سادة الحرب في سورية والعراق

منشور 31 تشرين الأوّل / أكتوبر 2016 - 03:32
ارشيف
ارشيف

كريستوفر هِل*

دنفر- تُنبئنا قصة المدينتين المأساوية في الشرق الأوسط -حلب في سورية والموصل في العراق- بافتقار جوهري إلى الإجماع في المنطقة وبين قوى المجتمع الدولي الأعرض. ومن الواضح أن افتقار النظام الدولي إلى النظام يعمل إلى حد كبير على تعقيد مهمة إنهاء هذه الصراعات.

عندما ينتهي الصراع الدموي في سورية أخيراً، لن نشهد مواكب النصر، ولا لحظة التطهير الوطني. وإنما سنشهد في الأرجح ترتيبات سياسية تترك سورية داخل حدودها الحالية، ولكن في ظل حكم ذاتي يعكس التنوع، وانعدام الثقة المتبادل -في الوقت الراهن على الأقل- بين طوائفها العِرقية والدينية المتعددة. ولن يكون أحد سعيداً. فلا وجود للتجهيزات اللازمة لإقامة دولة مدنية، ولا توجد مؤسسات يمكن بناء التوافق الاجتماعي أو سيادة القانون حولها.

إلى أن يصبح في الإمكان تفصيل هذه المبادئ العامة بوضوح، لن يكون بوسعنا أن نعتبر أن الحرب قد انتهت حقاً. ولا تعمل اتفاقيات وقف إطلاق النار على أفضل نحو -ولا تصمد لأطول فترة- إلا عندما يدرك المتقاتلون أخيراً أن مجموعة من المبادئ التي يتفق عليها المجتمع الدولي الأعرض سوف تكون الأساس الذي يشكل مستقبل بلدهم.

ليست الحرب السورية تجربة غير مسبوقة في المنطقة. فقد كانت الحرب الأهلية اللبنانية أطول أمداً. وخلال الفترة من العام 1975 إلى العام 1990، أنتجت هذه الحرب عدداً مماثلاً من الضحايا واللاجئين، وربما شهدت عدداً مماثلاً من اتفاقات وقف إطلاق النار. ولم تبلغ الحرب الأهلية السورية بَعد حتى نصف زمن ذلك الصراع المروع؛ ولكن لا توجد أيضا أي إشارة إلى أن الطوائف المتقاتلة المختلفة أنهكها الصراع.

من المرجح أن يكون تأثير الحرب الأهلية الدائرة في سورية على المجتمع الدولي أعظم من تأثير الحرب الأهلية اللبنانية، نظراً لتأثيرها العالمي الأكبر. ففي مستهل الأمر جرى احتواء فيض اللاجئين داخل دول الجوار، وخاصة في الأردن ولبنان وتركيا، بل وحتى العراق. ولكن سرعان ما بدأ اللاجئون يتدفقون إلى أوروبا وأماكن أخرى، مما تسبب في اندلاع توترات سياسية في بلدان بعيدة عن الصراع. وسرعان ما أصبحت حشود اللاجئين التي تعبر حدود دولة أوروبية تلو الأخرى كناية عن كل ما يثير غضب عدد كبير من الأوروبيين في هذا العصر الذي تحكمه العولمة.

كان الافتقار إلى إجماع دولي بشأن سورية، والذي انعكس في فشل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في الاتفاق على طريق إلى الأمام، سبباً في زيادة الموقف السيئ على الأرض سوءاً على سوء. وازدادت الأزمة عمقاً وتعقيداً، بفِعل الدعم المستمر الذي يتلقاه المتقاتلون من دول في الشرق الأوسط (والتي يبدو أنها لا تثق في النظام الدولي)، ومشاركة روسيا بشكل مباشر في القتال.

كما تسبب التدخل الروسي المباشر لصالح الرئيس السوري بشار الأسد في المزيد من تدهور العلاقات الأميركية الروسية، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم المخاطر في أماكن أخرى من العالم. وقد فشل وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف حتى الآن في إيجاد أي طريق عملي إلى الأمام لإنهاء القتال.

يتوق المرء إلى اليوم الذي يخرج علينا فيه كيري ولافروف من غرفة المفاوضات ليعلنا على العالم أنهما توصلا إلى اتفاق على مجموعة من المبادئ التي ستوجه مستقبل سورية وتعمل على تحقيق الإجماع بين الأعضاء الآخرين في المجتمع الدولي ومع المتقاتلين أنفسهم. فلن يكلل وقف إطلاق النار بالنجاح إلا عندما يكون بوسع المتقاتلين أن يتصوروا مستقبل ما بعد الحرب. ولا أحد يريد أن يكون آخر شخص يموت مقاتلاً عندما يكون المستقبل معروفاً وماثلا أمامه بالفعل.

أما القتال في الموصل فليس حرباً أهلية. وخلافاً للوضع في سورية حيث أصبحت المقايضات بين المتقاتلين ضرورة حتمية، يُعَد الصراع في الموصل ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حرب إبادة. وعلى النقيض من الهجوم الروسي السوري في حلب، أمضى العرب والأكراد ومستشاروهم الأميركيون في العراق على الأرجح أشهرا عدة في التحسب للقضايا التي قد تنشأ وضمان النجاح قبل أن يبدأ القتال.

لكنه بات من الواضح مسبقاً أن ما أصبح على المحك في الموصل أكثر من مجرد القضاء على "داعش". واعتماداً على الكيفية التي قد ينتهي إليها الأمر، سنعرف ما إذا كان العراق سيخرج من أزمته كدولة متعددة الطوائف أو مجموعة من الجيوب الطائفية والعِرقية. ولا يبدو أن السُنّة يريدون المشاركة في حكومة ذات أغلبية شيعية في بغداد، حتى على الرغم من أن الجيش العراقي (جنباً إلى جنب مع الأكراد) يلعب الدور الأكبر في القتال ضد "داعش".

وكما لو كان الانقسام السُنّي الشيعي في العراق ليس صعباً بالقدر الكافي، ظهر الآن صَدع أكثر عمقاً واستعصاء على الحل -صراعات تركيا مع هويتها وحدودها المفروضة من الخارج. والواقع أن التصريح بالغ الضرر الذي ألقاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن بلاده لم تروض نفسها قط على حدودها الجنوبية المفروضة عليها منذ مائة عام مع محافظة نينوى في العراق، تسبب إلى حد كبير في تعقيد قدرة تركيا على الاضطلاع بدور في عملية إحلال السلام في العراق.

من الواضح أن الكيفية التي سينتهي بها القتال في حلب والموصل سوف تساعد في توضيح المهام المقبلة. ولكن، إلى أن يصبح من الممكن أن تتفق روسيا والولايات المتحدة وتركيا والمملكة العربية السعودية ودول أخرى (يا أهل أوروبا: هل أنتم في الدار؟) على مجموعة من المبادئ الكفيلة بتحويل المنطقة نحو السلام، سوف تستمر المذبحة.

* مساعد وزير الخارجية الأميركية الأسبق لشؤون آسيا. كان سفيراً للولايات المتحدة في العراق وكوريا الجنوبية ومقدونيا وبولندا، ومبعوثاً خاصاً إلى كوسوفو، ومفاوضاً في اتفاقيات دايتون للسلام، وكبير مفاوضي الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية أثناء الفترة 2005-2009. وهو يشغل حالياً منصب عميد كلية كوربل للدراسات الدولية في جامعة دنفر.

*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

مواضيع ممكن أن تعجبك