الاولى لم يكن من اجل الوصول الى دولة. كانت انفجارا لاحباط يمتد عشرين سنة تحت حكم اسرائيلي مهين".

في اثناء الانتفاضة الاولى شغل ميتاف منصب مسؤول منطقة الجنوب في المخابرات. اما في الثانية فصار مسؤول منطقة المثلث والقدس في المخابرات. "الانتفاضة الثانية كانت نتيجة وضع أعد فيه عرفات كل المنطقة نحو الاشتعال وكان يبحث عن الذريعة المناسبة"، يقول ميتاف. "وجاء اريك شارون ووفر هذا حين حج الى الحرم. هذه كانت انتفاضة خططت لها محافل السلطة".

لفترة الخبو في الانتفاضتين اياهما كان ايضا أثر على ما يحصل اليوم. يقول جفعاتي "الانتفاضة الاولى استغرقت سنين لقمعها. فعلنا هذا اساسا بوسائل تفريق المظاهرات، التي لم تكن موجودة في حينه وتطورت على مدى الطريق. كانت هناك فقط قنابل غاز. ورويدا رويدا طور الجيش وسائل اخرى، كالعيارات البلاستيكية والمطاطية. ولاحقا فقط اقيمت وحدات المستعربين". ويقول ان الفلسطينيين احتاجوا لسنوات من الانتفاضة المنظمة كي يفهموا بأن هذا لن يؤدي الى شيء. وعلى حد قوله، فإن ما كسرهم كان ان الجانب الاسرائيلي بدأ يضرب مسؤولي القيادة الفلسطينية. "صحيح ان الانتفاضة الاولى سرعت مسيرة اوسلو، التي ادت الى اقامة السلطة، ولكنها لم تجلب الحل فقط"، يقول جفعاتي. "هذه كانت عمليات فظيعة. بعد ذلك جاءت الانتفاضة الثانية. وقد اديرت حين كانت في الميدان قوات حفظ نظام فلسطينية مسلحة. وبات هذا اشكاليا اكثر.

وحسب المسؤولين الكبار السابقين، فان ما يغذي الانتفاضة الحالية هو، كما أسلفنا، الانترنت اساسا، التي تسمح باتصال وافر وبسيط. "تخلق الانترنت اجواء تشجع العمليات بسهولة اكبر مما حين كانت الاتصالات لا تقوم الا على اساس الراديو والتلفزيون"، يقول اللواء احتياط غيورا آيلند، رئيس شعبة التخطيط في الجيش الاسرائيلي سابقا في اثناء الانتفاضة الثانية ورئيس مجلس الامن القومي سابقا. "توجد هنا أجواء تتغذى من داعش، مثل استخدام السكاكين، وكذا عنصر الوحشية".

"ما يحصل الان يحركها الشباب اساسا، إذ هم من يستخدمون الشبكات الاجتماعية. كما أنهم لا يعيلون ولا يهمهم أهلهم. يوجد انهيار تام للمرجعيات – الاهل، المعلمين، القيادات. تخيل كم هو فظيع ان يقوم طفل لا ينتمي لأي منظمة ولا يعيل أحدا – بعملية يتخذ قرارها في لحظة، وعندها يهدم بيت أهله".

وعلى حد قول ميتاف، فقد التقى مثالا مدويا على ذلك الاسبوع الماضي. وهو يروي فيقول: "التقيت امرأة من الناصرة. مثقفة جدا، ذكية جدا، مشاركة جدا في حياة اليهود، ولكنها مقتنعة بان اسرائيل تحفر تحت الحرم. وهي تقول لي: "واضح ان هذا صحيح!". هذا تقريبا وكأن بأحد يأتي ويقنعني بان القمر يشرق في النهار والشمس في الليل. ذات انعدام المعقولية. إذن من حيث الحقائق يقولون الاكاذيب المرة تلو الاخرى، وفي النهاية تلتقط هذه حتى في الآذان المثقفة، ان لم نقل الآذان التي تبحث عن استهلاك هذا".

غياب البنية التنظيمية يجعل الموجة الحالية غير مستقرة وغير قابلة للتوقع تقريبا. ويقول كعطيبي: "حتى لو كانت انترنت في الانتفاضة الاولى، لما كانت اختلفت عما رأيناه. إذ كان هناك احد ما ينظم هذا، ما يعملون وما لا يعملون. اما اليوم فهناك اجواء تحريض، وفي مثل هذا الوضع سيكون هناك دوما واحد يتأثر. فتى صغير يريد أن يكون بطلا فيخرج ذات صباح لينفذ عملية".

"حل الدولتين اشكالي لانه يتميز بفكرة اللعبة التي مبلغها الصفر، والتي منذ زمن بعيد تعتبر في العالم كخيار سيء. لا ننجح في التقدم في الحل، ليس لاننا لا نعرف تفاصيله بل هذه معروفة للجميع. السؤال هو اذا كان بوسعك ان تخلق تغييرا دراماتيكيا في الرسائل التي تخرج عن السلطة الفلسطينية.

الجواب من ناحيتي هو انه توجد لذلك إمكانية، ولكن هذا لن يحصل من خلال اقناعك لهم. كما أن هذا لن يحصل من أن توعظهم أو تهددهم. ولكن يمكنك ان تفعل هذا من خلال صفقة رزمة. قل انتم – السلطة الفلسطينية – تنفذون تغييرا دراماتيكيا في كل رزمة رسائلكم، وتحصلون على شيء ما بالمقابل".

المقابل، من ناحية آيلند، يجب ان يكون معالجة موضوع البناء في المستوطنات، المسألة التي تثير الفلسطينيين والعالم كله، بما في ذلك الولايات المتحدة. "انظر الى الخريطة كما هي اليوم وحدد خطأ في كل مستوطنة ومستوطنة، بما في ذلك المستوطنات المنعزلة"، يقترح آيلند. "اتفق معهم بأنه طالما انك تبني داخل هذه المنطقة، هذه مشكلتك. من جهة اخرى جمد البناء في المناطق المفتوحة. هذا سيمنح انجازا كبيرا للفلسطينيين. واذا ما ضمنت جهة ثالثة، الاميركيون او غيرهم، هذا – فإنه سيخلق حوارا، وتخفيضا للتوتر".

عن "معاريف"

مواضيع ممكن أن تعجبك