لماذا كل هذه الإحتجاجات ضد كأس العالم في البرازيل؟

منشور 12 حزيران / يونيو 2014 - 04:04

بقلم إغناسيو رامونيه*/وكالة إنتر بريس سيرفس

لم يكن من المرجح أن ينصت البرازيليون إلي النداء الجريء التي أطلقه ميشيل بلاتيني - ذلك اللاعب الشهير في حينه، الذي يشغل حاليا منصب رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم- يوم 26 أبريل الأخير: "أيها البرزيليون، إبذلوا جهدا لمدة شهر... وإلتزموا بالهدوء"!.

تفتتح دورة كأس العالم لكرة القدم في ساو باولو يوم 12 يونيو لتختتم يوم 13 يوليو في ريو دي جانيرو.

وفي غضون ذلك، لا يزال القلق قائما من إحتمال تصاعد موجة الاحتجاجات الحالية أثناء إنعقاد هذا الحدث الرياضي العالمي.

وقد يكون من المفيد إلقاء نظرة إلي الوراء. ففي الواقع، بدأت حملة معارضة إستضافة البرازيل لكأس العالم في شهر يونيو عام 2013 عبر مظاهرات واحتجاجات متنامية. فلماذا كل هذه المعارضة العارمة لأكبر احتفال عالمي لكرة القدم في بلد يعتبر "معبد" هذه الرياضة؟.

على مدى عام كامل، سعي علماء الاجتماع وخبراء السياسة لإيجاد إجابة على هذا السؤال، لا سيما في ضوء حقيقة أن مستويات معيشة البرازيليين قد تحسنت تحسنا كبير منذ أن تولي "حزب العمال" حكم البلاد منذ 11 سنة.

فقد أسفرت القرارات المتعاقبة برفع الحد الأدنى للأجور عن زيادة كبيرة في دخل الفقراء. كذلك فقد تحسنت نوعية حياة الشرائح الأقل دخلا بفضل برامج مثل "منحة الأسرة" و "البرازيل بدون فقر". وهكذا ترك عشرون مليون برازيلي الفقر ورائهم، في حين سجلت الطبقات المتوسطة تقدما ملحوظا في مستوياتها المعيشية.

ومع ذلك، لا تزال البرازيل تحتاج إلي قطع شوط طويل لتصبح دولة ذات قدر أقل من عدم المساواة وعدم التكافؤ، ولتكون قادرة علي توفير أحوال مادية اللائق للجميع، ذلك أن عدم المساواة لا تزال في أوجها في البرازيل.

لكن ما حدث منذ أن فقد "حزب العمال" أغلبية ممثليه في مجلسي البرلمان، هو أن تقلصت أيضا قدرته علي المناورة والتصرف، وهي القدرة التي أصبحت الآن محدودة للغاية. ونتيجة لذلك، وفي سعيهم من أجل تحقيق غاية التحرك نحو توزيع أكثر عدالة للدخل، لم يكن أمام قادة حزب العمال -وعلي رأسهم الرئيس السابق لويز إيناسيو لولا دا سيلفا- أي خيار آخر سوى تشكيل تحالفات مع الأحزاب المحافظة.

هذا الوضع خلق هذا فراغا بل وشللا في التمثيل السياسي، بمعنى أن "حزب العمال" إضطر في المقابل إلي الوعد بإحباط الاحتجاجات. وهذا قاد المتظاهرين للتشكيك في أداء الديمقراطية في البرازيل، وخاصة عندما بدأت السياسات الاجتماعية للحكومة تكشف عن محدوديتها. وفي الوقت نفسه، يبدو أن المجتمع البرازيلي كان لا يزال منغمسا في "أزمة النضج".

فعندما تم إنتشالهم من براثن الفقر، إنتقل كثير من البرازيليين من المطالب "الكمية" (مزيد من الوظائف والمدارس والمستشفيات) إلي المطالب "النوعية" (وظائف أفضل، ومدارس أفضل، ورعاية أفضل في المستشفيات).

وتبين ذلك في موجة احتجاجات عام 2013، حيث كان المتظاهرون في كثير من الأحيان من الشباب المنتمين للفئات ذات الدخل المنخفض من المجتمع والذين استفادوا من البرامج الاجتماعية التي نفذها لولا دا سيلفا وخليفته الرئيسة ديلما روسيف.

الشباب المنتمين لهذه الفئة يعدون بالملايين ويحصلون علي أجور منخفضة. ومع ذلك، فلديهم إمكانية التواصل عبر شبكة الإنترنت ومن ثم التعرف علي أشكال عالمية جديدة من الاحتجاجات. لكننهم سرعان ما إكتشفوا أن المجتمع البرازيلي غير راغب جديا في التغيير وفي قبولهم. ونتيجة لذلك يشعرون بالإحباط ويعبرون عن سخطهم.

فجاء كأس العالم لإستقطاب هذا الغضب. ومن الواضح أن الاحتجاجات ليست ضد كرة القدم، وإنما ضد بعض الممارسات المشبوهة التي طفحت علي السطح في تنظيم هذا الحدث.

فينطوي تنظيم دورة كأس العالم علي إستثمارات جبارة تقدر بحوالي 8.2 مليار يورو. وهنا إعتبر البرازيليون أن مثل هذا المبلغ يمكن توفير مدارس ومساكن ومستشفيات أكثر بكثر بل وأفضل كثيرا.

كذلك فقد كشفت تحضيرات كأس العالم أيضا النقاب عن قدر أقل من الشفافية في مجال الأعمال التجارية التي تنفذ بالأموال العامة. وعلى سبيل المثال، تجاوزت التكلفة النهائية لبناء الملاعب وحدها، 300 في المئة أكثر من الميزانية الموضوعة لها.

يحتج المتظاهرون على تجاوز التكاليف المدفوعة على حساب الخدمات العامة مجالات مثل التعليم والصحة والنقل العام.

كذلك فيحتجون في العديد من المدن الإثني عشر التي ستستضيف مباريات كأس العالم ضد طرد آلاف العائلات من أحيائهم لتحرير الملكية لبناء وتوسيع المطارات والطرق السريعة والملاعب. وبالفعل تم طرد نحو 250،000 شخص من منازلهم في هذا البلد التي يقارب تعدادها 200 مليون نسمة.

يضاف إلي ذلك أولئك الذين يحتجون ضد الاستغلال التجاري لكرة القدم، الذي يغذيه إتحاد كرة القدم الدولي.

فأعلنت الحركات الاحتجاجية عن خمسة مطالب (نكاية بفوز البرازيل بخمسة في خمسة من نهائيات كأس العالم)، وهي: الإسكان، الصحة العامة، وسائل النقل العام، التعليم، العدالة (ووضع حد لعنف الدولة في الأحياء الفقيرة أو العشوائيات، ونزع سلاح الشرطة العسكرية).

هذا وتنقسم الحركات الاجتماعية التي تقود المظاهرات إلى مجموعتين كبيرتين.

واحدة منهما راديكالية وتحمل شعار "لا حقوق، لا كأس عالم" وشكلت تحالفات مع الفئات الأكثر عنفا، بما فيها "الكتلة السوداء" المعروفة بتكتيكاتها المتطرفة.

والمجموعة الأخرى، التي نظمت صفوفها في "اللجان الشعبية لكأس العالم "، تحتج على كلفة البطولة العالمية لكنها لا تشارك في المظاهرات العنيفة.

ومع ذلك، لا يبدو أن الاحتجاجات الحالية تنمو بحجم مظاهرات يونيو عام 2013. فقد تسببت الجماعات المتطرفة في تفتيت الحركات التي ليس لها قيادة موحدة واحدة.

والنتيجة، وفقا لدراسة حديثة، هي أن ثلثي البرازيليين يعارضون تنظيم إحتجاجات خلال دورة نهائيات كأس العالم، والأهم: لا يوافقون علي الاحتجاجات العنيفة.

السؤال المطروح الآن هو ماذا سوف التكلفة السياسية لكل هذا بالنسبة لحكومة الرئيسة الحالية ديلما روسيف؟.

لقد سددت احتجاجات العام الماضي ضربة قاسية للرئيسة، وهي التي شهدت شعبيتها في الأسابيع الثلاثة الأولى من إندلاع موجة الإحتجاجات، إنخفاضا بنسبة أكثر من 25 في المئة.

صرحت الرئيسة روسيف في وقت لاحق، انها "تنصت إلى أصوات الشارع"، وإقترحت إصلاحات سياسية في البرلمان. هذا رد الفعل القوي ساعدها علي إستعادة بعض من شعبيتها. لكن هذه المرة، سيكون التحدي في الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها يوم 5 اكتوبر المقبل.

ديلما -كما تسمى شعبيا في البرازيل - هي الأوفر حظا.

لكنها سوف تواجه معارضة مجمعة في تحالفين: الوسط الحزب الديمقراطي الاجتماعي البرازيلي ومرشحته أيسيو نيفيز، والحزب الأكثر إثارة للقلق بكثير - الحزب الاشتراكي البرازيلي- الذي يتألف من اتحاد بين "إدواردو كامبوس" (وزير العلوم والتكنولوجيا في عهد لولا دا سيلفا)، والناشطة البيئية مارينا سيلفا (وزيرة البيئة في عهد لولا دا سيلفا أيضا).

هذه الانتخابات ستكون حاسمة ليس فقط للبرازيل بل لجميع أرجاء أمريكا اللاتينية، ومن ثم فما يحدث هذا الشهر خلال بطولة كأس العالم يمكن أن يكون حاسما أيضا.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك