بوتين يُملي والولايات المتحدة تنجر

منشور 08 تشرين الأوّل / أكتوبر 2016 - 04:37
ارشيف
ارشيف

عاموس هرئيل

التراجيديا الفظيعة المتواصلة في حلب هي الآن قضية واحدة فقط في صراع دولي أكثر تعقيدا. في مركزه ادارة ظهر روسيا للسيطرة العليا الدولية (المضعضعة أصلا) للولايات المتحدة. الصراع على البقاء لنظام الأسد بتأييد روسيا وإيران وحزب الله يتداخل مع مصالح أوسع لموسكو. الرئيس بوتين يعتقد كما يبدو أن الفترة الانتقالية في واشنطن ـ الفترة المتبقية من ولاية اوباما إلى حين الانتخابات الرئاسية في 8 نوفمبر/تشرين الثاني أو إلى حين دخول الرئيس التالي إلى البيت الابيض في 20 يناير/كانون الثاني القادم ـ تمنحه مجال واسع للمناورة أكثر من السابق لفرض الحقائق على الارض.

الهجوم المشترك لروسيا وسلاح جو النظام السوري تم تخطيطه مسبقا كجريمة حرب، الذي يتجاهل جميع قوانين الحرب الدولية. الروس وطيارو الأسد يوجهون النيران بشكل متعمد نحو المستشفيات (في شرق حلب التي يسيطر عليها المتمردون، ولم تبق أي غرف للطواريء تعمل)، سيارات الاسعاف وطواقم الانقاذ وطوابير الناس أمام الأفران ومواقع تحلية المياه. في الحالات النادرة التي اقتربت فيها قوافل المساعدة للمدينة، قصفت هي ايضا، في الوقت الذي يُقسم فيه الروس بتهكم كامل بأنهم يحاربون الإرهابيين المتطرفين فقط.

يستخدم نظام الأسد براميل الوقود بشكل كثيف، التي تلقى من الجو. وفي عدد من مناطق الدولة تم استخدام غاز الكلور ايضا. الضربة الشديدة والتجويع المنهجي للسكان في حلب وفي مناطق اخرى توجد تحت سيطرة المتمردين تهدف إلى استنزافهم وخلق موجات هجرة للاجئين. واذا استمر هؤلاء في الوصول إلى اوروبا وزعزعة الاستقرار في دول الاتحاد، فإن بوتين يحصل على ربح ثانوي هام. هذه الطرق لا تختلف في جوهرها عن الاستراتيجية التي استخدمها الروس في حربين في الشيشان. ولكن في حينه لم تكن هناك شبكات اجتماعية. والمعلومات عن المجازر وصلت إلى الغرب بشكل متأخر ومتقطع.

لا تدور بعد في حلب حرب برية عنيفة، ويبدو ذلك بسبب خشية النظام وحلفائه من تعريض القوات القليلة المتبقية لهم للخطر. سلاح الجو الروسي يقصف ايضا مناطق اخرى في سوريا. وهناك تقارير غير رسمية تفيد أن الروس يستخدمون سرب ثالث من الطائرات من نوع «سوخوي». وفي المنطقة العلوية في شمال سوريا توجد الآن ثلاثة مواقع عسكرية روسية كبيرة هي الميناء البحري في طرطوس وموقع سلاح الجو حميميم قرب اللاذقية وموقع لوجستي. ويبدو أن روسيا قامت بنشر قوات برية معززة ايضا لحماية المواقع من هجمات المتمردين.

هجوم النظام تصاعد في نهاية ايلول بعد الفشل المتوقع مسبقا لوقف اطلاق النار الذي أعلنت عنه روسيا، بموافقة الولايات المتحدة.

ويمكن أن تكون خطوة روسيا الآن تهدف إلى تعزيز بقاء النظام وتوسيع مناطق سيطرته في شمال سوريا. وبذلك تفرض روسيا ظروف البدء على الادارة الجديدة القادمة في الولايات المتحدة في كانون الثاني القادم. يبدو أن روسيا تعتقد أن كلينتون ستكون خصمة صلبة أكثر من براك اوباما في الشرق الاوسط. والله وحده يعلم ماذا يفكرون بالنسبة لدونالد ترامب.

استعراض قوة روسيا يدافع عن مصالح موسكو في المنطقة (على رأسها الحفاظ على الميناء على شواطيء البحر المتوسط)، مع الاشارة إلى أنه خلافا لقوى عظمى اخرى، فإن روسيا تقف إلى جانب اصدقائها بغض النظر عن وضعهم وافعالهم.

في الخلفية توجد ايضا رغبة روسيا في اعادة الاعتراف بها كقوة دولية كبيرة يجب أخذها في الحسبان، والخشية من خطوة أمريكية لتوسيع الناتو نحو الشرق ووضع اجهزة دفاعية مضادة للصواريخ في دول المعسكر الشيوعي السابق.

القصف الكثيف في حلب يشبه دخول روسيا إلى جزيرة القرم وشرق اوكرانيا، وتهديد اوكرانيا ودول البلطيق وتحرش سلاح الجو قرب حاملة الطائرات الأمريكية وهجمات السايبر من قراصنة روس على حواسيب الغرب وعلامات على محاولة تدخل موسكو وأذرعها في العملية الانتخابية في الولايات المتحدة.

إرث اوباما في خطر

قال خبراء روس وأمريكيين في هذا الاسبوع لصحيفة «نيويورك تايمز» إن بوتين يبحث عن التقدير، وهو مختص في السير على الحبل الدقيق استراتيجيا، لكن ليست له ميول انتحارية. لذلك، كما قالوا، فهو لن يغامر بمواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة تخسر فيها روسيا بشكل مؤكد، واقتصادها المتحطم يتعرض إلى ضربة شديدة. في المقابل، تم الادعاء في تحليلات شبكة التلفاز الأمريكية «ان.بي.سي» بأن العلاقات بين الدولتين وصلت إلى أدنى وأخطر نقطة منذ دخول السوفييت إلى افغانستان في العام 1979.

وقد جاء من واشنطن في هذا الاسبوع أنه تجرى مشاورات سرية في البيت الابيض وفي مجلس الامن القومي، حيث تم طرح امكانية قصف اهداف لنظام الأسد بصواريخ عابرة بشكل يقلص خطر اصابة الجنود الأمريكيين. وردت موسكو على الفور باعلانها عن نشر صواريخ ارض ـ جو متقدمة من نوع «اس 300» في سوريا التي يمكنها اسقاط الصواريخ العابرة ايضا. وفي نفس الوقت أعلنت روسيا عن تجميد تطبيق الاتفاق مع الأمريكيين حول تفكيك البلوتونيوم الذي تم التوقيع عليه في العام 2000 كجزء من الجهد المشترك لتقليص السلاح النووي. وأعلنت أمس أيضا عن ارسال سفينة كبيرة من الصواريخ، ثالثة، إلى البحر المتوسط.

هل تجاوز بوتين في هذه المرة خط اللامبالاة الأمريكي؟ هل بدأت الادارة بالاشتباه أن تسامحها في سوريا يهدد ليس فقط إرث اوباما في مجال السياسة الخارجية، بل ايضا المهمة الثانية التي بقيت للرئيس، التي هي حسب رأيه ضمان انتخاب كلينتون؟ هذا هو الخط الذي تتحدث عنه مراكز الابحاث والمحللين في وسائل الإعلام والسناتورات في واشنطن. ولكن حتى هذه الاثناء لم تشجع هذه التحليلات الرئيس على العمل بشكل فعلي في سوريا.

العقيد المتقاعد، أساف اوريون، باحث في معهد بحوث الامن القومي في جامعة تل ابيب، هاجم في مقابلة له مع «هآرتس» في الشهر الماضي السذاجة التي يُظهرها الأمريكيون في سوريا، خصوصا موافقتهم على صيغة وقف اطلاق النار التي فرضتها روسيا. وفي مقال مشترك نشر أمس لاوريون ونائب رئيس المعهد، العقيد المتقاعد أودي ديكل، تحدثا عن وجود خيارين، إما أسود أو أبيض، لتعامل الولايات المتحدة مع سوريا.

ديكل وأوريون اللذان كانا في السابق رؤساء للكتيبة الاستراتيجية في هيئة الاركان كتبا أن الادارة تصمم على تصوير افعالها كأمر لا مناص منه بين الدبلوماسية والحرب وتعظيم ما يمكن أن ينتج من التورط في أي عمل عسكري إلى درجة الحرب الشاملة. في الوقت الذي كان يوجد فيه للأمريكيين ثلاثة بدائل لعمل عسكري محدود، كان يمكن استخدامها دون توريط اوباما في الحرب. وفي الوقت الحالي يزعمون ايضا أنه كان يجب على الولايات المتحدة اختبار قصف الطائرات السورية أو الاجهزة الدفاعية الجوية لسوريا من اجل الدفاع عن حياة المدنيين في هذه البلاد.

نظرة من إسرائيل، مثلما من اوكرانيا أو دول البلطيق حول ما يحدث في سوريا، لا يمكنها عدم اثارة التساؤلات حول الالتزام الحقيقي للولايات المتحدة باتخاذ خطوات فعلية من اجل الدفاع عن حلفائها واصدقائها عند الحاجة. الصراع ضد نظام الأسد في حلب لم يقده في البداية داعش وأذرع القاعدة، بل منظمات المتمردين الذين وصفتهم واشنطن بالمعتدلين، وعبرت عن تأييدها لهم. واذا نجح النظام السوري في احتلال شرق حلب في نهاية حرب الاستنزاف هذه، فسيكون ذلك انتصار مهم للأسد ولروسيا، لكنه في نفس الوقت سيكون اشارة قوية على ابتعاد الولايات المتحدة.

إذا نجحت روسيا والأسد في حلب فيمكنها أن يقررا تركيز الجهد العسكري المتجدد ايضا في مناطق اخرى مثل هضبة الجولان، حيث يسيطر على الطرف السوري من الحدود المتمردون بشكل تام تقريبا. الثقة الزائدة لدى الأسد الذي يتمسك بالحكم، رغم جميع التقديرات السابقة المعاكسة، ليست جيدة بالنسبة لإسرائيل. قبل نحو شهر أطلق الجيش السوري صاروخ ارض ـ جو باتجاه الطائرات الإسرائيلية التي قصفت مواقع للجيش السوري في الجولان السوري. دخول اجهزة روسية متقدمة إلى سوريا، مثل صواريخ اس 300 واس 400، هو ايضا أمر خطير بالنسبة لإسرائيل بسبب الخشية من وصول هذه الصواريخ في المستقبل للجيش السوري، وربما إلى حزب الله ايضا.

إسرائيل تحذر الآن في عملها في الشمال. فنشر السلاح الروسي هناك يهدد طائرات سلاح الجو الإسرائيلي حتى لو كان هناك تنسيق مسبق بين الدولتين لمنع المعارك الجوية. وهي تحذر ايضا في تصريحاتها. في السنوات الاولى للحرب الاهلية في سوريا أكثر المتحدثين الإسرائيليين من تنديداتهم لاعمال النظام، ومنذ بدء تدخل روسيا الفعلي، ما زالت تل أبيب تراقب من الجانب بصمت. وقد التقى بنيامين نتنياهو وبوتين عدة مرات في السنة الاخيرة. ولكن لم تُسمع كلمة استنكار واحدة في إسرائيل حول المجزرة في حلب. والاعتبارات واضحة ـ لم يقم نتنياهو باحضار الدب الروسي إلى المنطقة، ويجب عليه التصرف بحذر وهو قريب منه ـ لكن ذلك صمت اشكالي من ناحية اخلاقية، لا سيما على خلفية ذاكرة الكارثة.

 

هل هناك شخص عاقل يتصرف بمسؤولية؟

 

أول أمس كان يوما آخر مشتعلا، بدأ بدون تحذير مسبق في قطاع غزة. منظمة سلفية صغيرة قامت باطلاق صاروخ سقط في سدروت وخلف القليل من الاضرار وبعض المصابين بالهلع. وردت إسرائيل بعدة هجمات جوية مكثفة على اهداف لحماس. وألقت بالمسؤولية كعادتها على سلطة حماس هناك. بعض هذه الهجمات استهدفت كما يبدو مناطق مفتوحة في شرق خانيونس، قرب الحدود. ومثلما في الجولة السابقة في نهاية آب، كان يبدو أنه رغم كثافة القصف إلا أن إسرائيل تبذل جهدها من اجل عدم الاضرار بالمدنيين الفلسطينيين. ورغم أن سلاح الجو قصف لاول مرة منذ وقت طويل اثناء النهار، إلا أنه لم تكن اصابات خطيرة في اوساط المدنيين. ورغم تبادل اطلاق النار فقد أبقت إسرائيل المعابر إلى قطاع غزة مفتوحة في يوم الاربعاء. وأمس في ساعات الظهيرة تم اطلاق صاروخ آخر من قطاع غزة، سقط في النقب الغربي. ويحتمل أن تكون المنظمة السلفية هي التي قامت باطلاقه. وحتى الآن، يبدو أن حماس رغم تصريحاتها الهجومية التي جاءت ردا على القصف، غير معنية باستمرار التصعيد. والبرهان على ذلك هو قيامها بخطوات لكبح عمليات اطلاق النار السلفية في الآونة الاخيرة.

الجولات المتكررة، كل ثلاثة اشهر، لا تعمل على تغيير موقف وزير الدفاع افيغدور ليبرمان حول ما يحدث في القطاع. ومؤخرا ايضا، في اوساط مختلفة، عاد ليبرمان وتحدث بشكل علني عن توليه هذا المنصب في أيار/مايو الماضي.

والتصعيد الواسع ضد حماس في القطاع هو حسب رأيه أمر لا يمكن منعه، سواء كان ذلك لاعتبارات داخلية لحماس أو بسبب رغبة الذراع العسكري منع الكشف عن الانفاق من قبل الجيش الإسرائيلي. وعندما يحين الوقت، فإن على إسرائيل حسب رأي ليبرمان، استغلال الفرصة واسقاط نظام حماس، الخطوة التي تم الامتناع عنها في العمليات السابقة، «الرصاص المصبوب» في 2008، «عمود السحاب» في 2012 و «الجرف الصامد» في 2014.

ما زال ليبرمان في موقع الأقلية: نتنياهو وهيئة الاركان يعتقدان غير ذلك، ويفضلان الامتناع عن المواجهة التي ستؤدي إلى اسقاط حماس أو الفوضى في القطاع. ولكن لأن هذا الصوت يُسمع مؤخرا بشكل متكرر، وفي كل نقاش عن الوضع في غزة، يمكن أن يكون له تأثير في حالة حدوث مواجهة أو صدام آخر.

قرار الدخول إلى جولة واسعة في القطاع ليس بيد إسرائيل بالضرورة. فالذراع العسكري لحماس، الذي يبدو أنه يفضل في الوقت الحالي استمرار الوضع الراهن، يحتمل أن يقوم بتغيير موقفه فيما بعد. وللتنظيمات السلفية ايضا يوجد تأثير في التطورات. لأن الاطلاق الاول لهم، مثلما حدث أول أمس، هو الذي سيفرض على الاطراف الدخول إلى جولة تبادل القصف. ومنع المواجهة الواسعة كما حدث قبل سنتين يتعلق بسلوك إسرائيل وحماس منذ لحظة فتح النار.

 

من هو المتعاون

 

أمس ظهرا دخل الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى المستشفى في رام الله. وسارع مكتبه إلى اصدار اعلان يفيد أنه قد أجرى فحوصات اعتيادية فقط. ولكن بعد ذلك بوقت قصير تبين أنه أجرى عملية قسطرة في القلب. وقبل دخوله إلى المستشفى، كان الاسبوع الماضي غير ناجح بالنسبة لعباس.

إن قرار عباس المشاركة في جنازة رئيس الدولة السابق شمعون بيرس في يوم الجمعة الماضي في القدس، تسبب بالانتقادات الشديدة له في المناطق، سواء من حماس أو من فتح. وفي خطابه الذي ألقاه في المستشفى في اليوم التالي لجنازة بيرس، ظهر عباس ضعيفا ومترددا. وسواء كان اختياره المشاركة في الجنازة ينبع من التزامه الشخصي لشريكه في عملية السلام (أبناء عائلة بيرس طلبوا مشاركته)، أو أنه كان مجرد اشارة عامة على تأييده لهذه العملية، فإن قرار عباس تسبب بدفعه ثمنا سياسيا باهظا في الساحة الفلسطينية الداخلية. وحسب رأي الكثيرين في المناطق، هذا يعتبر انحراف عن الخط الذي انتهجه الرئيس الفلسطيني ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية في السنتين الاخيرتين، منذ فشل مبادرة السلام لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري. وهناك من اعتبروا أن قدوم عباس إلى جبل هرتسل هو مثابة تأكيد ودليل على أنه في الحاصل النهائي هو متعاون مع إسرائيل.

ما زالت هناك أمور مقلقة اخرى بالنسبة للقيادة الفلسطينية. قرارات المحكمة في رام الله في هذا الاسبوع وضعت الحد لامكانية اجراء الانتخابات البلدية في الضفة الغربية وفي قطاع غزة في العام القريب. حيث أنقذت المحكمة عباس وسمحت له بوقف السيناريو الذي حذر منه بعض القادة في فتح، والذي قلقت منه إسرائيل ايضا: فوز القوائم الإسلامية المرتبطة بشكل غير مباشر مع حماس، في الضفة الغربية، الامر الذي سيعتبر انجازا سياسيا حقيقيا.

الرئيس عباس ورجاله، في المقابل، يستمرون في مواجهة الضغوط التي تفرضها عليهم الرباعية العربية، السعودية ومصر والاردن ودول الخليج، من اجل التصالح مع محمد دحلان والسماح باستيعاب رجاله في اجهزة فتح واجهزة السلطة الفلسطينية.

أحداث الاسابيع الاخيرة في المناطق تؤكد على الاستنتاج الذي بدأ في التبلور منذ بداية السنة: سيطرة السلطة الفلسطينية على المناطق ضعيفة، أبو مازن يستمر في الخسارة والمعركة على الوراثة يمكن أن تُمكّن حماس من الدخول بشكل غير مباشر، الامر الذي قد يضعضع الاستقرار النسبي المتبقي في الضفة مستقبلا، والتأثير على العلاقات مع إسرائيل.

إسرائيل اليوم

مواضيع ممكن أن تعجبك