لماذا كانت اتهامات زاك غولدسميث لصادق خان "بالتطرف" خاطئة

منشور 12 أيّار / مايو 2016 - 03:38
صادق خان
صادق خان

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 8/6/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بينما ينجلي الغبار عن الانتصار الذي حققه صادق خان في الانتخابات البلدية في لندن، يتحول الانتباه الآن إلى حملة زاك غولدسميث وتركيزه القوي على لقاءات خصمه السابقة مع متشددين إسلاميين. وقد حظي مقال افتتاحي لصحيفة "الغارديان" تحت عنوان "هل نسامح وننسى حملة زاك غولدسميث العنصرية؟ غير ممكن" بنحو 25.000 مشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي مقال آخر نشر في "ذا سبكتيتور"، قال توبي يونغ: "ليس لدى زاك غولدسميث شيء يخجل منه". وتطرح كل من المقالتين بعض النقاط الجيدة وبعض النقاط السيئة. لكنني أتعاطف أكثر مع الأولى، وهذه هي الأسباب.

كبداية، دعونا نعرض بعض التنازلات. إن الانتخابات هي عمل قاسٍ ومليء بالعثرات. ويجب على المرشحين توقع أن تتعرض شخصياتهم ومدى صلاحيتهم للمنصب إلى التحدي؛ وأن يتم عرض نقاط ضعفهم بالألوان الأساسية على اللوحات الإعلانية التي يكون ارتفاعها 10 أمتار. وفي حدود المعقول، يبقى ذلك أمراً جيداً. فهو يبرز الأفكار السيئة والمرشحين غير المناسبين أمام جمهور لديه أشياء أخرى ليفعلها أفضل من القلق إزاء تعقب واكتشاف الفروقات الدقيقة بين سياساتهم.

كانت الثيمات التي تحدى السيد غولدسميث على أساسها منافسه السيد خان بالكاد غير ذات صلة. ففي العام الماضي، ضربت الهجمات الإرهابية الإسلاموية العاصمتين الأوروبيتين الأقرب إلى لندن. ومن الواضح أن لدى حزب العمال مشكلات متأصلة مع معاداة السامية، والتي تتخذ شكلاً وتصبح أكثر بروزاً عندما يأتي الأمر إلى التسامح مع الممارسات المحافظة بين مؤيدي المسلمين البريطانيين (مثل الفصل بين الجنسين في الأحداث العامة). وصحيح أيضاً أن للسيد خان صلات مع مسلمين رجعيين معينين، والذين عبَّر بعضهم عن وجهات نظر متطرفة. وسوف يعطيه دوره الجديد نفوذاً على مدارس لندن، التي تشكل الجبهة الأمامية في استراتيجية "المنع" الحكومية المضادة للتطرف. كما سيعطيه أيضاً سلطة الإشراف على الشرطة في العاصمة، وكذلك سلطات الإنفاق على الرعاية والإنفاق التقديري الذي كان كين ليفينغستون، سلفه من حزب العمال، قد استخدم جزءًا منه لمصلحة المسلمين المحافظين.

مع ذلك، وحتى تكون صالحة ومسؤولة، كانت "أسئلة" المحافظين حول صلات السيد خان تحتاج إلى ثلاثة أمور. وبالنظر إلى التوترات التي تحيط بالموضوع، كان ينبغي أن يتجنب كل منها أي اقتراح بأن مرشح حزب العمال كان يتعاطف مع المتطرفين. واحتاج كل منها إلى أن يحدد، بعبارات واضحة وملموسة كيف ستؤثر لقاءاته السابقة المذكورة معهم على صلاحيته لمنصب عمدة المدينة. واحتاج كل منها إلى طرحه في حملة المحافظين التي لديها هي نفسها أسئلة كبيرة يجب أن تجيب عنها بخصوص خطط مرشحها للنقل والإسكان والعمل الشرطي.

وقد فشل السيد غولدسميث في كل واحد من هذه الاختبارات. أولاً، لم يعرض أكثر من اللبس والغموض حول ما هو بالضبط ذلك الشيء الذي فعله خصمه خطأ. وعندما تعرض للضغط، أصرّ على أنه كان يحاول أن يصور أبرز سياسي بريطاني مسلم على أنه متطرف. ومع ذلك، بدت حملته منطوية على نفس المقدار من الخطأ. فعن طريق نعتها المتواصل للسيد خان بأنه "متطرف"، أخفت الحملة دعم مرشح حزب العمال لجيريمي كوربين، زعيم حزبه من أقصى اليسار، وصلاته مع الإسلام البريطاني. وصورت محاكاة ساخرة لخطاب المحافظين، والتي نشرت في المجلة الساخرة "برايفت آي"، طبيعة "أنا لست عنصرياً... ولكن" التي اتسمت بها هذه التلميحات: "فكروا في الأمر. اسم مضحك، خان، أليس كذلك"؟ وكان المرشح المحافظ بالتأكيد مخطئاً جداً في عدم إدراكه لمدى تهور هذا السلوك، في وقت كان فيه المتسابقون في الحملات، من ترامب في أميركا إلى حزب "بديل لألمانيا" اليميني الشعبوي، يستنطقون توافق المسلمين الأساسي مع الديمقراطيات والمجتمعات الغربية.

ثانياً، فشلت حملة غولدسميث في تحديد صلة ذلك كله بصلاحية السيد خان لمنصب العمدة. وكانت المزاعم التي أثارتها حملة غولدسميث علناً (والمزاعم الرهيبة التي أطلعت الصحفيين عليها بهدوء) تقع في ثلاث فئات. بعضها كانت لها صلة بخلفيته كمحام للحريات المدنية؛ مثل صلاته بسليمان جاني، الإمام المتطرف، والذي تضمنت "ارتباطه" به صدامات غاضبة حول زواج المثليين، وتدخل السيد خان في محاولة لإقصاء السيد جاني من مسجده. وثمة "جرائم" أخرى، مثل تعامل أحد أصهاره مع الإسلام المحافظ –وهي مخالفة كان توني بلير مذنباً بها أيضاً- والتي ركزت على خلفية عائلة السيد خان المسلمة. وشملت الفئة الثالثة انتقاد مزيجه الشخصي الفريد بالكاد بين الساسة، من السذاجة والانتهازية الانتخابية. وإلى هذه السلة الأخيرة، يمكن إضافة دوره في المجلس الإسلامي لبريطانيا الذي لا تشوبه شائبه، ودفاعه عن تركيا رجب طيب أردوغان، وحتى تلك التلميحات غير المثبتة إلى أنه لعب على الهوية الأحمدية لخصمه الليبرالي الديمقراطي (الأحمدية أقلية مضطهدة في داخل الإسلام السني)، بينما كان يقاتل للاحتفاظ بمقعده البرلماني عن جنوب لندن في العام 2010. وبدلاً من التفريق بين الأمثلة، يضعها مديرو حملة السيد غولدسميث في عجينة خام من "الأسئلة غير المجابة"، و"الارتباطات مع المتطرفين"، والتي لطخوا بها كل ما يحيط بالسيد خان.

ثالثاً، أعطى السيد غولد سميث للملاحظات من هذا القبيل أهمية لا داعي لها في حملته، خاصة قرب وقت النهاية. وفي واقع الأمر، تسير أسعار المساكن في لندن لتصل إلى مليون جنيه بحلول العام 2030، وبطريقة تدمر المزيج الاجتماعي في العاصمة. وحول هذا الأمر، لم يكن لدى مرشح المحافظين أي شيء جوهري ليقوله. وحول النقل والشرطة، كان عرضه غير مناسب بنفس المقدار. لكنه بدا مهووساً بعلاقة السيد خان مع أبناء عقيدته الدينية، حيث خصص مقالته الافتتاحية الكبيرة في عدد "الميل يوم الأحد" الأخير قبل الانتخابات، لا لأي شيء يتعلق بمشكلات جلب الخبز وكسب العيش التي تؤثر على اللندنيين، وإنما على فوضى مشوهة من الحجة التي خلطت معاً بين يسارية السيد كوربين الاقتصادية، ومشكلة حزب العمال مع معاداة السامية (التي ربما كان مرشح الحزب لمنصب عمدة لندن هو أبرز منتقديها) وخلفية السيد خان، ودينه وصفاته الشخصية. وماذا كان الرسم التوضيحي المرفق بالمقال؟ صورة حافلة منسوفة في الهجمات الإرهابية التي شنت على لندن يوم 7 تموز (يوليو) من العام 2005.

وهناك نقطة أوسع إطاراً هنا. إن الساسة هم بشر، وبذلك يمتلكون مناطق نائية عمياء وتناقضات في أنفسهم. ولديهم بالتعريف شهية بالغة التطور والتعاظم للموافقة مع الآخرين، والتي تدفعهم إلى اختلاق التعاطف، والخوض في أجزاء من المجتمع حيث لم يكونوا سيغامرون بالخوض في ظروف أخرى، والتحدث بمرح مع بعض جماهيرهم في أوضاع كانت تستوجب التجنب أو التوبيخ. كم من مرشحي المحافظين أو العمال تقابلوا على عتبة ناخب مسن يصرخ غاضباً عن "الملونين"، ثم يصفونه بعد ذلك بحقيقته –عنصري- في وجهه؟ وبالإضافة إلى ذلك، لا يستطيع أي سياسي أن يوجد في فراغ مغلق بإحكام. ويقبل البريطانيون ذلك بشكل عام في حكامهم. فلدى بعض السياسييين خلفيات ثرية، والتي تحول دون تعاطفهم مع أصحاب الخلفيات الآخرى غير الآمنة مادياً أو الدينية، وبطريقة تجعلهم غير متسامحين مع أنماط الحياة البديلة. والكثيرون منهم يكونون أقرب مما هو سياسي –أو الذي يعكس خبرات الناخب المتوسط- إلى المصرفيين، والمضاربين، والأئمة، والبيئيين المتعصبين أو الممثلين الآخرين للشرائح الاجتماعية المقصورة على فئات معينة.

ومع ذلك، فإننا نسامح كقاعدة –بل إننا نرحب في كثير من الأحيان- بمثل هذه التنويعات في حياة بريطانيا المدنية، لأن فروع هذه التنويعات تمتد عميقاً في مجتمعها. ويشكل السيد غولدسميث، الذي لديه صلات بالعديد من الناس غير المناسبين لوضع جدول الأعمال لقاعة المدينة، مثالاً على ذلك. كان والده متشككاً متشدداً في الاتحاد الأوروبي ومتهماً بالتلاعب في مسائل الاستيلاء على أسهم الشركات. وكانت لعديله السابق، عمران خان، كل الصلات مع الإسلاموية خلال مهنته السياسية في باكستان. وتضم المجلة التي كان السيد غولدسميث يحررها، "البيئي"، مقالات تعارض النمو الاقتصادي، وتحتفي بالناشطين الذين ينتهكون القانون، وتنظر باستحسان إلى الانقلابيين في العالم الثالث. ولدى السيد غولدسميث الكثير من الصلات بالعوامل التي يستشهد بها الصحفيون عندما يصفونه، باستحسان، بأنه عضو البرلمان "مستقل التفكير".

لا شيء من هذا يتصل مباشرة بصلات السيد خان بالمسلمين المتطرفين. ولكن، وفي حين أن هذا الموضوع يظل أكثر مدعاة للقلق من التطرف البيئي، على سبيل المثال، فهل يجب التعامل معه بطريقة شديدة الاختلاف؟ سوف أغامر بالقول، كما فعلت في مقال سابق في كانون الثاني (يناير)، بأن نفس مشكلات الإسلام هي التي تجعل من الضروري جداً جذب ممثليه ودمجهم في سياسة البلد. هل تستطيع بريطانيا أن تكافح إقصاءها الذاتي لمسلميها الأكثر قابلية للتأثر، وذهاب الأكثر سذاجة منهم إلى التطرف، من دون وجود مسلمين بارزين في الحياة العامة ممن لديهم خبرة مباشرة في هذه المشكلات ومعرفة بأسبابها؟ هل تستطيع المؤسسة أن تدعم جيلاً جديداً من المعتدلين –بمن فيهم الأئمة الليبراليون المؤثرون الذين لفت انتباهي إلى صعودهم جوناثان آركوش، رئيس مجلس النواب اليهود، في الأسبوع الماضي فقط –من دون أن تلقي بثقلها خلف أشباه السيد خان؟

من الصعب تصور سياسي ناجح وليبرالي، والذي لم تتقاطع طرقه وهو يقطع المسافة من حيِّه إلى الساحة السياسية الوطنية، مع نوع الرجعية الذي هيمن على انتقادات السيد غولدسميث للسيد خان. وهو ما يطرح السؤال: إذا كان عمدة لندن الجديد هو النوع "الخطأ" من المسلمين لتولي منصب عام كبير، فكيف يجب أن يبدو المسلم "الصحيح"؟

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:London’s election: Why Zac Goldsmith’s “extremism” attacks on Sadiq Khan were wrong

عن "الغد"

مواضيع ممكن أن تعجبك