نهاية المشروع الإسلاموي

منشور 21 نيسان / أبريل 2018 - 09:39
مقاتلون من جبهة النصرة ذراع القاعدة في سوريا
مقاتلون من جبهة النصرة ذراع القاعدة في سوريا
محمد سعيد حمادة*
لعلّ أكثر نتائج الحرب على سوريا التي ستتبدّى واضحة في مقتبل الأيام، والتي تتشكّل ملامحها اليوم، هي نهاية مشروع الإسلام السياسيّ، ووأد مقولة "الإسلام هو الحلّ" لعقود، وربمّا لقرن.
 
لقد رأى الرأي العام الذي صنّعه الإعلام، وكان متحمّسًا لإقامة "شرع الله" و"العودة إلى الإسلام الحقيقيّ" ما فعله المنادون بهذا الإسلام والمروّجون له. بل تيقّن من أن الفكرة قاتلة مدمّرة لا تبقي على شيء من إنسانيّته واستقلاله الاجتماعيّ وحريّته الشخصيّة. فقد نتج عن هذه الفكرة الحماسية المتهوّرة التي دغدغت غرائزه دمٌ وتشريد وفقر وفقدان، ولم يخرج منها إلا بويلات وويلات.
 
في سوريا والعراق، أخذت الفكرة حقّها الكامل من الموت، بعد الموت الكثير الذي خلّفته لأنصارها، فأصبحوا جاهزين لحلّ بديل يدفن ذاكرة من النقمة المصنّعة من جهة ومن حلم لم يُفدهم ويقدهم إلا إلى الموت، حلّ يوقظ ذاكرتهم الأصلية، أي دينهم الشعبيّ الذي لم يلوّثه رجال الدين الذي نشأوا في العقود الخمسة الماضية وروّجت لهم وسائل الإعلام- مع وضدّ- فبعثوا من أجداث الكتب كلّ ما هو حاقد وعدوانيّ ومدمّر. وما دامت قد بدأت بالاندثار في هذين البلدين، وهما المركز، فما النتوءات التي تصرّ على الاستمرار في جوارهما إلا غبار ما تثيره عودة القطيع تعِبًا من الرعي، خصوصًا وأن هذا القطيع لم يدفع الثمن الباهظ الذي دفعه شبيهه في المركزين الأساسيين.
 
موت هذا المشروع ليس تكهّنًا ولا أمنية، وإنما هو واقع في سياقه التاريخيّ مثله مثل كثير من الأفكار والنظريات التي وئدت أو اضمحلّت وانزوى فرسانها إلى جبال قاحلة يقارعون أشباحًا ويعتقدون أن نصرهم محقّق عليها.
 
لن أدخل في حيثيات المعطى السياسيّ اليوميّ، وإن كان ضروريًّا في رفد الفكرة، غير ان ما حدث في سوريا من عدوان عليها كان يؤشّر بما لا يدع مجالاً للشكّ أن زمنًا فكريًّا انتهى، من دون أن تتبلور ملامح بديلة. الفرق هو في الفترة الزمنية التي كان سيأخذها موته، بين ما إذا نجح الأعداء في تفكيك سوريا وبين بقائها صامدة. لكنّ ملامح الشحوب على هذا المشروع بدأت بعد ما يقارب السنة على العدوان، أي في العام 2012، وقد كتبت وكرّرت مرّات أن صمود سوريا يعيد صياغة مصير العالم وشكله الجديد، ذلك أن الصمود السوريّ هو الذي أوضح التشوّهات في صورة الشبح الشرّير، وإن كان ثمن هذا الصمود باهظًا جدًّا.
 
تجنّب الدخول في المعطى السياسيّ، هو تجنّب للاتّهام، من القريب قبل الغريب، بالنفاق السياسيّ، غير أن التاريخ سيذكر ويسجّل أن رجلاً اسمه بشار الأسد قد فصل في أمر أكثر طغيان فكريّ سُخّرت له كلّ سبل الدعم، واستطاع إعلان بداية ساعات سَكَرات موته، في وقت كان فيه العالم كلّه تقريبًا ينتظر العكس، ويروّج لعناده تارة، وتمسّكه بالسلطة تارة أخرى، وكان القريب المتعاطف يراقب إلى أيّ حدّ يستطيع الصمود وهل كان قادرًا أم لا. ومن اختبر دروس التاريخ يعرف ما للقائد من دور المعارك الكبرى، فكيف إذا كان القائد يعرف ما تستحقّه بلاده من حصّة كانت لها عبر التاريخ في صياغة مصير العالم؟
 
ليس في الأفق سوى شحوب موت هذا المشروع القاتل، فما هو البديل في ظلّ طقوس الآليّات القديمة البالية والقاتلة في الوقت نفسه؟ خصوصًا وأن محاولات بعث الموتى القدامى عمّا يسمّى "الإسلام المعتدل" وأشباهه قائمة على قدم وساق.
 
*باحث وكاتب سوري مقيم في دمشق
 
*هذه المقالة ملخّص بحث طويل يقوم بإعداده الكاتب، وسيتم صياغتها بلغة قريبة مبسّطة ومكثّفة.

© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك