رهاب الإسلام في عصر ترامب: قضية مسجد كوفينغتون

منشور 28 آب / أغسطس 2016 - 02:56
ارشيف
ارشيف

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 23/8/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كوفينغتون، جورجيا - "إذا شتمتم"، قال رئيس لجنة مفوضي مقاطعة نيوتن في بداية الاجتماع العام الذي عُقد يوم 22 آب (أغسطس)، "سوف أطلب منكم أن تعودوا إلى بيوتكم". وفي ذلك الحدث، كانت الكثير من المشاركات محاطة بسخاء بالأخلاق الجنوبية: الامتنان لأعضاء اللجنة لسماحهم للسكان بالإعراب عن أفكارهم حول مشروع المسجد الجديد المقترح بناؤه على مشارف كوفينغتون، مركز المقاطعة؛ ودعوات متكررة إلى الله بأن يرشد قرارات المجتمع؛ بل وحتى بعض من الثناء على شجاعة أولئك المواطنين الذين تحدثوا في الدفاع عن الحقوق الدستورية للمسلمين. وقد كان هؤلاء شجعاناً حقاً، لأنهم كانوا أقلية صغيرة، وتحت غطاء الكياسة الظاهرية، كانت وجهات نظر الأغلبية لاذعة في كثير من الأحيان.

أراد الكثير جداً من الناس حضور هذا الحدث في قاعة المحكمة في كوفينغتون، في ولاية جورجيا، والذي تم تقسيمه إلى جلستين. واصطف خارج القاعة مئات من الناس للحصول على الإذن بالدخول. وكانت القضية قيد البحث هي قيام مجموعة إسلامية من دورافيل القريبة بشراء قطعة أرض بمساحة 135 فدان، والتي تعتزم أن تبني عليها مسجداً ومجموعة أخرى من المرافق، بما في ذلك مقبرة؛ وقد ظهرت الأنباء عن هذه الحيازة في الآونة الأخيرة فقط. وقدم المعارضون للمشروع ثلاث حجج رئيسية؛ فأعرب عدد قليل من المتحدثين عن قلقهم من معاملة الإسلام النساء، واحتمال انسياب التأثير إلى الفتيات المحليات. وعبر العديدون عن اعتراضات شبه عملية، حول تأثير المسجد على مستويات حركة المرور، والتلوث الضوضائي من الدعوة إلى الصلاة، والإضرار المزعوم بالصحة الناجم عن ممارسات الدفن الإسلامية. وكانت إحدى النساء قلقة بشكل خاص من التأثير على قوائم الانتظار للعمل في سوق وول مارت. "أين سيعمل كل هؤلاء الناس؟" سألَت. وردد الحشد مثل الجوقة: "إنهم لا يفعلون"!

ولكن بشكل عام، وبعد إعلانهم أولاً أنهم ليسوا متحاملين بأي طريقة، ندد كثير من المتحدثين مباشرة بالإسلام بسبب عنفه وتطرفه المفترضَين. وتوقعوا أن كوفينغتون-البلدة الخلابة التي كثيراً ما يستخدمها صناع السينما موقعاً للتصوير، والواقعة في مقاطعة جميلة يقطنها حوالي 100.000 شخص، سوف تصبح جحيماً من العنف والجهاد، والذي لن تعود عائلاتهم آمنة فيه. وقال شخص يعمل خبيراً في الإنترنت: "سوف يقتلون اليهود، والمسيحيين، وكل شخص لا يؤمن بالله"، واقترح أن يقوم جيرانه المستقبليون بتمزيق الصفحات الخاطئة من القرآن لإثبات حسن نواياهم. وقال شخص آخر: "إذا كنت لا تؤمن كما يفعلون، سوف يُقطع رأسك". الإسلام، كما أعلن شاب يافع، هو "عقيدة موت". وأصرت فتاة من كادر الكنسية: "هذا ليس ديناً".

لم يكن أحد من أصحاب مشروع المسجد المقترح موجوداً هناك للدفاع عنه، وإنما كان هناك مسلم محلي واحد. قال بأسف: "رأيت المزيد من الكراهية هذه الليلة"، أكثر مما كان قد شاهده في السنوات الثماني التي عاشها في المنطقة. "احصل لنفسك على صديق مسلم"، نصح، وظل هادئاً بشكل مثير للإعجاب خلال هذا السيل من الافتراءات، وقاطع فقط عندما اقترحت امرأة أن على المسلمين بناء مساجدهم "في بلدهم الخاص". قال أن هذا هو بلده. وتحدث عدد قليل من الآخرين لصالح هذا المخطط، مشيرين إلى قسَم الولاء، ووعده بـ"الحرية والعدالة للجميع"، والذي كان قد تلي بإخلاص في بداية الاجتماع، أو إلى حماية الدستور للحرية الدينية. وتذكرت امرأة كاثوليكية حادثة عن إحراق صلبانٍ في حديقتها في مكان آخر في جورجيا في أوائل الثمانينيات. واستهجنت فتاة شجاعة سوداء بعمر 17 عاماً ذكرَ عصابة كو كلوكس كلان، ولاحظت أن "السود كانوا يعاملَون (ذات مرة) بنفس الطريقة". ودعماً لها، لاحظ طالب في كلية الطب كثرة المسلمين بين العاملين في المستشفى المحلي: "هل أنتم خائفون من السماح لهم بتوليد هؤلاء الأطفال الذين تقولون أنكم تريدون حمايتهم"؟

ولكن، وبأغلبية ساحقة، كان الشعور في مقاطعة نيوتن يقف على الجانب الآخر. وكان لتكون هذا الشعور اثنان من التأثيرات السياسية واضحة. أحدهما ريتشارد نيكسون، الذي تم استحضار مفهومه عن "الأغلبية الصامتة" وسط تصفيق حماسي من الحشد غير الصامت. ومصدر التأثير الآخر كان موجوداً بشكل طيفي فقط. وقال أحد الرجال شاكياً: "واجهنا بعض المشاكل مع الناس الذين يأتون إلى هذا البلد والذين لا نعرف الكثير عنهم". وقال رجل من الكنيسة أن "التدقيق (على القادمين) يجب أن يكون أكثر عمقاً". وقالت امرأة: "هذا نضال من أجل أمتنا. نحن لن نخوض القتال عبر المحيطات.. إننا في طريقنا إلى أن نقاتل هنا في ساحاتنا الخلفية". وأشار العديد من الاشخاص إلى السابقة في أوروبا التي يُقال أنها خسرت أمام تفشي الإسلام. وأعلن متقاعد من البحرية: "الأمر يتعلق ببقاء الولايات المتحدة الأميركية". ولم يسمع مندوب "الإيكونوميست" اسم دونالد ترامب وهو يُلفظ هنا، لكنه لم يكن في حاجة إلى أن يلفظ.

أراد الحشد من المفوضين أن يضعوا حداً لهذا المشروع، وألمح العديد من المتحدثين إلى أنه سيتم خلع مجلس المفوضين إذا فشلوا في وقف مشروع بناء المسجد. لكنه الإذنَ المبدئي مُنح للمشروع في واقع الأمر. وقد فرض المفوضون الآن وقفاً على بناء أماكن جديدة للعبادة، وسوف يمكن تأخير التقدم في بناء مشروع المسجد أو إخراجه عن مساره من خلال حجب التصاريح التقنية؛ لكن هذه الأنواع من الحيل الكريهة سيتم إفشالها على الأرجح في المحاكم. كان هذا هو مصير الاحتجاجات الأخرى ضد بناء مساجد جديدة في جورجيا وغيرها، والتي تم التغلب عليها أحيانا بعد تدخل وزارة العدل الاتحادية.

ربما يحدث هذا مرة أخرى الآن في مقاطعة نيوتن. ومع ذلك، وفي حين أن الصخب والغضب لم يكونا أشياء جديدة (حتى لو أن بعض نقاط الحوار كانت كذلك)، وعلى الرغم من أنه ربما يتبين الصخب والغضب لم يكونا مجديين، فقد كان ما جرى مؤشراً قوياً على المزاج العام في المقاطعة، وربما ما وراءها أيضاً. وفي النهاية، قدم أحد المفوضين أنشودة تسبيح بحمد تقاليد أميركا في حرية التعبير والمشاركة المدنية، والتي قال أنها تجسدت هذا المساء. وقد فعلت ذلك بطريقة ما: كانت هناك عاطفة وخطابة مؤثرة على كلا الجانبين، وكذلك الغضب وما بدا وأنه حاصل محيط من الخوف والبحث عن مخرج. ولكن، وحتى مع الإجراءات والوقائع جسدت هذه المكامن للقوة، فقد أظهرت كم هو حجم الضغط الذي ترزح المبادئ الأميركية تحته حالياً.

في الخارج، وصل محتج متأخراً جداً بحيث لم يتمكن من الدخول. وبدلاً من ذلك، كان يمسك لافتة تحمل اقتباساً من تمثال الحرية ("أعطوني جماهيركم المتعبة، الفقيرة، المحتشدة.."). أراد من الناس أن "يروا كيف شعرتُ إزاء هذا الموضوع، والأهم من ذلك، أن يروا كيف شعرَت سيدة الحرية إزاءه". وعبر الطريق، في ساحة البلدة الجميلة، رفع اثنان من الشباب عالياً، ببسالة، راية عن تعدد الأديان. وإلى جانبهما، لوحت امرأتان عنيدتان أكبر سناً بعلم يحمل الشرائح والنجوم، والذي يعني لهما ضمنياً مقاومة الوافدين الجدد. وأبعدُ منها، في ظل نصب تذكاري للحرب الكونفدرالية، كانت مجموعة أكبر من الناس يلعبون "بوكيمون غو".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Covington’s planned mosque: Islamophobia in the age of Trump

عن "الغد"

مواضيع ممكن أن تعجبك