داخل الخلافة الإسلامية: الحياة تسير، لكن الضرب والعقوبات المختلفة سريعة ووحشية

منشور 04 كانون الثّاني / يناير 2015 - 11:31

سام ماسترز - (الإندبندنت) 4/1/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كانت المدينة المتداعية التي يعصف بها الغبار، التي يقطنها نحو ربع مليون نسمة محط فخر ثورة "الدولة الإسلامية" عندما سقطت في يدها. وأصبحت الرقة، عاصمة الأمر الواقع للدولة الإسلامية، والتي تم الاستيلاء عليها من قوات نظام بشار الأسد في سورية قبل نحو 18 شهراً، نموذجاً لخلافة إسلامية سوف تمتد ذات يوم عبر كامل الشرق الأوسط وما وراءه، كما حذر الجهاديون.

الآلاف هربوا إلى مخيمات اللاجئين في تركيا ولبنان، وتوجب على الذين ظلوا في المدينة أن يعيشوا في ظل نسخة أبو بكر البغدادي من العقيدة الإسلامية. وما تزال المدينة والمحافظة، كما تصف واقعهما مجموعة صغيرة من الناشطين "تُذبحان بصمت".

دوريات الشرطة الإسلامية تذرع الشوارع، وحوادث الضرب تتكرر، والعقوبات سريعة ووحشية. قطع الرؤوس على الملأ ممارسة شائعة ومألوفة، لتكون بمثابة تحذير لأولئك الذين يجرؤون على استنطاق حكم المتشددين. ومن الأعلى، يقوم تحالف الطائرات بقيادة الأميركيين بقصف المدينة من دون توقف، ويتحدث المسؤولون الأميركيون عن غارات عدة شُنت في الأيام الأخيرة.

فيما يُعتقد بأنه مكان في داخل الرقة أو قريباً منها، يُحتجز طيار سلاح الجو الأردني، الملازم معاذ الكساسبة، الذي تحطمت طائرته في الجوار عشية أعياد الميلاد. والأردن واحد من الشركاء في التحالف. وتزعم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام "داعش" أنها أسقطت طائرة (ف-16) التي كان يقودها بصاروخ حراري، وهو ما نفته الولايات المتحدة والمسؤولون الأردنيون.

في الأيام الأخيرة، صدرت تقارير غير مؤكدة عن مجموعة الناشطين "الرقة تُذبح بصمت"، والتي قالت إن طائرات عمودية حاولت مرتين إنقاذ الطيار قبل أن تصبح عرضة لإطلاق النار من "داعش" حول الساعات المبكرة من صباح يوم الجمعة، وقال الناشطون إن محاولات الإنقاذ المزعومة جاءت بالتزامن مع تكثيف قوات التحالف غارات قصفها للمدينة، والتي زعمت مجموعة الناشطين أنها كانت الأعنف منذ سقوط الطائرة الاردنية. وفي الرد على محاولة الإنقاذ، يقال إنه تم نشر المزيد من نقاط تفتيش "داعش" عبر أنحاء المدينة في ذلك اليوم، والتي قامت بتفتيش السيارات والمارة.

يقول المسؤولون الأميركيون إنها لا توجد أي غارات برية أو غيرها من العمليات التي شاركت فيها قوات أميركية خاصة، بينما قالت قوة المهام المشتركة إنه ليس لديها أي معلومات عن أي محاولات إنقاذ، ولو حدثت أي عمليات نفذتها الولايات المتحدة أو أحد شركاء الائتلاف، فإنها كانت ستمر من خلالها.

يُعتقد أيضاً أنه تم على مشارف الرقة، في منطقة مكونة من المباني الخفيضة والطرق الترابية، قتل الرهائن الذين كانت تحتجزهم "داعش". وكان من بين هؤلاء البريطانيين ديفيد هاينز وألان هيننغ، والأميركيين جيمس فولي وستيفن ساتلوف، ومؤخراً بيتر كاسيغ. وكانت القوات الخاصة الأميركية قد نفذت في تموز (يوليو) مهمة من أجل إنقاذ العديد من الرهائن الأميركيين، بمن فيهم السيد فولي والسيد ساتلوف، فقط لتجد أنه قد تم نقلهم للتو من المكان الذي كانوا موجودين فيه لأشهر عدة.

تقوم القذائف التي تسقطها قوات التحالف بإحداث المزيد من الندوب في المشهد المدمّر سلفاً. ورغم أنه قد تم إبطاء تقدم "الدولة الإسلامية" في سورية والعراق كما يبدو، حيث يعاني المتشددون من الهزائم في كل من الموصل وكوباني وبيجي، فإن القتال من أجل استعادة السيطرة على الرقة لم يبدأ بعد على ما يبدو.

تستهدف عمليات القصف الجوي المركبات والمباني ومخازن الأسلحة والقواعد. ومستوى الأضرار الجانبية الناجمة عن القصف عالٍ. الماء يصبح أكثر ندرة باطراد. والمتسولون من الأعمار كافة يجلسون في شوارع الرقة. لكن المدينة ما تزال تُحكم بقبضة من حديد.

في وقت سابق، كما يقول ناشطون، كانت إمدادات الماء والكهرباء في المدينة وفيرة. لكن هناك تقنيناً فيهما الآن. وقد أصبحت انقطاعات الكهرباء شائعة وأصبحت "داعش" في حاجة إلى تعزيزات. وفي أحد الإشعارات، والذي يبدو أنه وزع في الرقة في كانون الأول (ديسمبر)، دعت "داعش" مقاتليها إلى القدوم والالتحاق بخط الجبهة الأمامي. وتقوم المحاكم والشرطة بفرض قانون الشريعة الإسلامي الصارم: الكحول محظورة، ويتم جلد الذين يتم اكتشافهم وهم يبيعون السجائر على الملأ. وتغلق المحلات أبوابها في وقت مبكر وتصبح الشوارع مهجورة بازدياد بعيد حلول الظلام.

المعارضة تكاد تكون غير موجودة في المدينة. مع أن القليلين ما يزالون يجاهرون بالنقد. وتقول الروايات التي تم الحصول عليها من مطلعين في إسطنبول ومدن دمشق وحلب السورية، إن العنف الذي يُمارس على المدنيين وفير وشائع.

وكذلك هو حال الخوف أيضاً. لكن الحياة تستمر في دولة الخلافة. الآن، أصبحت الأمور البسيطة -أين ينام المرء، وينام، ويشرب ويرفه عن نفسه- أكثر تعقيداً مما كانت في السابق. ولا يعني ذلك، كما يقول أولئك الموجودون في المدينة المتداعية، إن الحياة في ظل بشار الأسد كانت أفضل. لقد أصبحت الحياة الآن، كما يقول أحد الناشطين، "نوعاً مختلفاً من السوء".

إبراهيم، وهو اسمه غير الحقيقي، هو سوري في السادسة والعشرين من العمر. أبناؤه غادروا سورية إلى العربية السعودية، ويعيش الآن وحيداً مع شقيقتيه. وهو يزرع قطعة صغيرة من الأرض، ويمتلك منزلاً، ويستخدم مساعداً في بعض الأوقات. وهو مسلم.

المحاصيل في مناطق "داعش" أرخص مما هي عليه في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة من سورية، لكنها أكثر كلفة مما هي في حلب، الواقعة على بعد ثلاث ساعات بالسيارة إلى الغرب. ويدفع إبراهم بالدولارات. ويفعل الكثيرون في الرقة ذلك أيضاً رغم إمكانية العثور على اليورو في بعض الأحيان.

كما يكون واقع الحال -تاريخياً- في ظل حكم الأنظمة الوحشية، انخفضت معدلات الجريمة في مناطق "داعش". ويقول إبراهيم: "الحياة طبيعية، وكل شيء يسير بنظام وانتظام، لا أحد يجرؤ على رفع رأسه. الوضع آمن وكل شيء منظم... ولا ينبع هذا من الناس، وإنما يحدث بسبب الخوف. ليست هناك اعتداءات أو سرقات لأن الناس خائفون حتى الموت. لا توجد سرقة. لا أحد يقترب من شيء لا يخصه، وحتى لو كان الذهب مكدساً في الشارع -فإن أحداً لا يلمسه".

ويضيف إبراهيم: "أولئك الذين ينتهكون حدودها تتم معاقبتهم، لكنك إذا فعلت ما يقولونه (داعش)، فإنهم لن يتدخلوا في شؤونك".

في الأسبوع الماضي، قال واحد آخر من سكان المدينة للناشطين إنه تعرض للاعتقال بسبب التدخين على يد جهاديي مكتب الحسبة، الذين يقال إنهم يتولون إنفاد القانون في العاصمة. وقال المواطن: "جلدوني 40 جلدة وألقوا بي في زنزانة، وكان هناك الكثير من المحتجزين أيضاً. عندما نظرت إليهم رأيت الموت في عيونهم وكانوا في وضع يُرثى له. وخلال الليالي الثلاث التي أمضيتها في المقر، سمعت صرخات النساء والرجال".

يقول إبراهيم: "عقوبة الشخص الذي يبيع السجائر هي 100 جلدة، ويأخذون منه كل سجائره ويضعونها خارج دكانه ويصبون عليها البنزين ويحرقونها أمام عينيه، ثم يغلقون محله".

في شهر آب (أغسطس)، شددت "داعش" قبضتها على شمال سورية باستيلائها على قاعدة طبقة الجوية بالقرب من الرقة. وتقول التقديرات إن القتال المطول بين قوات الحكومة ومسلحي "داعش" أسفر عن مقتل نحو 500 شخص.

بعد وقت قصير من الاستيلاء على القاعدة في آب (أغسطس)، ظهرت تقارير قالت إن "داعش" قامت بإعدام الجنود السوريين. ويتذكر إبراهيم ذلك الحدث جيداً، فيقول: "لقد رأيت الكثير من عمليات قطع الرؤوس ورأيت الناس وهم يُجلدون. هل تتذكرون الأشخاص الذين أُسروا في مطار طبقة العسكري؟ رأيت سبعة منهم وهم يُقتلون أمامي، تم قطع رؤوسهم".

عمليات الجلد العلنية -100 جلدة هي العقوبة القياسية لمجموعة مختلفة من الجرائم- أصبحت حدثاً مألوفاً. وقد عمل الصراع وصعود "داعش" على تهديم الهياكل الاجتماعية. هناك الكثير من المتسولين، والنقود أصبحت شحيحة. الطوابير تتشكل للحصول على المساعدات الغذائية، وعمل وكالات الإغاثة محظور. ومع ذلك، ما تزال إشاعات تدور عن إصدار عملة خاصة بـ"داعش".

العدد الأخير من "دابق" -مجلة "داعش" المسعورة التي تركز على ما يوصف بأنه الوحدة، وتقصي الحقائق، والهجرة، والمجتمع، وبطبيعة الحال: الحرب المقدسة- يتحدث عن خطط لإصدار المجموعة دنانيرها الذهبية ودراهمها الفضية الخاصة من أجل فصل الخلافة عن "العملات الورقية المرتبطة بالدولار". ويقول إبراهيم: "سمعت إشاعات تقول إنهم يصنعون نقوداً ذهبية شبيهة بالجنية السوري الذهبي القديم. وهم يضعون رمزهم الخاص عليها: الدولة الإسلامية في العراق والشام".

البنزين والديزل متوفران، لكن الحصول عليهما صعب. ويقول أحد سكان الرقة: "الطعام متوفر، والكهرباء متوفرة، لكنها في أيديهم وهم الذين يتحكمون في تشغيلها وفصلها. في بعض الأحيان تتوفر الكهرباء لأربع أو خمس ساعات في اليوم، وفي أحيان أخرى يقولون إن هناك أعطالاً فيها. في بعض الأحيان تتوفر لنا الكهرباء طوال الليل، وفي أحيان أخرى تنقطع ليومين؛ الأمر متروك لهم".

ويضيف: "الماء يمكن الحصول عليه، وتقوم "داعش" بجمع القمامة بواسطة الجرارات الزراعية، ولو أن ذلك أصبح أقل تكراراً من السابق. ويستعد الجهاديون، تبعاً لمطالب، لفصل الأولاد عن البنات في المدارس".

العلاج الطبي متاح، وإنما فقط في العيادات الخاصة. "لقد قاموا بتحويل المستشفيات المجانية إلى مستشفيات ميدانية"، كما يقول المواطن من الرقة.

وفقاً لتقديرات من داخل المدينة، يشكل الأجانب ما يتراوح بين 80 و90 بالمائة من مقاتلي "داعش" في سورية، والرقة على وجه الخصوص. ويقول إبراهيم: "إنهم من العراق، واليمن، والعربية السعودية، وفيهم بريطانيون وأميركيون، بل وحتى من فرنسا وروسيا. وهم يقولون إن رواتبهم تُدفع لهم بالدولارات الأميركية".

رغم الحملة الشرسة التي تشنها "داعش" على كل ما هو غربي، فإن برنامج "محبوب العرب" -المسابقة الغنائية- يظل يتمتع بالشعبية، وتمكن مشاهدته على أجهزة التلفاز في المنازل. ومع ذلك، "لا يستطيع أحد أن يتحدث مع امرأة سوى الزوجة والأخت والأم، وتكون عقوبة عصيان هذه القاعدة هي الجلد"، كما يقول إبراهيم.

عندما سُئل عما إذا كان يفضل العيش تحت حكم الأسد أو "داعش"، قال إبراهيم: "لن أختار أياً منهما... في ظل كلا النظامين، قد يكلفك ارتكاب أي غلطة حياتك".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: War with Isis: Inside the Islamic State caliphate, life goes on - but beatings are frequent and punishments swift and savage

- عن صحيفة "الغد" الاردنية

مواضيع ممكن أن تعجبك