لماذا تصر القاهرة على الوساطة الفلسطينية

منشور 20 آب / أغسطس 2018 - 02:24
لماذا تصر القاهرة على الوساطة الفلسطينية
لماذا تصر القاهرة على الوساطة الفلسطينية

سؤال طرحه كثيرون بحسن نية أو من دونها، بعدما تزايدت تحركات القاهرة مؤخرا باتجاه تثبيت التهدئة بين إسرائيل وحركة حماس، والسعي نحو رفع الحصار عن قطاع غزة، والحدّ من الانقسامات الفلسطينية للوصول إلى تفاهمات تقود إلى مصالحة وطنية.

الإجابات تشعّبت، وأكثرها صبّ في مربع أن مصر تقوم بدور “العرّاب” لصفقة سياسية تؤدي إلى تسوية منحرفة للقضية الفلسطينية، مع تلميحات عديدة أن ما يجري يساعد على تمهيد الطريق لطرح صفقة القرن التي يرعاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما تأكد أن هناك خطوات يجب المضي فيها أولا، تجعل من الصفقة قابلة للتفاوض والتنفيذ.

جانب من الإجابة السابقة خرج من طبيعة الدور المحوري والتاريخي في عملية التسوية التي بدأت منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، وما تلاها من بدء مفاوضات تحت غطاء دولي عُقدت في مدريد أكتوبر 1991، ثم اتفاقيْ أوسلو في سبتمبر 1993، ووادي عربة في أكتوبر من العام التالي.

في جميع الاتفاقيات السابقة، وما أعقبها من مفاوضات متقطعة، كانت مصر حاضرة، وتقوم بدور رئيسي، ومع كل ما تحمله كلمة “عرّاب” من معان سياسية كريهة، إلا أنّ القاهرة التزمت بالثوابت الفلسطينية، ربما اختلطت الأمور على البعض في لحظات معيّنة لكن هذه واحدة من الحقائق التي قد يتم التشكيك فيها.

الكثير من المؤشرات التي ذهبت إلى أنّ القاهرة تملك علاقات وطيدة مع تل أبيب، هناك ما يكفي لدحضها عمليا، منها أنّ معظم المؤسسات المصرية لا تزال ترى في إسرائيل عدوا حاليا ومستقبليا، وكل الحيل التي بُذلت لاختراق المجتمع من أجل التطبيع، عبر أدوات سياسية وثقافية واقتصادية، فشلت في تحقيق أغراضها.

نعم يُوجد تعاون بين جهات رسمية مشتركة، لكنه تعاون لم يمس العصب المصري، ويحتفظ بهامش لافت في التأثير الإيجابي. هذه واحدة من الإبداعات التي تستثمرها الحكومات المتعاقبة لفرملة الاتجاه نحو توثيق العلاقات مع إسرائيل، بما لا يعزز قدرة الأخيرة على إحداث مزيد من الاختراقات على الساحة العربية.

في كل ملف من الملفات التي تنخرط فيها مصر، كان هناك حرص على أن تسير بخطوط متوازية، بمعنى أن تقدّم التهدئة لا يعني وقف التحرك على مستوى رفع الحصار، أو أن وقف الانقسام والشروع في المصالحة لم يعطل التواصل مع قوى دولية لتوفير أجواء مناسبة للتسوية السياسية، وهي المحطة التالية والأخيرة للخطوات السابقة.

ربما تكون القضية الفلسطينية بالنسبة لمصر من القضايا القليلة التي يختلط فيها الخاص بالعام، والعكس. زاد هذا التداخل في السنوات الأخيرة التي صعدت فيها حركة حماس بأفكارها الإسلامية في غزة، وبعد تصاعد تدخلات بعض القوى الإقليمية، ليس للبحث عن نفوذ أو منافسة القاهرة، لكن بهدف تخريب بعض التحركات والانحياز لأهداف أيديولوجية معيّنة.

التشابك الكبير في التوجهات جعل مصر تضاعف من حضورها الفلسطيني، لتعويض فترة الارتباك التي سادت في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك حتى تنحيه في فبراير 2011، وما أعقبها من سنوات ارتباك سياسي في مصر امتدت حتى وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي للحكم في يونيو 2014.

عملية إعادة ترتيب البيت المصري من الداخل، اصطحبت معها ترتيبات أخرى على المستوى الخارجي، بينها استعادة زخم التعامل مع القضية الفلسطينية، بعد ظهور ملامح قوية لتصفيتها بالطريقة التي تتمناها إسرائيل، مستفيدة من انتشار صراعات في المنطقة جعلتها تبدو أنه لم تعد القضية الأم التي تحتل أولوية إقليمية.

المشكلة أن التطورات المتسارعة جاءت في توقيت بلغ فيه الانقسام الفلسطيني حدا مؤسفا، شجع البعض في مرحلة لاحقة، على توظيفه لتدشين حلول سياسية مبتورة، لقيت من ينساق وراءها ويشجعها، كما وجدت من يحرّض للتمرّد عليها بالقوة، بغرض إيجاد حالة تسمح بتسرّب أطراف عديدة لممارسة أدوار مؤثرة في مفاصل القضية.

القاهرة قرأت المشهد بواقعية شديدة، وتعاطت معه بقدر وافر من الرؤية العملية، وفتحت خطوطا على دوائر متناقضة، وغضت الطرف عن ممارسات ضد أمنها القومي، حتى اقتربت من مفاتيح رئيسية كثيرة، لضمان عدم الانفلات الأمني والسياسي، ومنع تحميلها جانب من مسؤولية الحصار على غزة، التي روّجت لها قطر، وتبرئة إسرائيل من خنق القطاع.

معطيات مختلفة تراكمت فرضت على مصر عدم التفريط في القضية الأم، ومنع الهواة من القفز عليها، لذلك احتلت مرتبة متقدمة في غالبية التحركات السياسية والأمنية الفترة الماضية، لأن الروافد الفلسطينية (الحمساوية والداعشية) امتدت إلى الداخل المصري عبر سيناء، ويمكن أن تلحق الأذى بمكانة مصر، في وقت تطمح فيه لاستعادة دورها الإقليمي.

الوساطة في التهدئة تقف خلفها رغبة قوية لضبط الإيقاع الأمني في منطقة قريبة من الحدود المصرية، لأن الانفلات يسمح للقوى المتطرفة في إسرائيل وغزة، باستثمارها لتكريس نفوذها، فكان من المهم البحث عن حوافز لدى الأطراف الرئيسية تجعل التهدئة جذابة لهم ومدعومة من قوى دولية.

العقبات التي تجاوزتها التهدئة استلزمت جهدا كبيرا، وتنسيقا على مستويات متعددة، ولم يتخيّل كثيرون أن تتحوّل إلى مطلب شبه متفق عليه، وتحظى بتأييد من جهات متباينة، لأن فشلها قد يغيّر بعض القواعد السياسية والأمنية في منطقة تئنُّ تحت وطأة توترات متشابكة.

الجولات المكوكية للوفود الأمنية المصرية، والتحركات السياسية المتسارعة التي تقوم بها أيضا قيادات أمنية، تجعل من الشق العسكري مفتاحا رئيسيا لتحقيق نجاح في ملف رفع الحصار عن غزة، فدون التهدئة يواجه بمصاعب كبيرة، تقع تداعياتها السلبية على عاتق مصر التي تخشى حدوث انفجار بشري في غزة باتجاه سيناء مع استمرار الحصار.

اللافت أن رفع الحصار تجاوز حدوده المباشرة، وتحول إلى ركن أساسي لدعم التهدئة من قبل مصر، التي تريد أن تكون السلطة الفلسطينية طرفا فيها، لكن النظرة القاصرة للرئاسة والزعامة، أرخت بظلال سلبية على ملفي التهدئة والحصار، دون إدراك أن التطورات السلبية على الأرض سوف تنفجر في وجه السلطة ومصر وجميع القوى الفلسطينية.

لذلك تصمم القاهرة على عدم التفريط في ملف وقف الانقسام وضرورة المصالحة، لأنه يخفف من مضاعفة الحساسيات بين القوى الفلسطينية، ويجد بابا للخروج من مأزق التهدئة بحركة فتح أم من دونها، ويسمح بمواجهة مخططات إسرائيل الممتدة على أرض صلبة، وتقبل بالتهدئة على مضض وتتجه لرفع الحصار اضطرارا، وتسعى بمناوراتها المختلفة لقطع الطريق على المصالحة. وكي لا تصل إلى المرحلة المهمة، وهي الشروع في التسوية السياسية بشكل يلبّي حدّا جيدا من طموحات الفلسطينيين، وهو ما تحاول مصر عدم التفريط فيه، من خلال إقناع القوى الفاعلة أن مفتاح التسوية، بصفقة القرن أو من دونها، يحتاج ترتيبات على مستويات عدّة تسير وفقا لخطوط متوازية.


محمد أبوالفضل - العرب اللندنيه

مواضيع ممكن أن تعجبك