أبو مازن الحقيقي

منشور 14 كانون الثّاني / يناير 2016 - 03:41
ارشيف
ارشيف

يوسي كوبرفاسر

لخص محرر وكالة الانباء الفلسطينية «معا» مؤخرا ما قاله رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في حديث معه، وكذا في الخطاب للأمة الذي ألقاه في بيت لحم الاسبوع الماضي. بعض مما قاله عباس حسب هذا التلخيص ـ مثل الجملة التي قالت ان السلطة الفلسطينية لن تنهار، وأنها لن تختفي إلا بعد أن تقوم دولة فلسطينية ـ حظي بنشر في وسائل الإعلام. وبالمقابل، فان اقوالا اخرى قالها ـ وكذا اقوال قالها مؤخرا جبريل الرجوب، عضو اللجنة المركزية لفتح ـ لم تصل إلى آذان مستهلكي الإعلام الإسرائيلي والعالمي. فقد تلقى هؤلاء تقريرا محدودا عن اقوال الرجوب وعباس، الذي يحظى بالحصانة.

هكذا، مثلا، قال عباس، ان الوضع الامني في تل أبيب وفي القدس اصعب مما هو في غزة او في رام الله؛ وان «الانتفاضة الشعبية ستستمر حتى انهاء الاحتلال، ولن تكون عودة إلى المفاوضات دون اعتراف بكل حقوق الفلسطينيين»؛ وان «التقدم نحو التسوية يجب أن يتحقق بالتدخل الدولي»؛ وان «الانتفاضة كانت ستكون بالطرق السلمية لو لم يكن جنود جيش الاحتلال يقتلون المتظاهرين الفلسطينيين، ولكن الان لكل عملية، لكل سكين ولكل اطلاق نار فلسطيني يوجد تفسير، وحكومة إسرائيل هي المسؤولة عن سفك الدماء في الطرفين». وفي تناوله لدعوة بنيامين نتنياهو يهود فرنسا للهجرة إلى إسرائيل قال عباس «انه يضع ثقته في الزمن وفي الصراع الديمغرافي ليسقط النظرية الصهيونية».

اما الرجوب فقد أعلن بان فتح ترى في الـ 17 «شهيدا» الذين دفنوا في الاول من كانون الثاني في الخليل (مخربون سلمت جثامينهم للفلسطينيين) ابطالا، وهي تشجع الشبان الفلسطينيين على السير في طريقهم. وعلى حد قوله، فقد طرح الموضوع في اللجنة المركزية للحركة (التي يترأسها عباس) وتقرر تأييد هذه الاعمال.

وبدلا من التقرير عن هذه التصريحات تلقى مستهلكو الإعلام الإسرائيلي والعالمي تقريرا عن مخاوف جهاز الامن من انهيار السلطة وعن مؤشرات دلت، وكشفت عن التغيير في موقف عباس من هجمة السكاكين والدهس، تغيير وجد تعبيره في منع الشبان الفلسطينيين الذين كانوا في طريقهم إلى نقاط الاحتكاك وتشديد المساعي للتضييق على خطى حماس. يدور الحديث عن نقص في فهم موقف عباس، الذي يواص تشجيع الإرهاب بغير وسيلة السلاح الناري، ومستعد للتعاون بشكل محدود مع إسرائيل في المسعى لمنع حماس من تنفيذ عمليات بالسلاح الناري. على أي حال، كانت تكفي هذه التقارير لتدفع نتنياهو إلى القول ان علينا عمل كل شيء لمنع انهيار السلطة.

ما الذي يمكن أن نتعلمه من تصريحات عباس والرجوب؟ اولا، انه سواء كانا مسؤولين عن بدء معركة الإرهاب الحالية ام لا ـ الان يتحملان عنها المسؤولية. فهما لا يمتنعان فقط عن شجبها، بل يشجعانها. بمعنى انه لا يمكن مواصلة عرض عمليات الإرهاب كجملة احداث يقوم بها افراد. يجب أن نعترف بان هذه معركة وطنية، المقاتلون فيها، اولئك الطاعنين والداهسين، يعملون علنا وفق توجيهات قيادتهم، التي لا تحتاج إلى تنظيم وتوجيه مرتبين كي تضمن استجابة الجمهور. فانعدام الامن الذي يخلقه عملهم في شوارع القدس وتل أبيب هو الاداة التي تتوقع القيادة من خلالها ان تقطف الانجازات على المستوى السياسي.

الاستنتاج الثاني هو أن عباس اكثر وعيا مما كان يمكن ان نستنتج من تهديدات الجهات المختلفة في إسرائيل ومن تبجحاته نفسه. فهو ليس فقط يستعد امكانية الانهيار، الذي استخدمه كي يهدد إسرائيل، بل انه يعترف لاول مرة ايضا بان الكيان السياسي الذي يقف على رأسه هو «سلطة» وليس دولة. كل العلائم الخارجية التي حاول ان يتبناها هي إذن عديمة المعنى حتى من ناحيته. واضافة إلى ذلك، ولما كان الانهيار لن يحصل، فان إسرائيل ايضا لن يتعين عليها ان تواجه تحدي اليسار الإسرائيلي والكثيرين في الغرب في أنه سيتعين عليها ان تختار بين دولة يهودية ودولة ديمقراطية.

الاستنتاج الثالث، ولعله الاهم، هو ان عباس يواصل التعويل على أن الزمن والديمغرافيا سيؤديان في النهاية إلى انهيار الصهيونية. اهدافه الاستراتيجية لم تتغير، ولهذا فانه يصر على رفضه الاعتراف بإسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي. وهذا يفسر ايضا معارضته لمشاركة عرب إسرائيل في العملية ـ فهو يخشى أن يحركوا مسيرة تؤدي إلى الترحيل.

إسرائيل ملزمة بان تستغل هذه التصريحات كي تكشف عن الوجه الحقيقي للقيادة الفلسطينية. لا خوف، فالفلسطينيون لن يكرهونا اكثر، ولكنهم كفيلون بان يصلوا إلى الاستنتاج بان استمرار الإرهاب لن يكون مجديا لهم.

إن من يحاول أن يبيع للجمهور الإسرائيلي عرضا عابثا وبموجبه يوجد في الطرف الفلسطيني شريك حقيقي للسلام، لا يعرف الاساس الفكري الفلسطيني.

فعباس مستعد فقط لتسوية لا تتعارض وتطلعه الاستراتيجي لانهيار الصهيونية. من عرض تحقيق تسوية كهذه كهدف اسمى لإسرائيل لا يجب أن يتفاجأ من أن اغلبية الجمهور لا تعطيه الثقة.

إذا ما تحرر اليسار والوسط الإسرائيلي من هذا الوهم، فنددا بالسياسة الفلسطينية ودعيا الدول الغربية إلى عمل ذلك ايضا، سيزداد التأييد لهما، ويحتمل أن ينشأ احتمال بتغيير الاهداف الفلسطينية. اما في هذه الاثناء فان عباس يقود شعبه نحو تخليد المعاناة إذ لا يوجد أي احتمال في أن تخضع إسرائيل للإرهاب.

هآرتس 13/1/2016

مواضيع ممكن أن تعجبك