روليت بوتين السوري

منشور 15 كانون الأوّل / ديسمبر 2015 - 03:58

عمر عاشور*

لندن - لأول وهلة، بدا الأمر وكأن الحدثين المأساويين اللذين وقعا في الفترة الأخيرة -إسقاط طائرة ركاب مدنية روسية فوق شبه جزيرة سيناء، والمذبحة الإرهابية التي وقعت في باريس بعد ذلك بأسبوعين- قد منح روسيا والغرب شيئاً يتفقون عليه: حتمية القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). غير أن تأملاً أكثر عمقاً للعمليات العسكرية الروسية في سورية -ناهيك عن إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية- تشير إلى أنه من السابق للأوان استنتاج أن الأهداف الروسية والغربية يمكن أن تتوافق أبداً.

تزعم روسيا، بطبيعة الحال، أن تدخلها في سورية يهدف إلى إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية و"غيره من الجماعات الإرهابية". ولكن، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، فإن أكثر من 90 % من الضربات الجوية الروسية حتى الآن لم تكن موجهة ضد "داعش" أو "جبهة النصرة" التابعة لتنظيم القاعدة، وإنما كانت موجهة إلى الثوار المسلحين الذين يقاتلون كلاً من تنظيم الدولة الإسلامية وحليف روسيا في البلد -بشار الأسد. والواقع أن تنظيم "الدولة الإسلامية" قد حقق تقدماً في حلب منذ بدأت الغارات الجوية الروسية.

لا يعني هذا أن القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" ليس موضوعاً على أجندة فلاديمير بوتين. من المؤكد أن هذا أحد أهداف أجندته، ولكن ثمة أهدافاً أخرى له هناك: حماية نظام الأسد، وتوسيع تواجد روسيا العسكري ونفوذها السياسي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، بل وربما الدفع بأسعار النفط إلى الارتفاع.

حتى الآن، كانت الضربات الجوية الروسية تتركز على مناطق اللاذقية، وحماة، وإدلب؛ حيث مكنت نظام الأسد من تحقيق تقدم كبير على جبهات عدة. ويبدو أن بوتين يحاول مساعدة الأسد في تأمين معاقله الساحلية التي حقق الثوار تقدماً كبيراً نحوها في شهري آب (أغسطس) وأيلول (سبتمبر). وتشكل هذه المناطق جزءاً مما يسمى "سورية المفيدة"، التي تضم أيضاً الحدود اللبنانية، ودمشق، وأجزاء من حلب، فضلاً عن مدن كبرى في الجنوب الغربي ووسط سورية. ويتعين على الأسد أن يحافظ على سيطرته على هذه المناطق من أجل تحسين موقفه في أي مفاوضات سياسية أو تسوية نهائية، بما في ذلك التقسيم المحتمل للبلد.

وعلاوة على ذلك، لا علاقة لما تقوم به روسيا من بناء قدرات دفاعية جوية متطورة في سورية بمحاربة تنظيم الدولة، الذي لا يملك قوات جوية. ويبدو أن هذه الجهود ترمي إلى تمهيد الساحة لفرض منطقة حظر للطيران، بهدف حماية نظام الأسد والعمل كثِقَل استراتيجي موازن للوجود الأميركي في قاعدة أنجرليك الجوية في تركيا.

ربما يكون من شأن إسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية -التي تصادف أنها كانت تستهدف ثوار سوريين- أن يدفع روسيا إلى تصعيد هذه الجهود. وقد أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويجو، بالفعل الآن عن نشر نظام صواريخ S-400 SAM المتطور في القاعدة الجوية الروسية في اللاذقية.

غير أن استراتيجية بوتين لا تخلو من مشاكل خطيرة. فبادئ ذي بدء، لم تثبت الغارات الجوية التكتيكية التي تعتمد عليها روسيا فعاليتها بشكل خاص في الماضي. ذلك أن القوات الجوية الروسية تفتقر إلى الأسلحة وأنظمة الاستهداف الدقيقة التي يستخدمها الغرب -وهو الواقع الذي أنتج عواقب مروعة خلال الحرب الجورجية في العام 2008، وحربي الشيشان الأولى والثانية في الفترة من 1994 إلى 1996، ثم من 1999 إلى 2009. ومن المعروف أن تسامح العسكريين الروس مع "الأضرار الجانبية" (التضحية بأعداد كبيرة من المدنيين لاستهداف قوات عسكرية معادية) هو أعلى كثيراً من تسامح الغرب معها. ويصب هذا الواقع في صالح القائمين على تجنيد الشباب لتنظيم الدولة الإسلامية.

كما كان الكرملين يحاول إذكاء نيران التوترات العرقية، وهو التكتيك المستخدم منذ عصر القياصرة، عندما زعم وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن روسيا تدخلت في سورية "لحماية الأقليات". وهو الادعاء نفسه الذي أطلقه بوتين عندما أرسل القوات لغزو اثنين من الجيوب العِرقية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، ثم اعترف بهما كجمهوريتين مستقلتين. وعلى نحو مماثل، برر بوتين استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم وغزو أجزاء من شرق أوكرانيا بالتأكيد بمسألة انتماء جزء كبير من سكان المنطقة "للعرق الروسي".

غير أن النتائج في الشرق الأوسط ربما تذكرنا بما أعقب الغزو السوفياتي لأفغانستان قبل ستة وثلاثين عاماً. ذلك أن لاعبين إقليميين مثل تركيا والمملكة العربية السعودية يعارضون بشدة بقاء الأسد في السلطة، لأن من شأن ذلك أن يخدم مصالح الخصوم، مثل إيران وحزب الله. وقد أصدر خمسة وخمسون عالم دين سعوديا بياناً حثوا فيه على "الجهاد" ضد الغزاة الروس. ورددت جماعة الإخوان المسلمين في سورية، التي يقيم قادتها في تركيا وشمال سورية، البيان نفسه، فأعلنت أن الجهاد ضد الغزو الروسي يُعَد "واجباً دينيا" (فرض عين) على كل مسلم قادر.

إذا نجحت المقاومة المحلية في دفع روسيا إلى الخروج من سورية، كما حدث للاتحاد السوفياتي في أفغانستان وروسيا في حرب الشيشان الأولى، فربما يواجه بوتين متاعب في الداخل. ومن المرجح أن تؤدي الهزيمة العسكرية، مقترنة بتدهور الأحوال الاقتصادية، إلى تحول قدر كبير من عامة الناس -والعديد من رفاقه- ضده.

ولكن، لا يجوز لنا أن نتجاهل النتائج الأخرى الممكنة أيضاً. فالنصر الروسي الجزئي، من نوع ما جرى في جورجيا أو أوكرانيا، سيعني اقتطاع أجزاء من غرب سورية ووضعها تحت حماية روسية-إيرانية، ثم تقسيم البلاد بحكم الأمر الواقع في نهاية المطاف. أما الوصول إلى نتيجة كتلك التي انتهت إليها حرب الشيشان الثانية -وهي الأقل ترجيحاً نظراً للاختلافات الكبيرة بين المسرحين- فإنه سيفضي إلى تنصيب نظام موال، سواء كان بقيادة الأسد أو شخص آخر، وإدامة عدم الاستقرار والمقاومة المسلحة في المناطق الريفية.

لكن السيناريو الأقل ترجيحاً على الإطلاق هو أن تقود روسيا عملية مفاوضات تفضي إلى جلب السلام والاستقرار الدائمين. فقد نجحت "الوساطة" التي قادتها روسيا في طاجيكستان في إنهاء الحرب الأهلية التي اندلعت هناك في الفترة ما بين 1992 و1997، ودفعت الحركات المعارِضة إلى تسليم أسلحتها أو الاندماج في الجيش النظامي بضمانات روسية. ولكن بعد سنوات قليلة، تم حظر كل هذه الحركات، وانتهى أمر قادتها وعناصرها إلى السجن، أو المنفى، أو القبر، بمساعدة روسية مكثفة.

الحقيقة أن كل هذه السيناريوهات لا تتوافق مع شعارات الثورة السورية في 2011، أو مع المصالح الغربية في تحقيق الاستقرار في البلاد، ومنع تدفق اللاجئين، وفي نهاية المطاف تعزيز الديمقراطية. ومن المؤسف أن هذا الواقع ليس مدعاة إلى الاستغراب: فكما كانت الحال في الماضي القريب، لا يمتلك الغرب حالياً أي استراتيجية ذات مصداقية لاحتواء بوتين، على الرغم من أن الأخير ليس لديه استراتيجية خروج واضحة أو نهاية مُخططة لمقامرته في سورية. ولكن الأمر المؤكد الآن هو أن ما قد يحدث في سورية، أياً كان، لن يحدث من دون روسيا.

*محاضر رفيع في دراسات الأمن وسياسات الشرق الأوسط في جامعة إكسيتر، وزميل مشارك في تشاثام هاوس، وهو مؤلف كتاب "اجتثاث تطرف الجهاديين: تحويل الحركات الإسلامية المسلحة"، و"من التواطؤ إلى الصدام: علاقات الجيش-الإسلاميين في مصر".

*عن "الغد".

مواضيع ممكن أن تعجبك