البالون الذي انفجر في وجه أردوغان

منشور 02 تمّوز / يوليو 2016 - 05:34
ارشيف
ارشيف

منذ انضمام تركيا إلى المعركة ضد داعش في مايو/حزيران الماضي، تحولت إلى هدف لنشطاء التنظيم الارهابي. وقربها الجغرافي من سوريا المنهارة ساهم في ذلك ايضا. تركيا الجذابة للسياح تحولت إلى جذابة للارهابيين. وهذا هو الامر الاخير الذي حلم به الرئيس أردوغان، الذي تخيل قبل أقل من عقد بلاد كقوة عظمى، قوة تحارب دول مثل البرازيل وروسيا والهند والصين وتطالب بملء الفراغ الذي خلفته امريكا اوباما عن قصد. العملية في هذا الاسبوع في مطار اسطنبول والتي قتل فيها 42 شخصا وأصيب فيها 289 جاءت لتذكير أردوغان كيف تلاشى الحلم.

عمليا، احلام أردوغان الكبيرة تحولت إلى كابوس متواصل. فبدل تركيا كبيرة ومتفوقة حصل على تركيا معزولة ومستنزفة. بدل سياسة صفر صراعات حصلت تركيا على صراع واحد كبير ومتواصل. مع من؟ مع لا أحد تقريبا. ليس غريبا أن انقرة قامت بالاستدارة في سياستها نحو روسيا وإسرائيل. باستطاعتها تقديم المصالحة كانجاز لتركيا حتى الغد، ولكننا نذكر بأنها هي نفسها التي تسببت بتدهور العلاقة مع القدس بسبب قافلة «مرمرة» ومع موسكو بسبب اسقاط الطائرة الروسية على الحدود التركية السورية.تركيا التي ضربها الارهاب تبحث الآن عن شركاء من اجل محاربة هذا الوباء العالمي. بعد أن تعرضت لسلسلة من العمليات – مرة من داعش ومرة من الاكراد – لا تستطيع تجاهل الشعور بالاختناق. فقط منذ بداية العام حدثت سبع عمليات في اسطنبول وأنقرة وحدها ومنها العملية في اسطنبول في 19 مارس/آذار التي قتل فيها ثلاثة سياح إسرائيليين. وباقي العمليات، وخصوصا التي قرب الحدود السورية في جنوب شرق الدولة، لم يعد أحد يحصي الاعداد.

الارهاب يغير استراتيجيته

في يوم الثلاثاء من هذا الاسبوع، الساعة العاشرة، سجل الارهاب ضد تركيا صعود درجة. المخربون اختاروا هدفا استراتيجيا من الدرجة الاولى: مطار اتاتورك في اسطنبول، الثالث في حجمه في اوروبا حيث يسافر فيه 165 ألف مسافر يوميا. المطار المكتظ والذي كان موقعا لشركة «تركيش أير لاينز» الناجحة، اعتبر أحد المطارات الآمنة في العالم، لكن هذا كما يبدو لم يمنع داعش من تنفيذ العملية الدموية وفي تاريخ مميز – اليوم الذي يحتفل فيه تنظيم الدولة الاسلامية بمرور عأمين على الاعلان عنه من قبل أبو بكر البغدادي. كانت هذه رسالة من داعش لتركيا: يمكننا أن نضربكم أينما نريد ومتى نريد. وكانت خيبة الأمل كبيرة لدى السلطة في أنقرة. الرئيس أردوغان لم يكن أمامه خيار: بعد العملية بساعات أعلن أن كل العالم يجب أن يتوحد من اجل الانتصار على الارهاب. أين كان على مدى السنين عندما كانوا بحاجة اليه؟. الصور الفظيعة من مطار اتاتورك هزت العالم. عملية من هذا النوع، التي تشبه العملية التي حدثت في بروكسل في آذار، لا يمكن البقاء بدون مبالاة تجاهها. احتاج الاتراك إلى بضع ساعات حتى يشيروا إلى داعش كمسؤول. الحزب الكردستاني، وخلافا للمنظمة الارهابية، يعمل بشكل مختلف: يصيب اهداف عسكرية وليس مدنية.

تركيا تحولت إلى أحد الاهداف الشعبية للمخربين. قبل العملية بيوم اصدرت وزارة الخارجية الامريكية تحذيرا حول زيارة جنوب شرق الدولة، واضافة إلى الهجوم في المطار حدثت في يوم الثلاثاء عملية اخرى قرب الحدود السورية حيث قتل فيها شرطيان وستة مدنيين في العملية الارهابية هذه المرة على أيدي الخلايا السرية الكردية. واذا قمنا باحصاء العمليات في ارجاء تركيا منذ بداية السنة سنصل إلى 16 عملية قتل فيها أكثر من 200 شخص.

هذا الواقع يضر بشكل كبير بصورة وحصانة تركيا. فهي تريد اعادة السياح حيث إن الارهاب يجعلهم يبحثون عن بدائل في اليونان وقبرص.

وكأن الارهاب لم يكف، فالصراعات الدبلوماسية لانقرة مع موسكو والقدس تجعل السياح الروس والإسرائيليين يبتعدون. في الاسبوع الذي كان يفترض فيه أن نحتفل بالمصالحة الكبيرة وعودة رزمة «كل شيء مشمول» سنضطر إلى التعامل مرة اخرى مع موجة الارهاب التي تغرق تركيا.

يوجد بالطبع من يزعم أن أردوغان استحق ذلك بجدارة. فقد احتاجت تركيا وقتا طويلا من اجل الانضمام إلى التحالف الدولي ضد داعش.

وقد فعلت ذلك في أغسطس/آب 2015 فقط بعد عمليتين صعبتين في يونيو/حزيران ويوليو/تموز. في تشرين الاول الماضي تمت العملية الاصعب في تاريخ الدولة، بعد أن قام مخربون انتحاريون بتفجير أنفسهم بالقرب من محطة القطار في أنقرة وقتلوا 102 شخصا. تركيا اخطأت خطأ خطيرا: لم تعتبر داعش تهديدا بل فرصة لضرب العدو الكردي الذي تكرهه. كانوا على قناعة في انقرة أن التنظيم سيلغي حلم الدولة الكردية أو على الاقل ستؤجله إلى موعد بعيد جدا. لذلك سمحت تركيا للجهاديين من اوروبا بالوصول إلى سوريا والعراق عن طريق اراضيها.

بضغط من شركاء الناتو، وبعد أن استوعبت تركيا خطر داعش، بدأت هي ايضا تعمل ضد اهداف التنظيم. وقد سمحت لطائرات الناتو بالاقلاع من المطارات التركية من اجل القصف في سوريا والعراق. إلا أن داعش قرر في حينه تغيير استراتيجيته: الجهاديون بدأوا في العمل في المناطق التركية ضد اهداف اجنبية من اجل الحاق الضرر بالسياحة في تركيا. في يناير/كانون الثاني من هذا العام قتل 12 سائحا المانيا في عملية انتحارية في سلطان هامت، المركز التاريخي لاسطنبول. وبعد شهر تمت العملية ضد السياح الإسرائيليين في ضواحي شارع الاستقلال المشهورة وبالتوازي استمر الاكراد ايضا في تنفيذ العمليات الانتحارية في مركز انقرة. تركيا التي فهمت عمق المشكلة دخلت إلى حالة ضغط.

لن نكون سلة القمامة لأوروبا

في هذا الاسبوع، ومثل الدولة كلها، أصيب ابناء الجالية اليهودية في تركيا بالفزع. «اعتقد أن الشرطة قامت بعمل رائع»، قالت سارة، سيدة اعمال ومن الرموز البارزة في الجالية، في مكالمة هاتفية من اسطنبول، «ليست لدينا مشكلة امنية كوننا يهود، المشكلة هي عامة لجميع الاتراك، يهودا ومسيحيين ومسلمين».

وما المشكلة؟

«هناك الكثير من السوريين اليوم في تركيا. 3 ملايين، وهذا عدد كبير. فتحنا لهم الابواب قبل بضع سنوات ودخلوا، ومن الواضح للجميع أنه يوجد بينهم الكثير من نشطاء داعش، لأن هذا هو الواقع مع اللاجئين، ليس في تركيا فقط بل في اوروبا بشكل عام».

«نحن لا نشعر بأن التهديد ضدنا أكبر لأننا يهود»، قال ابراهام، وهو عضو في الجالية اليهودية، «لكن الوضع صعب جدا. لم يسبق أن رأينا الشعب في تركيا بهذه الحالة من الاكتئاب». «كل يوم وكل لحظة الناس يتحدثون عن أنهم يريدون ترك الدولة. أنا لا أتحدث عن اليهود بل عن المسلمين»، قالت سارة، وهي نفسها لا تريد الخروج من تركيا. «هذه دولتنا وأنا أحبها ومخلصة لها. الجالية الاوروبية لعبت لعبة مزدوجة مع تركيا ويوجد هنا غضب كبير نحوها. مقابل الاتفاق بين الاتحاد الاوروبي وتركيا حول موضوع المهاجرين، وعدوا بالعبور الحر للمواطنين الاتراك إلى دول الاتحاد.

«لم يلتزموا بالوعود وقاموا بوضع 72 شرطا، وبعد أن نفذتها تركيا، تراجعوا. الاتراك خائبو الامل جدا. والاوروبيون يزعمون أنهم لا يلتزمون بالاتفاق بسبب التعريف التركي للارهاب والذي لا يستجيب لمعايير الاتحاد».

ما القصد؟

«تعريف الارهاب في تركيا واسع جدا. حيث أنه اذا كنت معارضا لأردوغان فأنت تعتبر ارهابيا. هناك 37 صحفيا في السجن بتهمة الارهاب، ومحاضرون وطلاب ايضا في نفس الوضع. الاتحاد الاوروبي يضغط الآن على تركيا من اجل تغيير تعريف الارهاب. أردوغان من ناحيته يهدد بأنه اذا لم يف الاتحاد بوعوده فهو سيفتح بوابات تركيا أمام اللاجئين لاغراق اوروبا. في الاتحاد الاوروبي لا يريدون اللاجئين، وهم يلقون هذا الملف على تركيا. هذا وضع لا يمكن تحمله. لا يجب التفكير بأردوغان بل بالشعب التركي الذي لا يمكنه تحمل ذلك. الشعب التركي مضغوط – لا سيما العلمانيين. فهم عالقون بين المسلمين الاتراك وبين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة التي لا تفهم أي شيء في الشرق الاوسط الجديد الذي نشأ هنا».

ايضا ابراهام يفكر مثل وطني تركي. «نحن لا نريد أن نكون سلة قمامة اوروبا»، قال، «هناك امكانية بأن أردوغان الذي هو شخص عاطفي جدا، سيفتح فمه ويُغضب مجددا نتنياهو وبوتين فتسقط الاتفاقات في المياه. ويمكن ايضا أن يحدث سيناريو خارج عن سيطرته، وعندها سنكون أكثر عزلة مما كنا قبل اتفاق المصالحة الذي وقع في هذا الاسبوع».

«السيناريو الافضل هو أن يبقى الجميع هادئين، بما في ذلك أردوغان. وأن تتعاون تركيا مع روسيا وإسرائيل وأن نستمر في محاربة داعش. صحيح أنك حينما تحارب داعش تتعرض للمزيد من العمليات، ولكن لا خيار لنا. كان الوضع افضل عندما لم تكن عمليات، وعندما بدأنا في محاربة داعش بدأت الهجمات. لكن الغرب يضغط على تركيا وهذا ايضا الامر الجيد الذي يجب عمله».

بطلة السياسة الواقعية

لا يمكننا عدم التطرق إلى اتفاق المصالحة بين القدس وانقرة. جهات تركية تحدثت في هذا الاسبوع قائلة إن اليسار واليمين في الجمهورية اللذين كانا متفقين: عارضا الاتفاق وهاجما أردوغان لأنه لم يحترم كلمته وتراجع عن كل اقواله ضد إسرائيل. السلطة من ناحيتها حاولت بث رسالة مختلفة: نحن لسنا ضد الإسرائيليين، نحن مع الفلسطينيين. وبعد روسيا وإسرائيل سنقوم بالمصالحة مع مصر تحت حكم الرئيس السيسي. تركيا تحولت إلى بطلة في السياسة الواقعية: لا نبحث عن الاصدقاء بل عن المصالح المشتركة.

الامر اللافت في تركيا هو أن السياحة في الحضيض، والصناعة في الحضيض والبناء ايضا. وتأييد أردوغان؟ ما زال مستقرا. 50 في المئة من الجمهور يؤدون له التحية عندما يهاجم إسرائيل، و50 في المئة عندما يتصالح معها: 50 في المئة يؤيدونه عندما يهاجم روسيا و50 في المئة يؤيدونه عندما يتقرب منها.

أردوغان لم يفقد الكاريزما. وهو يحظى بالتأييد كالعادة رغم العمليات. يمكن ايجاد معارضين له، لكنهم يخافون. في الصحف لن تشاهدوا مقالات ضده والشبكات الاجتماعية يتم اغلاقها بين الفينة والاخرى. أردوغان هو زعيم واحد، ولكنه كفرد لا يمكنه محاربة الارهاب. لذلك كانت هناك حاجة للمصالحة – إلى أن حدثت العملية في يوم الثلاثاء وأثرت على كل شيء.

في واشنطن لا يعتبرون أن الهجمة الدموية هي سبب للقلق. حقيقة: وزير الخارجية الامريكي جون كيري حاول القول إن داعش نفذ العملية في المطار «بسبب اليأس» وأن نشطاء التنظيم يعرفون انهم سيخسرون قريبا.

إسرائيل اليوم

مواضيع ممكن أن تعجبك