زلزال سياسي في تونس!

منشور 17 كانون الثّاني / يناير 2016 - 06:02

محمد الحداد

مع الإعلان عن تشكيلة الحكومة الثانية للسيد حبيب الصيد، وانعقاد المؤتمر الأول لحزب «نداء تونس»، تكون الخريطة السياسية التونسية قد اهتزت اهتزازاً فاجأ المراقبين في الخارج، وربما فاجأ بعضهم في الداخل أيضاً، لا سيما بعدما انتشر خبر استرجاع حزب «النهضة» الغالبية البرلمانية، وتناقلته وسائل الأنباء التونسية والعالمية.

ينبغي أن نعود إلى المنطلق لفهم الأحداث: أسفرت الانتخابات التشريعية آخر 2014 عن حصول «نداء تونس» على 86 مقعداً، و «النهضة» على 69 مقعداً، غير أنّ ثلاثة أحزب أخرى كانت ممثلة في البرلمان وحليفة لـ «نداء تونس» حصلت مجتمعة على 39 مقعداً. وكان تشكيل الحكومة يقتضي ضمان ثلثي النواب للتصويت على منح الثقة، كما ينص على ذلك الدستور الجديد، فكانت تتوافر إمكانيتان للتحالف: أن يشكّل «نداء تونس» الحكومة مع الأحزاب الثلاثة الأخرى المتحالفة معه سابقاً.

لكن المشكل أن أحد الحلفاء هو «الجبهة الشعبية» التي تجمع مكونات متعدّدة من اليسار تدافع عن خيارات اقتصادية لا يمكن أن يتحملها «نداء تونس» ولا تتلاءم مع التزاماته الدولية ومع مموّلي حملته الانتخابية، إذ كانت «الجبهة» تدعو مثلاً إلى التوقّف عن تسديد الديون الخارجية. من هنا جاء الخيار الثاني الذي قصر تحالف «النداء» على حليفين فقط من حلفائه، مع مساندة «النهضة» لبلوغ ثلثي النوّاب، مقابل حضورها رمزياً في الحكومة بوزير واحد وكاتبي دولة. واعتبر هذا الخيار محافظة على علاقات تونس بالمؤسسات المالية الدولية وطمأنة لرجال الأعمال، وبدا ذلك ضرورياً لمواجهة الوضع الاقتصادي. كما اعتبر إيجابياً من الناحية الأمنية إذ خفّف الاحتقان ومنع بعض منتسبي «النهضة» من اتخاذ مواقف راديكالية أو التقرب إلى التيارات الجهادية، إذ إن وجود وزير منهم، واختيار قيادي منهم أيضاً نائباً لرئيس البرلمان، رسالة طمأنة وثقة.

ولا شكّ في أن التعايش بين التيارين الرئيسين في تونس، الدستوري ممثلاً بالنداء والإسلاموي ممثلاً بالنهضة، كان إيجابياً من ناحية تخفيف التوتر الذي كاد يعصف بالسلم الأهلي سنة 2013.

بيد أنّ مهمة كل حكومة هي أيضاً حلّ مشاكل المواطنين. وإذا اقتصرنا على المشكلين الأبرزين، لأن المشاكل كثيرة ومتراكمة، فرصيد العمل الحكومي لم يكن مُرضياً بعد سنة من الحكم. ففي مجال محاربة الإرهاب، حققت الحكومة بعض النجاح فتراجع عدد العمليات الإرهابية، لكن بالمقابل كانت ســـنة 2015 الأكثر دموية منذ الثورة بسبب عمليتي «باردو» ثم «ســــوسة»، وانتقل الإرهاب من استهداف الجنود ورجال الأمن الى استــهداف الســيّاح، وترتب على ذلك انهيار حاد للنشاط السياحي الذي يمثل النشاط الاقتصادي الثاني في البلاد. ولم تكن أزمة السياحة إلّا جزءاً من أزمة اقتصادية عامة جعلت نسبة النمو في حدود الصفر.

هكذا اتضح أنّ مجرّد التوافق بين «الشيخين» وإن كان مفيداً لتسكين التوتر فإنه لا يحمل في ذاته الدواء للمشاكل. على العكس، كان ثمن التسكين توزيع الترضيات بما لا يتحمله الوضع. وكان على رئيس الوزراء حينئذ أن يراجع تركيبة حكومته باتجاه دعم حضور أصحاب الكفاءات على حساب الترضيات الحزبية، لكنه سلك المسلك المعاكس، وعزّز حضور الوزراء السياسيين، وقد تعزّز حضور «النهضة» في الحكومة، لكن هذا الأمر ليس الأهم، بل الأهم أن منطق الترضيات يجعل من الصعب أن نتصوّر الحكومة بتركيبتها الثانية تقدم أداء أفضل من السابق. وكانت تلك المفاجأة الأولى.

أما المفاجأة الثانية فهي النتيجة التي انتهت إليها تركيبة القيادة الجديدة للنداء بعد مؤتمرها الأوّل. وكان المؤتمر في ذاته غاية من الفوضى، ونتائجه مكرسة لانقسامه، وهنا أيضاً، بُسطت المسألة بالقول إن الجناح الداعي للتحالف مع النهضة هو الذي انتصر على الجناح المعارض للتحالف، والحقيقة أن كليهما كان يخطب ودّ النهضة، ولأمر ما فضّلت هي التعامل مع أحدهما دون الآخر.

الانشقاق داخل «نداء تونس» إنما هو نتيجة طبيعية لحزب نشأ كتحالف انتخابي، ولم ينجح في عملية التحوّل إلى حزب منظم له هياكل وقانون داخلي محترم من أعضائه وقيادات جهوية مسموعة الرأي. ولم يفهم قياديوه، من الشقين المتنازعين، أن العمل السياسي ليس مجرّد حضور إعلامي. ولقد انتهت أزمة الحزب بشرخ واضح في هياكله، ولكن أيضاً في كتلته النيابية التي استقال منها مباشرة بعد المؤتمر 21 نائباً، فأصبحت نظرياً أقلّ عدداً من كتلة «النهضة»، لكن يُرجح أن تسترجع الغالبية باستقطاب نواب مستقلين أو من كتل أخرى أو بتراجع بعض المستقيلين عن استقالاتهم، كما حصل سابقاً. فالمهم هنا ليس تحديد كتلة الغالبية، وإنما في كون التوازن السياسي الموعود أصبح مختلّاً. ففيما تمثل النهضة حزباً متماسكاً ومنظماً، تعصف بالنداء أزمة حادة ستتلوها أزمات.

سيناريوات المستقبل لن تخرج عن ثلاثة:

أولها أن تحسّن الحكومة أداءها تحسيناً طفيفاً مع إقناع الشعب بأن ليس بالإمكان أحسن مما كان، وأن وعود الثورة كانت أحلاماً غير قابلة للتطبيق، وأن الأفضل القبول بالوضع الحالي على علاته من فتح الطريق أمام عودة الصراعات السياسية والاجتماعية التي ستهدّد مجدّداً السلم الأهلي.

ثانيها أن تقرّر النقابة العمالية القوية الدخول المباشر في العمل السياسي وتحطم الاستقطاب الثنائي فتطالب مستقبلاً بتمثيلها في الحكومة، كما حصل في بداية الاستقلال، على أساس أن تونس تبنى اليوم من جديد، وأن دور المنظمة العمالية في هذا البناء ضروري. لكن ثمن هذا السيناريو سيكون باهظاً اقتصادياً، إذ من المستبعد أن تقبل الأحزاب بهذا الدور من دون موجات من الإضرابات والاحتجاجات.

وثالثها أن تواصل النهضة سيطرتها الصامتة على البلاد وعودتها التدريجية إلى الســلطة، فتفوز في الانتخابات المحلية والبلدية، ثم في الانتخابات التشريعية والرئاسية، لا سيما أنها انهزمت بفضل خبرات الباجي قائد السبسي أكثر مما بسبب حزب النداء، وأن خصمها بلغ التسعين من العمر وترك حزباً مفككاً ومأزوماً، وأن ابنه الذي عيّن في المؤتمر الأخير مديراً للحزب ليست له قدرات الأب وخبرته السياسية الكبيرة، عدا أنّ مجرد تعيينه في المنصب فتح أزمة جديدة في الحزب وفي البلاد لم يعد كثيرون يترددون في وصفها بأنها تمهيد لتوريث الحكم.

عن "الحياة"

مواضيع ممكن أن تعجبك