القوة العظمى لا تتصرف هكذا

منشور 07 تشرين الأوّل / أكتوبر 2016 - 04:46
ارشيف
ارشيف

نداف ايال

المصيبة الجغرافية السياسية الاكبر في عصرنا كانت الغزو الأمريكي للعراق وما حصل بعده، وبالتأكيد بالنسبة للشرق الاوسط. فقد أدت الحرب في العراق إلى حرب أهلية فظيعة لم تنته بعد، تفكيك عملي للدولة، تعزيز لإيران، صعود اقليمي للقاعدة وولادة الوحش الذي يسمى داعش. ملايين اللاجئين العراقيين أغرقوا سوريا فسرعوا الحرب الاهلية هناك.

هذه مجرد البداية. فقد فرضت حرب العراق على الادارة الأمريكية محاولة الدفع إلى الامام ـ كنوع من التعويض المشوه ـ بسياسة الحث الفاعل للتحول الديمقراطي في الشرق الاوسط. وعليه فقد فرضت إدارة بوش على رئيس الوزراء ارئيل شارون الانتخابات في السلطة الفلسطينية ـ انتخابات حرة بمشاركة حماس انتهت بانتصارها. كما تكبدت الادارة أيضا العناء فسوغت ثوريين مصريين كي يتمكن هؤلاء، عندما يحين الوقت، من قيادة ثورة ديمقراطية في بلادهم. ومن كل الخطط الفاشلة لرجال بوش، هذه بالذات نجحت. وكان الربيع العربي الذي تحول في بعض الاماكن ليكون كابوسا. والنتائج نراها اليوم ـ في ليبيا، في سوريا، في سيناء وفي قطاع غزة.

تلقى الرئيس اوباما هذا الوضع المعطى، وكان مصمما على إلا تنزف أمريكا مع الشرق الاوسط، او الشرق بشكل عام (افغانستان). وبالمفهوم الأمريكي الانعزالي، فقد نجح؛ أكياس الجثث كفت عن العودة في الطائرات الكبيرة. وبالمفهوم الأمريكي الواسع، والذي يتناول أيضا القوة في الواقع العالمي، تعتبر الولايات المتحدة عقيمة وشاحبة. فالحرب في سوريا هي المثال الاكثر وحشية على ضعف البيت الابيض، الذي اقسم بأنه إذا تعرض المدنيون للاعتداء بالسلاح الكيميائي فإنه سيعمل. وقد عمل بالتأكيد؛ وقد وقع على اتفاق مع بوتين، وهكذا جعله رب البيت في سوريا.

فهل أي من القراء هنا كان يرغب في أن يبعث ابن عائلته الطيار للقصف في سوريا كي يوقف حالات قتل الشعب هناك؟ هل أحد منا كان مستعدا لان يعرض نفسه أو أعزاءه للخطر كي يمنع جرائم الحرب الاكثر فظاعة منذ قتل الشعب في رواندا؟ من شبه المؤكد ان الجواب هو لا.

وبذات القدر فان الأمريكيين غير متحمسين للتطوع لمنع الظلم الدولي وتعريض حياة جنودهم للخطر. ولكن يوجد فارق واحد: فقد اختارت أمريكا، وهي تختار في كل يوم شيئا جديدا، أن تكون قوة عظمى. والقوى العظمى تدفع الاثمان، أو يفترض بها أن تدفع الاثمان.

لقد كان أطفال روما يتعلمون الفكرة الامبريالية التي تقول «أيها الروماني، الحكم في يدك والسلام تقيمه قوانينك في البلاد، ولا ترحم المستسلم واثأر ممن يثور عليك». كل روماني كان يعرف ما هو الثمن الذي يجب أن يدفع لقاء التفوق العالمي، ولكن ما هو الثمن الذي تبدي أمريكا اوباما استعدادها لأن تدفعه؟

واضح أن أمريكا لا تنسحب من العالم في فترة حكمه. فمثلا، زادت تواجدها في مناطق الهادىء ولا سيما كوزن مضاد للصين. وزاد أوباما جدا «القوة الرقيقة» الأمريكية، وأمريكا التي تخصه تنال الشعبية المتسعة في العالم، ولا سيما بعد الاتفاقات مع كوبا وإيران. ولكن ماذا عن استخدام القوة، ليس فقط لمنع ذبح الابرياء في حلب بل وأيضا من أجل تجسيد قوة واشنطن في المنطقة؟

روسيا بوتين هي دولة فاشلة، مع اقتصاد منهار وديمغرافيا كارثية. الولايات المتحدة تتمتع بزخم نمو هائل، من صورة لامعة وقيادة لعدة ثورات تكنولوجية. روسيا ليست قوة عظمى، ولكنها مستعدة لان تدفع بالثمن الاعلى ـ الدم ـ كي تبدو كذلك. أما الولايات المتحدة فهي بالتأكيد قوة عظمى، ولكن استعدادها لاستخدام القوة يبدو مترددا أكثر فأكثر.

تنتقم أمريكا من الاستفزازات الروسية، وذلك ضمن أمور اخرى من خلال سعر النفط الدولي والعقوبات. ولكن في عالم يعود فيه الدكتاتوريون فان الخطوات طويلة المدى الحذرة والحكيمة لا تؤدي بالضرورة إلى النتائج المرجوة. لقد كانت سوريا اختبارا قاسيا لكل رئيس أمريكي، ولكنها لدى أمريكا تجسد عقب أخيل شخصي: كيف يكون الانتصار على الزعران والزعرنة في واقع عالمي معقد. لقد اقترح ثيودور روزفيلت الحديث بشكل رقيق وحمل عصا كبيرة. لا شك أن اوباما يتحدث برقة، ولكن العالم غير مقتنع بما يكفي بحجم العصا.

هآرتس 6/10/2016

مواضيع ممكن أن تعجبك