اردوغان رئيس واحد لشعبين

منشور 03 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2015 - 04:45
ارشيف
ارشيف

تسفي برئيل

لم تفتح قيادة حزب العدالة والتنمية والرئيس اردوغان زجاجات الشمبانيا هذه الليلة لانهم متدينون، لكن لديهم جميع الاسباب لفعل ذلك. ومراهنة اردوغان على الذهاب إلى انتخابات جديدة في تركيا نجحت اكثر مما هو متوقع. إذا كانت النتائج الحقيقية لفرز الاصوات ستبقى كما هي فانها تشير إلى حصول الحزب على 10 بالمئة اضافية على الاقل مقارنة بالانتخابات التي جرت في 7 حزيران ـ وبالتالي سيكون للحزب اكثر من 50 بالمئة من الاصوات. نسبة التأييد المرتفعة ستُمكنه من اقامة حكومة حزب واحد دون الحاجة إلى الائتلاف، وهكذا يستطيع اردوغان التقدم وتعديل الدستور الامر الذي سيجعله رئيسا حسب النمط الأمريكي.

يوم متوتر من قضم الاظافر والضرب والاعتقالات والشكاوى حول تجاوزات في الصناديق ومقاطعة الانتخابات في قرية صغيرة. ايضا بعد اغلاق الصناديق وبدء عملية الفرز لم يتلاش التوتر. هل سيدخل الحزب الكردي إلى البرلمان أم سيبقى هذه المرة في الخارج؟ هل حزب العدالة والتنمية سيتجاوز 330 مقعدا في البرلمان، واذا حدث هذا فهل سيحصل على الـ 400 المطلوبين من اجل منح الرئيس اردوغان الصلاحيات التي يريدها بدون استفتاء شعبي؟ هل ستبدأ تصفية الحسابات؟.

هذه الاسئلة ما زالت مفتوحة طالما أن فرز الأصوات لم ينته، ويجب انتظار فرز الاصوات لمعرفة إذا كان الحزب الموالي للاكراد قد تجاوز نسبة الحسم التي تبلغ 10 بالمئة، الامر الذي سيحدد عدد الاصوات الزائدة وعدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب. حسب طريقة توزيع المقاعد المعقدة التي توجد في تركيا هناك امكانية لأن يحصل حزب العدالة والتنمية على أكثر من نصف المقاعد في البرلمان. وبالتالي ستكون أكثر من 330 مقعدا. إذا كانت هذه هي النتيجة النهائية فان الحزب يستطيع تغيير الدستور لكن من خلال استفتاء شعبي. لكن إذا كان عدد المقاعد النهائي 367 على الاقل فلن تكون حاجة إلى الاستفتاء الشعبي، وهذا ما يسعى اليه اردوغان.

يمكن أن ننسب بعض النجاح لحزب العدالة والتنمية للاحداث التراجيدية الاخيرة التي حدثت في الدولة والعمليات التي قام بها نشطاء حزب العمال الكردستاني، والاعمال المنسوبة لتنظيم الدولة الإسلامية داعش، مثل المجزرة في مدينة سوروتش التي حدثت قبل اسبوعين في محطة القطار في انقرة. إن اعتبار جميع الاكراد سكان معادين قد ساهم في تراجع التأييد للحزب الكردي الذي تراجع من 13 في المئة إلى حوالي 10 في المئة. ايضا الكثيرون من مؤيدي الحزب القومي الذي فقد أكثر من 4 بالمئة فضلوا اعطاء اصواتهم لاردوغان الذي ظهر كمحارب ضد الاكراد اكثر من رئيس حزبهم دولت بهتشالي. ومثل الدول الاخرى التي تعيش الحرب ضد الإرهاب، يبدو أن المواطنين يتجندون تحت لواء قائد يشجع الاعمال العسكرية رغم أن هذا الامر ليس جديدا ولم يمنح الهدوء والامن.

القوة السياسية التي فاز بها حزب العدالة والتنمية، خلافا لاستطلاعات الرأي التي توقعت 42 ـ 43 بالمئة، تحمل عدة بشائر جيدة وعدة تهديدات على الاقتصاد التركي الذي تراجع مؤخرا حيث تراجعت قيمة الليرة التركية إلى مستويات غير مسبوقة، ونسبة البطالة تجاوزت الـ 9.5 بالمئة وتراجع الدخل من السياحة.

مستثمرون اتراك وغرباء جمدوا في الاشهر الخمسة الاخيرة استثماراتهم وجمدوا المشاريع حتى يتبين أي حكومة ستنشأ في تركيا. عندما قرر اردوغان عدم الذهاب إلى حكومة ائتلاف، واقامة حكومة مؤقتة واجراء انتخابات جديدة، دخل الاقتصاد التركي في حالة من الفوضى. وفي غياب اليقين أي نتائج ستأتي من الانتخابات الجديدة. كان يوجد خوف من غياب الاستقرار السياسي الذي قد يستمر لفترة طويلة. تركيا التي جربت حكومة الائتلاف التي دفعتها إلى الافلاس لن ترغب في المقامرة. والآن تستطيع الاعمال في تركيا وخارجها أن تتنفس الصعداء. حزب العدالة والتنمية والرئيس اردوغان معروفان في تركيا كمسؤولين عن النجاح الاقتصادي في السنوات 2002 ـ 2012، هذا النجاح الذي أدى إلى ازدهار كبير وارتفاع في مستوى الحياة وتضاؤل الديون الخارجية واستقرار البنوك.

هذه النتائج إذا بقيت كما هي يجب أن ترضي الشركاء الاستراتيجيين لتركيا مثل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والحليفة الجديدة السعودية. هذه الدول يمكنها أن تكون مرتاحة حول الاتفاقات والتحالفات مع تركيا ـ مثل اتفاقية التعاون العسكري في الحرب ضد داعش التي وقعت، ومثل اتفاق كبح تدفق اللاجئين من تركيا إلى اوروبا. نتائج مختلفة كانت تستوجب انشاء ائتلاف (أو الذهاب إلى انتخابات اخرى كما كانت التقديرات في حال حصلت هزيمة) كان من شأنها أن تشوش على هذه الاتفاقات وتؤثر على الخطوات السياسية والعسكرية التي تحاول الولايات المتحدة القيام بها لا سيما في سوريا.

لكن إلى جانب تنفس الصعداء في الوسط الاعمالي والمجتمع الدولي، فان انتصار حزب العدالة والتنمية هو بشرى مريرة لاوساط كثيرة في تركيا. أولها وسائل الإعلام التي تعرضت لضربات قوية في السنوات الاخيرة، الامر الذي تصاعد عشية الانتخابات السابقة والحالية. فقد اعتقل وحوكم عشرات الصحافيين؛ اتحاد العمال والصحافة لعلي آيباك «كوزا آيباك» منع من قبل الدولة (في الاسبوع الماضي تم طرد المحررين الخمسة من وسائل الإعلام وعين بدلا منهم اشخاص تابعين لاردوغان)؛ اتحاد «دوان» الذي يملك مجموعة اخرى من وسائل الإعلام الناقدة، قد يكون هو الضحية القادمة، بعد أن تلقى ضربات من قبل اردوغان؛ ايضا عدد من الصحافيين

الآخرين الذين لم يقفوا إلى جانب النظام، يمكن أن يدفعوا ثمن انتصار اردوغان.

الرئيس الذي لم يتردد في الهجوم على السلطة القضائية عندما قررت خلافا لموقفه، سيعود لينتقم منها ليس فقط بواسطة الاقالة وتغيير الاشخاص كما حدث في العامين الاخيرين، على خلفية قضايا الفساد التي تورط فيها وزراء وأبناء عائلة اردوغان. الرئيس التركي الذي ينوي تطبيق اصلاحات جوهرية في الدستور لن يتنازل عن حملة تعيينات جديدة حيث يضع مؤيدوه. موضوع الدستور ستحدث فيه ثورة. إذا استطاع الاستناد إلى اغلبية برلمانية واضحة تمنح صلاحيات واسعة لرئيس الدولة ـ أي له. ويسعى اردوغان إلى أن يكون رئيس اعلى، أي رئيس السلطة التنفيذية والقائد الاعلى للجيش، يعين الوزراء (مع أو بدون رئيس حكومة)، وقد يستطيع ايضا حل البرلمان. عمليا هذه الصلاحيات متوفرة وبشكل واسع لاردوغان، وخصوصا بسبب وقوف البرلمان إلى جانبه مدة 13 سنة كرئيس للحكومة وكرئيس للدولة.

لكن اردوغان يطمح كما يبدو إلى تغيير المميزات التاريخية لتركيا التي ما زالت تُعرف في الدستور كدولة علمانية تعمل بناء على المباديء التي وضعها كمال اتاتورك. الاوساط العلمانية الليبرالية والاوساط الدينية التي لا تريد تغيير شكل الدولة تخشى من الثورة التي ستعيد تشكيل تركيا من جديد، وتربط بين الدين والدولة. فعليا تمت بضع خطوات في هذا الاتجاه مثل منع بيع الكحول للشباب، والأمر الذي يمنع الكحول في الطيران الداخلي في الخطوط التركية؛ السماح للنساء بالظهور مع غطاء الرأس في الاماكن العامة أو طلب اردوغان من النساء التركيات بأن يلدن الكثير من الاولاد. لكن وضع الدين في مكانة رسمية يهدف ومن شأنه أن يؤثر على مضامين التعليم ومنح مكانة مهمة واولى للدين الإسلامي في التشريع.

ستكون لنتائج الانتخابات تأثيرات حقيقية على طابع الدولة الديمقراطي، حيث أنه مع تشكيل البرلمان الجديد سيكون نفس الحزب ونفس الرئيس لمدة 17 سنة متواصلة. حيث أن السعي إلى تغيير النظام والذين على رأسه، قد تلقى ضربة قوية. الطريقة الوحيدة للتأثير قد تنتقل إلى الشوارع كما حدث في قضية بارك غازي في 2013، حيث اندلعت المظاهرات الكبيرة في شوارع تركيا ضد نية اردوغان تحويل البارك في اسطنبول إلى مركز تجاري.

علامة سؤال متكدرة تحلق فوق رؤوس الاقلية الكردية التي من المشكوك أن يدخل حزبها إلى البرلمان. ايضا إذا تجاوز نسبة الحسم فان تأثيره سيكون هامشيا. والسؤال هو هل سيعود اردوغان إلى مسار المصالحة مع الاكراد من اجل تهدئة الهجمات الإرهابية التي رافقت فترة الانتخابات أم أنه سيلتصق بالخط القومي المعادي للاكراد.

اذا قيل عن تركيا بعد انتخابات حزيران أنها تقف على مفترق طرق، فيبدو أن مفترق الطرق قد زال الآن، وبدلا منه يوجد مسار واضح: نظام رئاسي قوي يمثل نصف السكان فقط، دون خيار منظور لتغييره.

هآرتس 2/11/2015

مواضيع ممكن أن تعجبك