المخابرات والمجتمع المدني بين لبنان والمغرب

منشور 19 آذار / مارس 2018 - 09:08
المخابرات والمجتمع المدني بين لبنان والمغرب
المخابرات والمجتمع المدني بين لبنان والمغرب

هناك مسافة طويلة جدا بين لبنان والمغرب (قرابة 5785 كم)، والنظامان مختلفان، جمهوريّ وملكيّ، وفيما تنتظم السياسة والاجتماع اللبنانيان ضمن أطر حزبية طائفية، فإن الاجتماع والسياسة في المغرب منتظمان ضمن أطر سياسيّة، ورغم هذا البعد الجغرافي والاختلافات السياسية والاجتماعية الواضحة فإن بين البلدين مقاربات لا تخطئها العين، فالبلدان، على سبيل المثال، يتمتّعان بحرّيات تعبير كبيرة، وتتأطر الصراعات السياسية فيهما منذ عقود بأشكال معتدلة، وإن اخترقت هذا الاعتدال حرب أهليّة دمويّة في لبنان (ما تزال آثارها حاضرة عبر الوجود العسكريّ الهائل لـ«حزب الله»)، ومحاولات انقلاب عسكرية وحراكات اجتماعية وسياسية عنيفة قمعت بالقوة، في المغرب.


إضافة إلى تمتع البلدين بحريّات تعبيرية نسبيّة مقارنة بدول عربيّة أخرى فإن توازنات سياسية واجتماعية عديدة تسمح لمواطنيهما بسقف معقول من الحرية في قضايا السياسة والفن والإعلام عموما، لكنّ مجموعة من الوقائع المتراكمة في البلدين تشير إلى أن بعض الأجهزة الأمنية والجهات السياسية المتنفّذة تحاول خفض سقف الحريات هذا، وأن هذه الجهات والأجهزة تحاول كسر هذه التوازنات الاجتماعية ـ السياسية والالتحاق بنظيراتها من السلطات والأجهزة الأمنية في البلدان العربية.


كشفت حادثة تلفيق تهمة التعامل مع إسرائيل للفنان المسرحي اللبناني زياد عيتاني عن تحوّل لافت في عمل أجهزة الأمن اللبنانية، والواضح أن عقودا من السيطرة الأمنية السورية على لبنان تركت أثرها الواضح على تلك الأجهزة، وهو ما أهّلها للخوض في لعبة اتهام الأبرياء واختراع سيناريوهات سينمائية مثيرة لتشويه سمعتهم وتدميرهم معنويا وإنسانياً والقضاء عليهم عبر أحكام القانون بعد انتزاع الاعترافات منهم بالتعذيب.


وإذا كانت حادثة الصحافي المغربي توفيق بوعشرين ما تزال ضمن أطر القضاء فإن ملابسات عديدة رافقت الاتهام والاعتقال دفعت الكثيرين من المغاربة، من سياسيين وإعلاميين ومواطنين عاديين، إلى الشكّ بحيثيّات هذه الواقعة، وردّها إلى شجاعة بوعشرين في تصدّيه للسلطات الأمنية، وللجهات السياسية النافذة ضمن «المخزن» (مؤسسة الدولة العميقة)، وبالتالي إلى أسباب سياسية.
انتقد بوعشرين، خلال فترة احتجاجات الشمال المغربي، التدخّل الأمني ضد المحتجين، ودافع عن رئيس الوزراء المستقيل عبد الإله بن كيران، وهاجم دور شخصيات نافذة مثل رئيس التجمع الوطني للأحرار، وزير الفلاحة والصيد المغربي الحالي، عزيز أخنوش، المقرب من القصر، مما دفع أخنوش، ووزيرا آخر، إلى رفع دعوى تعويض بقيمة مليون ونصف المليون دولار.


يصعب على المراقب للمشهد المغربي الحالي ألا يربط بين جرأة تقارير الصحيفة التي يديرها بوعشرين (أخبار اليوم)، وانتقاداتها العنيفة لشخصيات متنفذة وللأجهزة الأمنية، وبين سيل الاتهامات المهولة التي اتهم بها، كما لا يمكنه ألا يتأثر بوقائع إنكار بعض الصحافيات، مثل أمل الهواري، للادعاءات التي ذكرتها المخابرات على لسانها، وما أدى إليه ذلك من حملة أمنية ضدها، في إطار من الترهيب والإجبار الممارس على تلك الصحافيات للالتزام بقرار الاتهام ضد بوعشرين، حتى لو كان ذلك مسيئا لكراماتهن وأعراضهن.


وإذا كانت الطبيعة العنفيّة الملازمة لأجهزة الأمن (وخصوصاً في بلداننا العربية) أمرا معروفا، فإن ما يثير التساؤل حقّاً هو تلك المخيّلة السينمائية الركيكة لأصحابها، المليئة بالميلودراما التي تحاول القضاء على الخصوم بقضايا الجنس (ضابطة مخابرات إسرائيلية من السويد تدعى كوليت سوداء الشعر خضراء العينين!)، والتساهل الشديد في كيل اتهامات مخيفة كـ»الخيانة العظمى» (كما فعل الرئيس المصريّ عبد الفتاح السيسي حين وصف منتقدي الجيش والشرطة بذلك)، واحتقار شديد لتفاصيل الإجراءات القضائية والقانونية (تغيير صفة اتهامات بوعشرين من التحقيق إلى «التلبس»!).


تغوّل المخابرات هو علامة كاشفة على أن بوصلة التدهور في أحوال البلاد والعباد تشير إلى أسفل.

 

القدس العربي

 

مواضيع ممكن أن تعجبك