تونس: غطرسة المؤسسة الأمنية واستهدافها للصحافيين

منشور 03 شباط / فبراير 2018 - 05:17
تونس: غطرسة المؤسسة الأمنية واستهدافها للصحافيين
تونس: غطرسة المؤسسة الأمنية واستهدافها للصحافيين

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس الجمعة تنظيمها «يوم غضب» بحيث تتوشح وسائل الإعلام كلها بعنوان «الصحافة التونسية في غضب»، كما تقاطع أنشطة وزارة الداخلية والنقابات الأمنية التي «تورطت قياداتها في حملات التحريض والتشويه والثلب في حق الصحافيين»، كما تقول، مع مطالبات متصاعدة بـ«إقالة» وزير الداخلية الذي اعترف بتنصّت أجهزته الأمنية والرقابية على الصحافيين، وبمحاكمة مسؤول أمني هدّد بـ«اغتصاب» الصحافيين والصحافيات.


وقدّم صحافيون تونسيون شكاوى بعد أن انتبهوا لوجود مراقبة أمنية لبيوتهم ومقرات عملهم وتنقلاتهم الأمر الذي يشير إلى اتجاه فعليّ لعودة نمط الحكم الاستبدادي الذي ظنّ الصحافيون، والتونسيون عموماً، أنه أفل إلى غير رجعة.


وزير الداخلية التونسيّ لطفي براهم كان قد أكد أمام نواب البرلمان قيام وزارته بالتنصّت على الصحافيين كما أنه دعا المدوّنين لتحمل مسؤولية ما يكتبونه على مواقع التواصل الاجتماعي متوعدا باستعمال القانون ضدهم.


أما المسؤول الأمني نور الدين غطاسي، وهو سكرتير نقابة قوات الأمن الداخلي في صفاقس، والناطق باسمها، فكان قد نشر على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» تصريحاً يهدد باغتصاب الصحافيين والصحافيات، وسبقته ولحقت به تصريحات ما زالت موجودة على صفحته مليئة بالتهديد والوعيد والشتائم البذيئة ضد من «يتهكم على المؤسسة الأمنية»، وعلى من «يتطاول على الأمنيين ومؤسستهم من الوزير إلى العون».
وإذا كان تصريح وزير الداخلية التونسي حول «تحمّل المدونين مسؤولية ما يكتبونه» مفهوما باعتبار أن حرية التعبير في أي مكان يحدّها القانون، وأن مواقع التواصل الاجتماعي أضحت مفتوحة لسوء الاستخدام والشتائم والإهانات، فلا معنى لهذا التصريح إن لم يبدأ بالمنتسبين للقوات الأمنية المحسوبة على وزارته، وبأشخاص يُفترض أن يكونوا قدوة في الالتزام بالقانون لأنهم مولجون بتطبيقه، كما هو حال غطاسي وزميله وحيد مبروك اللذين جعلا صفحتيهما على «فيسبوك» ميداناً مفتوحاً لشتم زملائهم الصحافيين والتطاول عليهم وإهانتهم.


المنطقي والطبيعي في كل دول العالم أن تقوم مؤسسات الأمن بحماية مواطنيها من الأخطار التي يمكن أن تداهمهم، بما في ذلك أخطار التعرّض بالتهديد لحيواتهم وأرزاقهم وأقاربهم وبيوتهم، وإذا كان الصحافيون مطالبين، كغيرهم، بالالتزام بمبادئ القانون وعدم انتهاك حريات التعبير، فإن الإعلاميين، على أصنافهم، لا يملكون في النهاية غير أصواتهم وأقلامهم ومقالاتهم، ويوفّر تنوّع الاتجاهات السياسية والحزبية في تونس بعد الثورة، مجالاً لأي كان للردّ عليهم.


خطورة تصريحات المتحدّث باسم نقابة قوات الأمن في صفاقس تكمن في غطرستها واستعراض قوّتها.
تعكس التصريحات مفارقة كبيرة بعلنيّة تهديدها الذي يحوّلها من رأي نافر وموتور إلى إمكانية خطرة للتنفيذ ويجعلها بالتالي جريمة تستوجب التحرّك السريع لوقفها.


ما يثير الخوف حقا أن تعليقات زملاء المتحدث النقابي على «فيسبوك» ترينا أن لهذا الرأي المرعب والمناهض للقوانين أنصاراً عديدين ضمن المؤسسة الأمنية التي ينطق غطاسي باسمها، وهو ما يعني وجود مساندة لدى المسؤولين عن حماية أمن المواطنين للتهديد بتنفيذ جريمة موصوفة وعلنية.


وقوف السلطات السياسية التونسية في موقف المتفرّج على ما يحصل من تهديد للصحافيين يعني واحداً من اثنين: إما أنها موافقة على ما يجري وأن البلاد تهبط نحو حمأة الطغيان السياسي والأمني من جديد، أو أنها ترفض ما يجري وعليها، في هذه الحال، أن تحاكم مسؤولها الأمني على ما اقترفه، ليس حماية للصحافيين، بل حماية لهيبة الدولة نفسها، وللتونسيين بصفتهم مواطنين في بلد يلتزم فيه الجميع بالقانون.

القدس العربي

مواضيع ممكن أن تعجبك