قبل أن تقوم بشنقها: والدتها أمرتها بتنظيف المنزل إستعدادا لإستقبال المعزين بها!

منشور 26 كانون الثّاني / يناير 2012 - 10:55
الضحية"راوية برادعية"، الفتاة الجامعية التي رميت في بئر عميق
الضحية"راوية برادعية"، الفتاة الجامعية التي رميت في بئر عميق

*عمان  – بثينه السراحين - جريمة بشعة جدا لا يكاد يصدقها العقل لشدة ما تحوي من تفاصيل مؤلمة وقاسية، وقعت في قرية "بيت أولا" القريبة من مدينة الخليل، مؤخرا، وظلت طي الكتمان عن الإعلام، وحتى عن الكثير من الفلسطينيين أنفسهم، إلى أن كشفت عنها "للحياة نيوز" ناشطة نسوية فلسطينية خلال زيارتها للعاصمة عمان.

تقول الناشطة، التي فضلت عدم ذكر إسمها:" أن فتاة تنتمي لعائلة محافظة جدا في هذه القرية لا تزال في سنّ السادسة عشرة أعدمت من قبل والدتها لمجرد أن الجارة زعمت وجود علاقة بين إبنها وهذه الفتاة، ومع أن الطب الشرعي أثبت براءة الفتاة، إلا أن العائلة- التي أفتضح أمرها في كل القرية - إعتقدت بأن قتلها سيمنع من إفتضاح أمرهم بمجرد أن سمعوا بهذه المزاعم".

وتوضح الناشطة:" في القرى النائية، وتحديدا تلك التابعة لمنطقة الخليل، لا يزال التخلف والجهل والتعصب للعادات البالية يحكم تفكير الناس، وهذا ما يبرر وقوع هذه الجريمة، التي جاءت على خلفية شجار وقع بين والدة الضحية وجارتها، سببه خلاف دبّ بين أطفال العائلتين أثناء لعبهم مع بعضهم البعض، وبالطبع تطور الشجار إلى شتيمة ورمي الإتهامات، فما كان من جارة الضحية، إلا وأن قالت لوالدتها (روحي شوفي صور بنتك ع موبايل إبني)، وهذه الجملة التي إعترفت الجارة لاحقا بأنها مجرد أكذوبة أرادت بها إغاظة المرأة في لحظة غضب، كانت كافية لإزهاق روح إنسانة بريئة".

هذه الفتاة ، وحسب الناشطة، كانت معروفة بين أهالي القرية بأنها شبه خادمة في منزل أهلها، تقضي غالبية وقتها في الأعمال المنزلية (لا طلعة ولا نزلة)، ولا تطلب من الله إلا الحياة، تلك الحياة التي حصدتها منها نفس الإنسانة التي منحتها إياها، بإرادة الخالق، قبل ستة عشر عاما، هي أعوام لم تشفع لها لأن تبقي ولو أثرا بسيطا من التسامح في قلوب الأشخاص الذين تنتمي إليهم بالدم والسكن والألم والفرح".

تقول الناشطة:" في إعترافاتهم في التحقيق الأمني قال ذوو الفتاة أن ما قالته الجارة كان بالنسبة لهم كارثة حقيقية: (البنت مست شرفنا، وواجب علينا غسله، وكمان ستر الموضوع قبل ما ينتشر)، وكانهم تأكدوا من أن الإتهام صحيح، فهم لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء التأكد من صدقية الإتهام، قرروا قتلها، وبدأوا يخططون لتنفيذ المهمة!، والغريب أن والدتها، التي تحكمها العقلية الذكورية، وتعتبر الأولاد الذكور مفضلين لديها، قالت في التحقيقات: أنا من نفذت الجريمة، خفت على أولادي يروحوا فيها، فضحيت بنفسي لأجلهم!!!!!!!".

وتضيف الناشطة:" قبل يومين من وقوع الجريمة لاحظ سكان المنطقة، وجيران الضحية حركة غير عادية في بيتها وبيوت أعمامها المقيمين في نفس المحيط، وفسروا ذلك، بالإشارة إلى أنهم ربما كانوا يتدارسون بنوع من الإرتباك والقلق كيفية تنفيذ الجريمة دون إلحاق الأذى بأنفسهم".

وتبين:" الغرابة في هذه الجريمة تكمن في سلوك الوالدة الجانية، والتي لم تكتف بتنفيذها للجريمة حماية لأولادها الذكور، بل قامت وبكل دم بارد بتوجيه أمر لإبنتها الضحية بتنظيف المنزل، والعمل على ترتيب كل ركن فيه، والقيام بنفض الغبار عن أثاثه إستعدادا لإستقبال المعزين بها، حيث كانت نية القتلة تتجه لإدعاء وفاتها الطبيعية بعد قتلها".

"نامت الضحية متعبة بعد يومين من العمل الشاق على تنظيف المنزل"توضح الناشطة" وخلال نومها إنقضت عليها والدتها كالذئبة، تلفّ حول عنقها حبلا لم تفلته إلا بعد أن تأكدت من موتها. وفي الصباح ذهب القتلة بجثة إبنتهم لمركز صحي القرية وأدعوا أنهم استيقظوا من النوم فوجدوا إبنتهم ميتة، زاعمين بأنها ربما توفيت على أثر سكتة قلبية".

"هنا لاحظ الطبيب علامات الإختناق، من إنتفاخ وزرقة في جسد الضحية، فواجه أهلها بالحقيقة، وسارع لإطلاع الأجهزة الأمنية، وتم ألقاء القبض على جميع أفراد العائلة، والذين خرجوا من السجن بعد مضي شهر فقط على فعلتهم، رغم أن الطب الشرعي أثبت عذرية الفتاة وبراءتها من تهمة الزنا".

مشهد مؤثر تصفه الناشطة التي حضرت لحظات توديع الضحية قبل دفنها" قامت جدتها لأبيها بإخراج جديلتها الطويلة من كفنها وووثقتها بشريط أبيض، وأشارت للموجودين قائلة(هذه علامة طهرها)، ومن ثم نظرت إلى حفيدتها بعيون باكية وقلب منكسر قائلة(روحي يا ستي لعند ربك أرحملك منهم، وهوّه القادر على تخليص حقك منهم)، وعلى وقع هذه الكلمات صارت النسوة الحاضرات تدعو الله للإنتقام من الوالدة الذئبة، والتي وصل بها التوحش درجة لا يصدقها العقل".

وقبل وقوع هذه الجريمة، وعلى مسافة قريبة منها، في قرية "صوريف"، دارت أحداث جريمة شهيرة تناولتها الفضائيات العربية بالتغطية والإهتمام، وهي جريمة نفذها عم الضحية"راوية برادعية"، الفتاة الجامعية، وبالتعاون مع مجموعة من أصدقائه المنتمين لحركة حماس، وكان دافعه لإلقاء راوية حية في بئر عميق، هو وجود علاقة حب بينها وبين مدرسها في الجامعة، ولأن المدرّس ينتمي لحركة فتح، عارض عمها الحمساوي هذا الزواج.

وبما أن محاولات المدرس لخطبة راوية تكررت، فإن هذا الأمر كان كافيا لأن يدفع بعمها للإنتقام منها، ومعاقبتها، خاصة وأنه عرف بخيانتها العظمى، حسب طريقة تفكيره، وهو إنتمائها لحرة فتح، فما كان منه إلا وأن نفذ جريمته.

وتفيد مصادر مطلعة للحياة نيوز: "قام عم راوية وشركاؤه برش غاز خاص في وجهها لتغييبها عن الوعي، لكن قدرها كتب لها أن تستفيق قبل لحظات من وصولهم للبئر، وحين همّ عمها بإلقائها فيه، صارت تتوسله وتبكي، وتمسك بملابسه لكي تبقى على قيد الحياة، إلا أن هذا لم يشفع لها ولوالدتها التي كانت بمثابة الأم للعم القاتل، فهي والدة شقيقه الأكبر، وقامت بتربيته بين أبائها كواحد منهم، ليشبّ ويكافئها بقتل إبنتها، بل ولم يشفق عليها وهي تسأله كل يوم عن إبنتها (لمدة 13 شهرا)، ليجيبها بتهكم (لا أعرف أين إبنتك، السلطة أخذتها، الله يستر شو عملت)، ولولا أنّ راع وصل إلى البئر، ووجد شعر راويه يطوف على وجه الماء، الذي أخرجه لسقاية أغنامه، لظلت هذه الجريمة مخفية، والناس في قرية صوريف، يحيطون عائلتها بالإتهامات، والعزل الإجتماعي إعتقادا منهم بأن راوية هربت مع عشيق لها، أو قامت بأي فعل آخر تستحق عائلتها معه النبذ المجتمعي".

بعد إكتشاف الجريمة وتسليط الضوء عليها من قبل الإعلام، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن نيته مصادقة حكم إعدام القتلة، هذا الحكم الذي قمنا في "الحياة نيوز" بالإستفسار عنه من قبل نقيب المحامين الفلسطينيين علي مهنا، فشكك في إمكانية تنفيذه قائلا:" حكم الإعدام الصادر عن المحاكم الفلسطينية لا ينفذ إلا بمصادقة الرئيس عليه، والرئيس نادرا ما يصادق على مثل هذه الأحكام، وفي عهد الرئيس الحالي عباس لم ينفذ أي حكم إعدام حتى اللحظة، وأما الرئيس الراحل عرفات فلم يصادق إلا على حكميّ إعدام تم تنفيذهما فعليا، وهما إعدام (عقيد) في غزة أتهم بإغتصاب طفل، ولاحقا إعدام جاسوس في ميدان عام في مدينة نابلس".

والجريمة الوارد تفاصيلها البشعة أعلاه مع التهاون في معاقبة القتلة تدعوني أنا كاتبة التقرير للكشف عن حقائق هامة حول وضع المرأة الفلسطينية القانوني المتردي في ظل قصور التشريعات، وتقاعس الأجهزة الأمنية عن القيام بدورها الذي أنشئت لأجله، وهذا الشيء لمسته من خلال تواجدي لأربع سنوات في الضفة الغربية (1999م-2003م)، وإنخراطي في العمل الإعلامي طيلة هذه المدة، وتحديدا المتعلق بشؤون المرأة والمجتمع منه، والتحقيقات عامة.

والمطلع على حال الفلسطينيين على أرض الواقع لا يجد غرابة في أن يتم الإفراج عن قتلة الفتاة التي تم ذكر تفاصيل جريمة قتلها بعد مضي شهر على جريمتهم، وذلك رغم ثبوت عذريتها وبراءتها، كما أسلفنا، فالقضاء الفلسطيني متهالك، ومتهاون، وأحيانا متآمر، وحاله لا يشبه حال أي جهاز قضائي في العالم ولا حتى في العصور الغابرة.

وأذكر بأنه لدى وصولي أراضي السلطة الفلسطينية، كلفت بتنفيذ إستطلاع ميداني حول أداء السلطة الوطنية، على أن يشمل هذا المسح خمس مدن فلسطينية،،، وكانت الإجابة على لسان كل من قابلته (الرئيس عرفات ولى علينا أهل الثقة وليس أهل الخبرة والمعرفة وهذا أدى لإستشراء الفساد).

وخلال العمل على هذا التحقيق في مدينة بيت لحم شاهدت رجل أمن (شرطي سير) يتعرض للضرب المبرح على يد شخص قام بالإصطفاف بشكل خاطىء، ولأن الشرطي طالبه بإبعاد سيارته عن مكان مخصص لتوقف سيارات نقل الركاب العامة، كان جزاؤه أن (يأكل علقه ساخنه)، على مرآى من الموجودين، الذين تعاملوا مع الموقف بشيء من اللامبالاة، والسخرية.

إستهجنت الموقف وصرخت بشكل لا إرادي قائلة( يا إلهي مش معقول شرطي بينضرب)، فرد عليّ أحد المارة بتهكم (أيّوه .. عادي، ولسه ياما إتشوفي شكلك مش من البلد)، وكان أكثر ما لفت نظري في المشهد هو هروب الشرطي من المكان، بعدما فرغ المعتدي عليه من ضربه!!!!!!!!.

الموقف السابق دفعني لإجراء تحقيق حول واقع القضاء الفلسطيني، فنصحني حقوقي مطلع بأن لا أقحم نفسي في موضوع حساس كهذا، خاصة وأن أصل المشكلات والخلل الموجود في القضاء الفلسطيني سببه خلاف بين قطبيه، وهما وزير العدل وقاضي القضاة، فهما ينتميان لعائلتين أرستقراطيتين من أكبر عائلات غزة، يحكمهما التنافس منذ مائتي عام، وبما أنهما يمثلان عائلتيهما، انعكس صراعهما وعدم إتفاقهما على شيء بشكل واضح على مخرجات القضاء الفلسطيني، والذي تضرر العاملون فيه والمتقاضين وفقه بسبب الخلافات الشخصية والمناكفات العشائرية بين الرجلين!!!!!!!!.

تحدثت إلى الرجلين هاتفيا، كان وزير العدل صريحا أكثر في الحديث عن موضوع الإصلاحات، وألقى باللائمة على قاضي القضاة، إلا أن الأخير والذي كان يرفض دائما التحدث لوسائل الإعلام وافق على التحدث إليّ بصعوبة بالغة، وكان أيضا يوجه الإتهامات وبشكل مبطن لمنافسه وزير العدل.ولحظت أن التوفيق بينهما أصعب من تحرير فلسطين وحل قضية القدس واللاجئين!!!!!!!!.

مصادر أمنية مسؤولة بينت لي أن إسرائيل خلقت "فوضى أمنية" في الضفة الغربية وقطاع غزة بهدف ضرب المقاومة الفلسطينية وإضعاف البنية الإجتماعية لهذا الشعب، وكشفت المصادر- في معلومة تنشر لأول مرة " فور تشكيل السلطة الوطنية وتشكيل الأجهزة الأمنية، بدأنا بملاحقة تجار المخدرات، وكانت المفاجأة كشفنا عن وجود شبكة مكونة من (200) رجل وإمرأة، ينشطون في تهريب وبيع السموم والمخدرات، والأنكى أن هؤلاء أيضا نشطوا في تجارة الدعارة، والجاسوسية لإسرائيل ".

ويضيف المصدر" الرئيس عرفات أصيب بالصدمة الشديدة حين وصل إليه خبر هذه الشبكة، وقال لنا أرجو معالجة الموضوع بحكمة وبسرية تامة، لا أريد ضجة إعلامية، تكتموا على الأمر".

وتشير المصادر الأمنية إلى أن "القدس كانت المدينة الأكثر تضررا من الحملات الإسرائيلية لنشر آفة المخدرات، حيث بينت إحصاءاتنا الدقيقة وجود (25) ألف متعاط للمخدرات، و(10) آلآف مدمن من فلسطينيي القدس، غالبيتهم الساحقة من الشباب".

إسرائيل، وحسب المصادر الأمنية، كانت تجمع بين الإسقاط الأمني و الجسدي، والإتجار بالمخدرات، وهذا ما عرفته من خلال زيارتي اللاحقة لمركز علاجي للمدمنين على السموم كان أنشأ حديثا بعد دخول السلطة، ومقره مدينة بيت لحم، وأذكر أنني حين زرته لحظت وجود حجرات فارغة لم يكتمل تجهيزها بعد، كان مدير المركز رجلا كفؤا، وتحدث لي بإسهاب عن هذه المشكلة، وذكر لي قصصا موجعة، من بينها قصة طفلة (12 عاما)، من بئر السبع ورطها جدها في تجارة المخدرات، دون علم عائلتها، وحتى هذا الرجل الجدّ كان ضحية عمل إسرائيلي ممنهج لضرب إرادة الشعب الفلسطيني".

وبالعودة لموضوع القضاء، أذكر أنني نهلت كثيرا من معرفة وإطلاع أحد مؤسسي نقابة محامي فلسطين، نقيب المحامين آنذاك علي مهنا، ممن بين أن" مجمع المحاكم الفلسطيني أنشأ داخل (حسبة خضار) رام الله القديمة ، والمكان ضيق وغير مناسب لإحقاق العدل، بل إن هتافات الباعة في الخارج تختلط مع أصوات القضاة، خلال جلسات المحاكمة!!!!!!!!".

وأوضح مهنا أن" المحاكم الفلسطينية تعمل وفق خلطة غريبة من القوانين التي تعتبر غير صالحة في بضعها لأقدميتها مثل القوانين الأردنية المعمول بها في الضفة الغربية خلال فترة الحكم الأردني، والتي لا يزال يعمل بها دون الأخذ بالتعديلات التي أجراها المشرع الأردني على قوانينه فيما بعد لتتلاءم والمتغيرات، لكنها لم تؤخذ بعين الإعتبار في محاكمنا التي ظلت تحتكم للقوانين الأردنية بآخر تعديلاتها في عهد الستينات من القرن الماضي".

ويواصل مهنا" قوانين كثيرة عدا الأردنية غير المحدثة يعمل بها في المحاكم الفلسطينية، ففي غزة مثلا، لا يزال يعمل ببعض القوانين المصرية القديمة، اللافت أن القوانين المطبقة لدينا تكون في أحايين كثيرة متناقضة مع بعضها البعض في أحكامها، خاصة إذا ما ذكرنا أن بعضها يعود للعهد العثماني، والآخر مأخوذ عن القانون الفرنسي القديم، وكذلك لا يزال يعمل لدينا بما يسمى قرارات الحاكم العسكري الإسرئيلي، وهذه القرارات تعتبر غير قانونية من منظور أممي، ناهيك عن أننا بدأنا نعمل وفق بعض القوانين الفلسطينية التي سنت بعد تشكيل السلطة الوطنية".

وكان التحقيق حول الفساد في القضاء الفلسطيني، كشف لي عن صراعات فرعية كثيرة، بين رؤساء محاكم وقضاة، وهذا يضاف للصراع الرئيس بين قطبيّ القضاء، الأمر الذي فسر لي وجود عشرات القضايا المدوّرة، وتشكيك في نزاهة الأحكام بناء على كل المعطيات السابقة"، وفق ما أكدته لي مصادر قضائية مطلعة، وهذا الواقع المشوه للقضاء هو ما ساهم في تنامي ظاهرة أخذ الحق باليد، والذي يطلق عليه "القضاء العرفي"، ذلك القضاء الذي إعترف لي مواطنون بأنهم يثقون به أكثر، كونهم واثقين من عدم نزاهة القضاء المعمول به في بلادهم.

وقبل الإنتهاء من الحديث عن واقع القضاء الفلسطيني لا بد من التعريج على واقع الإجهزة الامنية، وهو يحتاج لمجلدات تفرد له، فرؤساء لبعض هذه الاجهزة معنيون بتعزيز حالة الإنفلات الأمني في البلاد، وهذا ما أكده لي نقيب المحامين الأسبق أحمد الصياد ، خلال لقاء حمعني به منذ عامين في العاصمة عمان" لا زال مشهد قتل شخص في الشارع دون معرفة السبب مشهدا مألوفا لدينا، صحيح أن الموضوع لا يشكل ظاهرة، لكن السبب المباشر والرئيس في ذلك هو الفلتان الأمني الذي يغذيه التعاون المبطن بين أمراء السلاح وأمراء الفلتان الأمني، ومنهم ضباط كبار في الأجهزة الأمنية".

وفي نبذة سريعة عن الأجهزة الأمنية والدور الذي لعبه فاسدون منتمون إليها في زعزة الأمن الفلسطيني، أذكر جريمة قتل بشعة وقعت خلال وجودي في رام الله العام 2000م، حيث قام شاب بقتل الفتاة أحلام الدقماق، خلال وجودها في محل بيع اللحوم الخاص بوالدها، وكان دافعه لذلك، هو أن أحلام قامت بطرده من منزل أهلها، في اليوم السابق لمقتلها، حين جاء للسؤال عن شقيقها، صديقه السابق، والذي كان على خلاف معه، وبما أن أحلام لحظت علامات الشر في وجه قاتلها، طردته لكنها لم تكن تعلم أن ذلك سيثيره ضدها لدرجة مقتلها.

إلى هنا قد تبدو الجريمة عادية، لكنني، في ذلك الوقت، وبعد فروغي من مقابلة والدة الضحية أحلام، التي كانت تستعد لحفل زفافها، وجهزت فستان العرس الأبيض لهذه الفرحة التي لم تكتمل، توجهت لمخيم الأمعري للقاء زوجة القاتل، وهنا عارضني الكثيرون، حيث كان التعاطف على أشدّه مع الضحية وأهلها، وبما أنني أردت إعداد تحقيق عنوانه (نساء ضحايا عبث الرجال)، أصريت على الإستماع للضحية الثانية، لكنني سمعت من الزوجة ما لم أكن أتوقعه" الله لا يوفقهم همّه كبروه ونفخوه، ولما تورط تخلوا عنه"، هكذا تحدثت إلي باكية صبية عشرينية تحمل في بطنها طفلها الأول، وتوقف مشروع زواجها السعيد عند هذه النقطة.

 

 

 

الزوجة قصدت أحد قادة الأجهزة الأمنية، والذي يعتبر القاتل وشقيق القاتلة من المقربين له، ويعتبرهم ومجموعة أخرى من الشبان، يده الطولى في تنفيذ بعض المهام الأمنية، هاتفت هذا المسؤول فرفض الإجابة على الإتهام إلا بعد هدوء الأوضاع، ووعدني بلقاء صحفي مطول، لكنني تفاجأت به في اليوم التالي يفرد صفحة كاملة في صحيفة يومية موالية للسلطة، يتحدث فيها عن دوره في محاربة الفلتان الأمني!!!!!!!!!.

ومع كل ذلك لا أستطيع نفي ما أظهره هذا المسؤول وأفراد جهازه من أعمال بطولية خلال فترة الإنتفاضة الثانية، حيث كان دوره مشرفا في مواجهة العدوان الإسرائيلي على القرى والمدن الفلسطينية، وتعرض خيرة شبانه للقتل والسجن، والملاحقة الإسرائيلية، كما أنّ قائد الجهاز نفسه تعرض للملاحقة بسبب ما شاع عنه من إشرافه على عمليات عكسرية نفذت ضد الإسرائيليين، ناهيك عن جرأته في تصفية العملاء والجواسيس، وهو الأمر الذي أثار إسرائيل ضده.

جهاز أمني آخر كان متهاونا مع العدو، ولا يقدم شيئا مفيدا للشعب الفلسطيني، وقد بلغ به الحال، لأن سمي "الدرع الواقي لأمن إسرائيل"، وأذكر أنّ أحد أفراده، وهو مناضل سابق، قضى حكما بالسجن لخمس سنوات في السجون الإسرائيلية قال لي" أخجل من كوني ضابط في هذا الجهاز، لكنني مضطر، لديّ أطفال ولا دخل لي لأطعمهم، لكنني لست راض عن كثير من الأشياء تخص عملنا".

وفي خلاصة القول كانت الأجهزة الأمنية، على علاقة بشكل أو بآخر بالفلتان الأمني، الذي ربما عززته في فترة ما الخلافات التي كانت واضحة للعيان بين قادته، لكن ذلك لا ينفي بأي شكل من الأشكال أن منتسبي الأجهزة لم يكونوا على علاقة بهذه الخلافات، بل هم في الغالب شبان وطنيون، قدموا الكثير لأجل وطنهم في الإنتفاضة الاولى، على وجه التحديد.

ولشهادة الحق أذكر أن مجندون برتب صغيرة في جهاز الأمن الوطني كانوا يعملون بتجهيزات بسيطة وبدائية، وبرواتب متدنية جدا، (900 إلى 1200) شيكل إسرائيلي، هؤلاء الشبان هم فقط من كنت أشاهدهم بأم عيني على الحواجز الإسرائيلية إبان الإنتفاضة الثانية، يفدون وطنهم بأرواحهم، ويستشهدون بالعشرات، بينما الضباط الكبار يقضون أوقاتا سعيدة في مشاهدة التلفاز مع عائلاتهم في بيوتهم الفاخرة في أحياء رام الله الراقية من المصيون، إلى الطيرة، إنتهاء بالبالوع، وغيرها.

وإنطلاقا من هذه الرؤية لواقع القضاء الفلسطيني والفلتان الأمني، يمكن تخيل واقع المرأة القانوني المتردي، فلا قوانين منصفة لها في الميراث مثلا، وإن وجد القانون، فإن القضاء العرفي لا يزال سيد الموقف، فحتى اللحظة يندر أن تحصل إمرأة فلسطينية على إرثها من الأرض، وحتى إن حصلت عليه يكون بعد محاولات مضنية، فإنها تحصل على قطعة أرض صغيرة جدا من مساحة أرض شاسعة إستولى عليها أشقاؤها الذكور من ورثة الأب، بل إن بعضهم يتعمد إعطاء شقيقته الأرض التي يعيبها قربها من مستوطنة إسرائيلية، فهي بذلك مهددة بالإستيلاء عليها في أي وقت من قبل المستوطنين، فيكون ذلك عامل مؤثر في تنازل الذكور عنها لشقيقاتهم!!!. وهذه الوقائع حول مشكلة الميراث المستعصية، كشفها لي عملي في صحيفة صوت النساء الصادرة عن طاقم شؤون المرأة، والذي يتشكل من (16) إطارا نسويا كانت قياداته من أبرز المناضلات في الإنتفاضة الاولى، وتحولن بعد دخول السلطة إلى مناضلات من أجل بنات جنسهن.

وبالإضافة لهذا الطاقم أنشئت العديد من المؤسسات النسوية الفاعلة في منح المرأة فرص حياة أفضل من حيث فرص التعليم، والعمل، والمشاركة السياسية، والتوعية والتثقيف، غير أن أبرز الصعوبات التي واجهت المرأة الفلسطينية هي التعديلات القانونية المنصفة، والتي تضمن لها حياة مستقرة وآمنة، وكل هذه التحديات كانت كافية لأن تطالب المرأة الفلسطينية بتخصيص وزارة مستقلة لها، حسب ما صرحت لي الناشطة النسوية البارزة زهيرة كمال" العمل على تحسين واقع المرأة الفلسطينية يحتاج الكثير، والعوائق والتحديات أكثر، لذا نحن نصر على مطلبنا بوزراة مستقلة".

ومع أن مطلب الناشطة كمال تحقق، وهي التي أصبحت فيما بعد وزيرة للمرأة، إلا أن هذه الوزراة لم تفلح في تقديم الكثير للمرأة الفلسطينية، فبالإضافة إلى وجود العوائق القضائية، نلمح وجود تأثير واضح للنظرة الأبوية السائدة في المجتمع الفلسطيني، بل إن القوى الراديكالية، وتحديدا في المجلس التشريعي مثلت عامل جذب للوراء فيما يخص المرأة، و أذكر أن أحد هؤلاء الرجعيين، قال لي بتهكم بحضور زملاء له في المجلس التشريعي خلال لقاء صحفي جمعني بهم للسؤال عن التعديلات القانونية الخاصة بالمرأة " والله الرئيس – يقصد أبو عمار- صار يهتم بالمرأة أكثر من القدس واللاجئين، صرنا يا إخوان نحسد النسوان"، وكان حديثه هذا كتعبير عن غضبه ورفضه ككثيرين من نواب المجلس للتعديلات القانونية التي أجريت على قانون العمل حول تمديد مدة إجازة الأمومة، حيث كانت المنظمات النسوية تشن حملة لإجراء الكثير من التعديلات، التي من شأنها معالجة الثغرات القانونية، و إستصدار قوانين أخرى بما يصب في منح المرأة حقوقها المنقوصة.

غير أن المرأة الفلسطينية التي كانت رفيقة السلاح في الأمس، لم تجد من يساندها في عملها لأجل تطوير واقعها البائس بعد تشكيل السلطة الوطنية، فبينما كان البعض يوجه أصابع الإتهام للمنظمات الأهلية الممولة خارجيا بأنها "دكاكين جاسوسية"، فإنهم كانوا يهاجمون المنطمات النسائية الأهلية بحجة أن" الجندر مشروع صهيوني هدفه لفت نظر الفلسطينيين عن نضالهم لجهة موضوعات ثانوية الوقت غير مناسب للبحث فيها"، وهذا ما صرح لي به ناشط حقوقي بارز أجريت معه حوارا صحفيا بعدما قام بتسجيل دعوى قضائية ضد ناشطات نسويات بارزات، يطالب بحل المنظمات التي يقمن من خلالها بالنضال من أجل واقع أفضل لبنات جنسهن، ولكم استفزتني حينها إتهاماته الخطيرة هذه لنساء قياديات في الحركة النضالية الفلسطينية!!!!!.

لكن اليوم، وبعدما وردت إلينا تفاصيل جريمة "بيت أولا"، يظل سؤال يلوح في الأفق " هل من العدالة أن تقتل ولادة الشهداء والمناضلين ويسفك دمها على هذا النحو، دون وجود قانون منصف يجرم ويعاقب قتلتها؟؟!، وهل يقتضي الإنشغال بالنضال وتحرير القدس وعودة اللاجئين الإنشغال عن إنسانية المرأة لدرجة إزهاق روحها لمجرد كلمة وردت في لحظة غضب؟؟.

 

*نقلا عن الحياة نيوز


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك