ضرب نفط "داعش" لا يكفي

منشور 26 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2015 - 05:11
ارشيف
ارشيف

ديفيد فرانسيس ودان ليوس - (فورن بوليسي) 17/11/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تقوم واشنطن بقصف ناقلات ومصافي النفط في مناطق "داعش" للحيلولة دون أن تستفيد المجموعة الإرهابية من النفط المسروق. لكن النفط ليس أكبر مصدر تمويل لدى المجموعة.

*   *   *

شنت الطائرات الحربية الأميركية والتابعة للائتلاف حملة جوية مكثفة سريعة ضد آبار النفط التابعة لمجموعة الدولة الإسلامية "داعش"، وضد المصافي النفطية ومحطات الضخ التابعة لها في الأيام الأخيرة، مصعدة من مهمات القتال التي تستهدف إحراق شاحنات نقل النفط وتدمير المرافق التي تشكل العصب الفقري لعصابة تهريب النفط في المجموعة.

تستهدف الغارات الجوية تدمير قدرة "الدولة الإسلامية" على الاستفادة من حقول النفط المسروقة، أو التي تقع تحت سيطرتها. وحتى لو حققت الضربات أهدافها، فسيكون لدى المتطرفين الكثير من المال في أيديهم. ذلك لأن أهم عائد للمجموعة المتشددة لا يأتي من النفط الخام فحسب، وإنما من استغلال الأموال التي يحصلون عليها من ملايين الناس الذين يعيشون تحت حكمهم القاسي في المناطق التي استولت عليها المجموعة في العراق وسورية.

في تموز (يوليو) الماضي، قال دانييل غلاسير، مساعد الوزير لشؤون تمويل الإرهاب في وزارة الخزينة الأميركية، إنه كان لدى "الدولة الإسلامية" تدفق سيولة هائل ذات مرة من عشرات البنوك التي استولت عليها في الموصل العراقية في العام 2014. ومع ذلك، يأتي أكبر مصدر أموال مستمر للمجموعة من شيء مختلف تماماً: الابتزاز. وتقوم المجموعة بإجبار 8 ملايين شخص تحت إمرتها على دفع أتاوات لـ"الدولة"، والتي وصلت قيمتها إلى مئات الملايين من الدولارات في كل عام، كما قال غلاسير؛ حيث يطلب المتشددون دفعات عن كل شيء، بدءاً من جمع النفايات وصولاً إلى وقود التدفئة ورسوم الطرق.

وقال غلاسير إن عوائد المبيعات النفطية والتهريب تحل في المرتبة الثالثة. ويعني ذلك أن الحملات الجوية الأميركية الراهنة -والتي تسمى موجة المد العملياتية الثانية، على طريقة سلسلة عمليات قصف مشهودة في الحرب العالمية الثانية- قد تكون أقل تأثيراً مما يأمل المسؤولون الأميركيون. وكانت إدارة الرئيس أوباما قد استبعدت في وقت سابق استهداف شاحنات نقل النفط أو أجزاء رئيسية من البنية التحتية النفطية في سورية، بسبب الخوف من التسبب في إلحاق خسائر مدنية، وبسبب مخاوف من تدمير المرافق النفطية التي سيحتاج إليها البلد في نهاية المطاف عندما تضع الحرب أوزارها، كما قال مسوولون.

وخلص النقاش الداخلي إلى خلاصة مختلفة يوم 21 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عندما شرعت الطائرات الحربية الأميركية في قصف بعض من أكبر حقول النفط السورية، مؤقتاً على الأقل. وتسيطر "الدولة الإسلامية" على معظم حقول النفط السورية الرئيسية في البلد منذ العام 2014، لكن المضخات في الحقول الأضخم -سيجان والأزرق وأبو حردان والتناك والعمر- ضربت من خلال 12 ضربة جوية منذ بدء الحملة في الشهر الماضي. وفي غارة قصف في وقت مبكر يوم الاثنين من الأسبوع الماضي، دمرت مجموعة من الطائرات شاحنة لنقل نفط بالقرب من الحدود السورية العراقية، بعد أن ألقت مناشير تحذر السائقين من أن ضربة جوية كانت وشيكة، كما قال مسؤولون عسكريون.

وقالت إدارة أوباما إن وقف تمويل "الدولة الإسلامية" يعد عموداً رئيسياً في استراتيجيتها لإلحاق الهزيمة بالمجموعة في نهاية المطاف، لكن الجهد فشل على الأغلب بعد أكثر من عام من الضربات الجوية بقيادة الولايات المتحدة، كما يقول خبراء. وبينما فرضت حكومات غربية عقوبات على متعاملين مشبوهين مع "الدولة الإسلامية"، حافظت المجموعة على عملياتها العسكرية في سورية والعراق، بينما أعلنت مسؤوليتها عن تفجيرات من أفغانستان إلى مصر إلى فرنسا؛ حيث تركت هجمات مرعبة 129 قتيلاً على الأقل في باريس يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر). ومع ذلك، يقول مسؤولو استخبارات أوروبيون إنه ما يزال من غير الواضح ما إذا كانت القيادة الأساسية للمجموعة الإرهابية هي التي وجهت ومولت الموجة الأخيرة من الهجمات.

وقال فاليري مارسيل، الزميل المشارك في بحوث الطاقة في تشاثام هاوس في لندن، إنه طالما بقيت المجموعة تسيطر على أراض في العراق وسورية، فإنها ستكون قادرة على الاستمرار في توليد العوائد.

وقال مارسيل لمجلة فورين بوليسي: "عندما يتوسعون في الأراضي، فإن عوائدهم من الضرائب والسرقة والأتاوات ستزداد. إنهم يحتاجون إلى التوسع في الأراضي للحفاظ على عوائدهم. وستكون السيطرة على الأراضي المسألة الجوهرية".

حتى الآن، اعتمدت الولايات المتحدة على الجيش العراقي والمقاتلين الأكراد وغيرهما من المجموعات المحلية التي تقاتل "الدولة الإسلامية" على الأرض لتستعيد الأراضي منها -مع نتائج متفاوتة. ويوم الاثنين في الأسبوع الماضي، قال أوباما إن إرسال قوات أميركية لقتال المجموعة على الأرض سيكون "خطأ".

من الصعب قياس حجم أو مدى اقتصاد "الدولة الإسلامية" في ضوء أنها لا تصدر أي بيانات مالية تقليدية مثل البلدان الأخرى. لكن ثمة تقارير متعددة تشير إلى أن اقتصادها آخذ في الازدهار. وفي العام 2014، آخر عام توفرت فيه بيانات، وجدت دراسة لـ"ثومسون رويترز" أن المجموعة سيطرت على أصول تزيد قيمتها على تريليوني دولار، وكان لديها دخل سنوي وصل إلى 2.9 مليار دولار.

المجموعة التي تصور نفسها في دعاياتها على أنها تبني دولة أصيلة تجني أموالها من خلال "الضرائب". ويتضمن هذا فرض ضريبة بنسبة 5 % تجمع من أجل الرفاه الاجتماعي والرواتب، وتفرض غرامة بقيمة 800 دولار على العربات التي تدخل العراق من سورية، وضريبة طريق تبلغ 200 دولار في شمالي العراق، وضريبة بنسبة 50 % على القدرة على سرقة المواقع الأثرية في الرقة، وضريبة بقيمة 20 % على المواقع المماثلة في حلب. وبالنسبة لغير المسلمين، هناك رسم حماية دينية يعرف بالجزية.

تستطيع هذه الدفعات توليد نحو 30 مليون دولار في الشهر، وفق ثومسون رويترز. ويضع تقرير لمحللي مؤسسة راند في العام 2015 عوائد الأتاوة والضريبة عند رقم أعلى: 600 مليون دولار في العام 2014. وقدرت تلك الدراسة نفسها أن النفط ولَّد فقط 100 مليون دولار في ذلك العام، مع أن العديد من الخبراء العسكريين والمدنيين يقولون إن العوائد القادمة من النفط أكبر بكثير.

يقول مسؤولون أميركيون إنهم يعتقدون بأن الهجمات الجوية الأخيرة في سورية ستضع حداً للأرباح النفطية لمجموعة "الدولة الإسلامية" والتي تعتمد في الغالب على بيع النفط الخام في إطار المنطقة التي تسيطر عليها المجموعة في سورية. وقال مسؤول حكومي أميركي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه: "يجب المزيد من الحد من قدرتها على البيع لأصحاب الشاحنات".

ووفق إليزابيث روزمبيرغ، خبيرة العقوبات في المركز الأمني الأميركي الجديد، فإن الغرامات الاقتصادية التقليدية التي يفرضها مكتب وزارة الخزينة لمراقبة الأصول الأجنبية لا تعمل ضد "الدولة الإسلامية"، لأن المكتب لا يتوافر على نظام مصرفي تقليدي يمكن أن يستهدفه. وما لم يتم تعريف أفراد محددين يعملون في التجارة مع المجموعة، فإن أيدي الوزارة تظل موثقة.

تقول بيتسي بوراسا، الناطقة بلسان وزارة الخزينة حول الإرهاب والاستخبارات المالية، إن الوزارة تمتنع عن التعليق حول ما إذا كانت تعتقد بأن الإجراءات المالية، مثل فرض عقوبات على الأشخاص القريبين من "الدولة الإسلامية" كانت ناجحة.

من جهته، انتقد فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد في لندن، والذي يكتب تاريخاً عن "الدولة الإسلامية"، انتقد الولايات المتحدة لسماحها للمجموعة بالاستفادة من اقتصاد النفط والحرب حتى الآن. وقال إن واشنطن وحلفاءها يجب أن يعملوا ما هو أكثر لوقفها.

وقال جرجس: "ما يزال داعش قادراً على خلق اقتصاد حرب متنوع ومحتوى ذاتياً، والذي يقدم بشكل أساسي ما يكفي من الموارد للحفاظ على القتال مستمراً". وأضاف أن الجهود الأميركية لوقف هذا المسار "لم تؤت أكلها بعد كما كان من متوقعاً منها. ولم توجه ضربة حاسمة إلى المجموعة".

ليست هناك مؤشرات على أن دخل "الدولة الإسلامية" من الأتاوات والنفط المسروق وغير ذلك من السرقات قد انخفض بشكل درامي على مدار العام الماضي، كما يقول خبراء.

ويبدو أن دخل النفط قد تدنى بعض الشيء، لكن محللين في هذه الصناعة لا يوافقون على الحجم الذي قد يكون تدنى إليه -ولماذا تدنى. وكانت أسعار النفط العالمي قد هبطت، كما أن قصف الائتلاف للأهداف أفضى إلى تدمير بعض المرافق، بينما فقدت "الدولة الإسلامية" السيطرة على حقل نفط عجيل القيم في العراق عندما طردت من مدينة تكريت في آذار (مارس) الماضي، وهو ما أسهم كله في خفض دخل المجموعة من النفط.

من جهتها، أوقفت الحكومة العراقية دفع رواتب الدولة، سوية مع المزايا للناس الذين يعيشون في محافظة نينوى التي تسيطر عليها مجموعة "الدولة الإسلامية" والتي تضم الموصل، وهو ما حرم الدولة الإسلامية من مصدر للدخل الذي كانت تستوفيه من السكان المحليين، مع أنه من غير الواضح على وجه التحديد كم خسرت نتيجة لذلك، كما يقول هوارد شتاز من مؤسسة راند الفكرية.

بخلاف ذلك، تبقى تمويلات المجموعة غير متأثرة على الأغلب. ونتيجة لذلك، فإن الطريقة الوحيدة لقطع التدفق النقدي عن المجموعة تكمن في إرسال قوة عسكرية تقوم بطرد المتشددين إلى خارج ملاذهم في العراق وسورية، وبذلك تمنعهم من فرض الأتاوات على أناس مقيدين، كما قال شتاز.

لكن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يبقون مترددين إزاء تشكيل قوة برية ضخمة للهجوم على مناطق "الدولة الإسلامية" مباشرة. و-فيما عدا المقاتلين الأكراد- فإن الجيش العراقي والقوات المحلية الأخرى على الأرض غالباً ما عانت من عانت من أجل إبعاد مقاتلي "الدولة الإسلامية" عن حصونهم الرئيسية.

للحظة، تبدو الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة وأنها تستهدف تطويق وحصار المدن الرئيسية في الرقة في سورية والموصل في شمالي العراق، في محاولة لقطع طرق تهريب وإمداد المجموعة.

وقال شاتز: "ما لم يكن لديك قوة محلية قادرة، فإن الوضع يبدو أقرب إلى كونه حرب استنزاف".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Hitting the Islamic State's Oil

 Isn't Enough

عن "الغد"

مواضيع ممكن أن تعجبك