عن عودة التطبيع بين تركيا وإسرائيل

منشور 20 كانون الأوّل / ديسمبر 2015 - 05:56
ارشيف
ارشيف

خورشيد دلي

بعد سنواتٍ من الانفتاح شرقاً، تبدو تركيا وكأنها دخلت في صراع مفتوح مع تحالف دولي – إقليمي، يتألف من روسيا وإيران والعراق وسورية وأرمينيا، فتركيا التي عملت في عهد حزب العدالة والتنمية على الحد من خيارها الأطلسي، لصالح الانفتاح على العالمين العربي والإسلامي، بحثاً عن هويتها السياسية والحضارية، تلقى مواجهة من التحالف المذكور، فتنفجر الصراعات على أرضية تاريخية وحضارية وسياسية واقتصادية،

وهكذا تبدو (تركيا العثمانية السنية) في صراع مع (إيران الشيعية الصفوية) على ساحتي سورية والعراق، و(تركيا الإسلامية) في مواجهة مع (روسيا القيصرية الأرثوذكسية) التي ترى وجودها في المتوسط قضية حياة أو موت، وتركيا الجمهورية الحاملة لمشروع سياسي مدني في مواجهة مع أنظمة ايديولوجية أمنية، رافضة أي تغير حقيقي يفسح المجال لعبور الايديولوجية إلى الدولة المدنية الديمقراطية. لتكتشف، بعد ذلك كله، أن نظرية صفر المشكلات لم تعد ممكنة التطبيق، خصوصاً بعد أن تحولت الحدود مع هذه الدول إلى مناطق اشتباك ساخنة على وقع حرب التحالف الدولي المعلنة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن ذلك كله، لا تجد تركيا أمامها سوى العودة إلى المربع الأول، أي الارتماء في حضن الحلف الأطلسي الذي ما زال ينظر إلى تركيا عضواً من الدرجة الثانية، فضلا عن سياسة أميركا التي تنظر إلى تركيا حليفاً جيواستراتيجياً، ينبغي أن يكون على الدوام على علاقة جيدة مع إسرائيل.

وعليه، السؤال في هذه اللحظة، هل باتت الطريق مفتوحة أمام عودة التطبيع بين تركيا وإسرائيل؟ لا يمكن الجواب عن هذا السؤال إلا بالنظر إلى جملة من المتغيرات الجارية، والتداعيات التي تخلفها هذه المتغيرات على أمن تركيا وخياراتها السياسية، وتأمين مصادر الطاقة، ويمكن تلخيص هذه المتغيرات بالوقائع التالية.

أولاً، التغيرات الجيوسياسية التي أفرزتها الأزمة السورية، بعد أن تحولت ثورة المطالب إلى حرب مسلحة دمرت البلاد والعباد، وتحول الأزمة السورية إلى أزمة دولية وإقليمية بامتياز، كانت تركيا أكثر الدول المتأثرة بها، نظرا لعامل الجوار الجغرافي. ثانياً، الصدام الروسي - التركي على الساحة السورية، منذ التدخل العسكري الروسي في سورية، ثم إسقاط تركيا مقاتلة روسية، وممارسة موسكو سياسة تصعيد متدحرجة ضد أنقرة التي ترى أنه لا مناص من الاستنجاد بالحلف الأطلسي، لمواجهة تصعيد الدب الروسي، فيما جل سياسة الحلف يقوم على استيعاب الرغبة التركية ومهادنة موسكو. ثالثاً، توتر العلاقات التركية مع كل من إيران والعراق، على خلفية الاصطفاف الحاصل إزاء الأزمة السورية، وعلى أرضية سياسية، يغذيها العامل الطائفي والصراع التاريخي بين الدولتين الصفوية والعثمانية.

وضعت هذه المتغيرات أنقرة أمام امتحان مع خياراتها السياسية، لتجد نفسها أمام حليف قديم، هو إسرائيل التي تبدو المستفيدة الأكبر من كل ما سبق، حيث تحاول، وببراعة سياسية، واستفادة من دور الحليف الأميركي، في مد جسور التطبيع مع تركيا، بحثاً عن تحقيق مكاسب سياسية محلية وإقليمية، وهكذا تظهر اللحظة السياسية الراهنة، وكأن ثمة تقاطعا تركيا – إسرائيليا يمكن أن ينتج تفاهماً أو اتفاقا على تطبيع العلاقات بين الجانبين، وعودة الدفء إليها، فيما تسعى واشنطن والعواصم الأوروبية إلى الدفع بهذا المسار إلى الأمام، دعما للحليف الدائم (إسرائيل)، وانتصاراً لرؤيتها الأمنية التي تعطي قيمة استراتيجية لتحالف تركي – إسرائيلي في مواجهة إيران وروسيا.

تتطلع إسرائيل من استعادة العلاقات الجيدة مع تركيا إلى أكثر من تطبيع هذه العلاقات، ولعل في صلب أهدافها تلك السياسة التي جعلت من تركيا ظهراً للقضية الفلسطينية، ولاسيما غزة وحركة حماس، إذ سبق وأن أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مرّات أن بلاده لن تدير ظهرها للقضية الفلسطينية، ولو تخلى كل العالم عنها، ولعل أيضا تخلي تركيا عن مطلب رفع الحصار عن قطاع غزة هو في صلب الهدف الإسرائيلي. في المقابل، تبدو تركيا المحكومة جيوسياسياً بجوار كله مشكلات في حركتها الجديدة نحو إسرائيل تمارس براغماتية سياسية، تنطلق من البحث عن بدائل لتأمين الطاقة، وتقوية علاقاتها الإقليمية، وتحسينها مع واشنطن التي لم تعد تقف وقفة الحليف مع تركيا، في مواجهة التصعيد الروسي والسياسة الإيرانية الباحثة عن النفوذ، خصوصاً بعد الاتفاق النووي، وكذلك في طريقة التعاطي مع الصعود الكردي، وتحول الكرد إلى حليف للولايات المتحدة على الأرض في سورية والعراق ضد داعش.

تبدو تركيا في حركتها أيضا في امتحان مع سياستها العربية، بعد أن حملت راية القضية الفلسطينية والمطالبة برفع الحصار عن غزة، وأظهرت نفسها سنداً للعالم العربي. إنها محنة السياسة في خياراتها المصطدمة بالجغرافية السياسية والمصالح الناتجة عنها.

عن "العربي الجديد"

مواضيع ممكن أن تعجبك