فخ إسرائيلي للأردن بشأن الحرم القدسي

منشور 02 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2015 - 04:40
ارشيف
ارشيف

صالح النعامي

لم يكن من المستهجن أن تدعو نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي، تسيفي حوطبيلي، إلى رفع العلم الإسرائيلي على الحرم القدسي الشريف، بعيد الإعلان عن الاتفاق بين الأردن وإسرائيل بشأن ترتيبات وجود المسلمين واليهود في الحرم، والذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية.

ففي نظر نخب صهيونية كثيرة، فإن الاتفاق يضفي شرعية على مخططات إسرائيل لتعزيز وتيرة تهويد الحرم. ومن المؤسف أن مسؤولين أردنيين، ومنهم الملك عبد الله الثاني، سارعوا إلى الاحتفاء بالاتفاق، على اعتبار أنه يضمن عدم تغيير الأوضاع في الحرم القدسي الشريف؛ في حين أن إسرائيل تعكف، بشكل معلن، على تغيير الوضع القائم، وتدعم حكومتها بصراحة المخططات الهادفة إلى تدمير المسجد الأقصى، وتدشين الهيكل المزعوم على أنقاضه.

كان حرياً بالأردن أن يقف عند التقرير الرسمي الإسرائيلي الذي أشارت إليه صحيفة هآرتس، في 30 أكتوبر/تشرين الأول، ويؤكد أن حكومة بنيامين نتنياهو تقدم حالياً تمويلاً لتسع عشرة جمعية يهودية متخصصة في العمل على "إعادة" بناء الهيكل.

وحسب التقرير، فإن أخطر هذه الجمعيات "معبد الهيكل"، ويترأسها الحاخامان يسرائيل أرئيل ويهودا غليك، الذي تواظب الكتلة النيابية لحزب الليكود الحاكم على دعوته لحضور كل اجتماعاتها. ولا شك في أن أكثر ما يدل على أن نتنياهو نجح في تضليل القيادة الأردنية، وإيهامها بأنه معني بالحفاظ على الوضع القائم في الأقصى، ما ذكرته "هآرتس" أن الحكومة الإسرائيلية تنظم سنوياً رحلات لعشرات الآلاف من الطلاب اليهود، لزيارة "معهد الهيكل"، للتعرف من القائمين عليه على الاستعدادات، التي تتم على قدم وساق لإعادة بناء الهيكل الثالث، ناهيك عن تلقي الطلب شروحات حول دور المعهد في إعداد سدنة مستقبليين للهيكل.

ومن نافلة القول إن هذا السلوك يدل على أن حكومة نتنياهو تعمل على تكريس القناعات الدينية اليهودية، ذات الطابع الخلاصي لدى النشء اليهودي، حيث يقدم بناء الهيكل على أساس أنه تحقيق للخلاص اليهودي.

 ومن المفارقة ذات الدلالة أن التوقيع على الاتفاق مع الأردن بشأن الأقصى تزامن مع قرار وزارة التعليم الإسرائيلية تدريس مساق جديد، يعزز وعي الطلاب بأهمية إعادة بناء الهيكل على أنقاض الحرم، وتصوير الحدث على أنه "سيفضي إلى حل كل مشكلات المجتمع الإسرائيلي "(هآرتس،23-10-2015).

 فهل يعقل أن حكومةً تقدم على هذا النمط من السلوك جادة في احترام الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف؟ ما كان للأردن أن يقع في الفخ الإسرائيلي، ويوافق على السماح بدخول "الزوار" اليهود للحرم، وكأن الحديث يدور عن سياح يقدمون للتعرف على المكان واكتشافه. يعي الأردن، المسؤول عن رعاية الأماكن المقدسة الإسلامية، أن الجماعات الصهيونية التي تدنس الحرم، تجاهر بالتعبير عن منطلقاتها الدينية، والتي ترى في تدشين الهيكل على أنقاض الأقصى ذروة سنام الفرائض اليهودية.

فلم يدع وزير الزراعة الإسرائيلي، أوري أرئيل، الذي يقود حملات تدنيس الحرم، مجالاً للشك، عندما قال إن هذه الحملات تأتي لتكريس حق اليهود وحدهم في المكان، وإن جميع هذه الحملات تمت بموافقة نتنياهو ومباركته (ميكور ريشون،23-10). أصر الصهاينة على إحراج الأردن، عندما تبين أن احتفاء عمان بتعهد نتنياهو بعدم السماح لليهود بالصلاة في الحرم لم يكن أكثر من مثال آخر على مدى استخفاف تل أبيب بالحكم في الأردن، فقد نجح النائب عن التجمع الوطني الديمقراطي، باسل غطاس، في التسلل إلى المسجد الأقصى وقام بتوثيق أداء الصهاينة، الذين دنسوا الحرم، بعد التوصل إلى الاتفاق، "صلوات" تلمودية هناك. وبشكل عام، لم يكن الاستخفاف الصهيوني بالأردن، وحرص نتنياهو على عدم منح وزن لتعهداته للقيادة السياسية في عمّان جديداً.

فقبل عشرة أشهر، قدم نتنياهو شخصياً للملك عبدالله الثاني تعهدات بوقف حملات التدنيس، التي ينظمها الساسة الصهاينة للحرم، ولم يمض شهر حتى "صلى" الوزير أرئيل في الحرم، وعَرض شريطاً يوثق "صلاته" على موقعه الشخصي، من أجل مضاعفة جرعة الاستفزاز.

للأسف، لم يكن الاتفاق الأردني الإسرائيلي أكثر من محاولة لاحتواء انتفاضة القدس، إذ ينزع الشرعية عن حق الفلسطينيين في مقاومة حملات التدنيس الممنهج التي تهدف لتكريس التقاسم الزماني. فأية محاولة للتصدي للمستوطنين الذين يدنسون الحرم بعد الاتفاق ستعد دليلاً على "عدوانية" الفلسطينيين. وفي المقابل، لا يتضمن الاتفاق أية آلية تتعلق بالإجراءات التي يمكن اتخاذها عندما يتجاوز اليهود ما تم الاتفاق عليه، كما حدث بالفعل ووثقه النائب غطاس.

أحبط الاتفاق مع الأردن المبادرة الفرنسية، التي دعت إلى إرسال مراقبين دوليين للحرم، وهي مبادرة أثارت فزعاً في أوساط نخب الحكم في تل أبيب، على اعتبار أن تبني مجلس الأمن المبادرة قد يفضي إلى "تدويل" الصراع. في الوقت نفسه، سمح الاتفاق لإسرائيل بالانفراد بالجهات التي تتصدى لمحاولات تغيير الوضع القائم في الحرم، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية، بقيادة الشيخ رائد صلاح. فقد أعلن نتنياهو أنه جاد في توجهه إلى إخراج الحركة عن دائرة القانون وحظر أنشطتها، مع العلم بأن الحرب على هذه الحركة تتواصل، ومن جديد حلقاتها الحكم بالسجن 11 شهراً على الشيخ صلاح نفسه.

إزاء ما تقدم، يجدر بالقيادة الأردنية أن تعيد النظر في هذا الاتفاق الذي يوظفه الصهاينة لتنفيذ مخططاتهم المعلنة لتهويد الحرم القدسي. ولا حاجة للتذكير بالأوراق القوية التي يملكها الأردن، وفي وسعه توظيفها في الضغط على حكام تل أبيب لتغيير سياساتهم ومخططاتهم تجاه الحرم، مع العلم بأن هذه المخططات ستتحطم على صخرة الإصرار الفلسطيني على إفشالها وعدم التسليم بها.

عن "العربي الجديد"

مواضيع ممكن أن تعجبك