خارطة الجهل

منشور 11 آذار / مارس 2016 - 05:27
ارشيف
ارشيف

درور اتيكس

هذه خارطة معيارية يدرسها طلاب الصف السابع في دروس الجغرافيا حول «إسرائيل»، كما يشير عنوانها. العنوان لا يوضح إذا كانت الخارطة هي لـ «دولة إسرائيل» أو «ارض إسرائيل». لكن نظرة سريعة تُظهر أنها ليست خارطة سياسية ـ تشمل مناطق كاملة ليست في داخل دولة إسرائيل السيادية. وهي ليست خارطة «ارض إسرائيل» حسب حدود الوعد الالهي التي تمتد من نهر مصر إلى نهر الفرات الكبير.

الخط الأخضر مُحي من الخرائط منذ بداية السبعينيات. وبذلك تم اعفاء الطلاب من الحاجة إلى معرفة الحدود الشرقية الرسمية لدولتهم. وليس غريبا أن اغلبية الإسرائيليين اليوم لا يميزون بين «دولة إسرائيل» ـ مفهوم سياسي عصري. وبين «ارض إسرائيل» ـ مفهوم ديني تاريخي ورومانسي لم تكن له أبدا حدود واضحة.

رغم أن الخط الاخضر يتم رفضه، كذلك القرى العربية داخل دولة إسرائيل مُحيت باستثناء أم الفحم والناصرة، هكذا يتم اعفاء طلاب الصف السابع من مواجهة حقيقة أنهم يعيشون في دولة فيها 1.7 مليون شخص، أكثر من 20 في المئة من سكانها هم فلسطينيون.

الامر الغريب هو أنه من الجهة الشرقية للخط الاخضر يظهر الفلسطينيون كأقلية، رغم أن هذه الاقلية تشمل 82 في المئة من السكان. إنهم يسكنون في مئات المدن والقرى، لكن عدد قليل من المناطق الفلسطينية تظهر في الخارطة، لا سيما المدن المركزية. المستوطنات مثل كرنيه شومرون (6500 شخص) وكريات أربع (7000 شخص) تظهر بحجم المدن الفلسطينية. ولا يوجد أي ذكر لمناطق أ و ب في الخارطة، المناطق التي تم انشائها في اعقاب اتفاق اوسلو الذي تم توقيعه قبل مولد طلاب الصف السابع بعشر سنوات.

نظرة إلى الجانب الجنوبي الغربي من الخارطة تبعث على الاعتقاد أن احدى المشكلات الدامية لإسرائيل قد حُلت أو أنها لم تكن أصلا. مكتوب هناك «خط الشاطيء الجنوبي» وفي داخله يوجد «شريط غزة»، الامر الذي لا يسمح للطلاب الذين يسمعون احيانا الاخبار من الجنوب بأن يفهموا أنه يوجد هناك قطاع غزة الذي يعيش فيه 1.8 مليون فلسطيني على مساحة تبلغ 360 كم مربع.

إن من يستخدم هذه الخارطة لتعليم الاولاد الإسرائيليين الجغرافيا المحلية دون الكشف عن النواقص فيها، يضر بحق الاولاد في تعلم الجغرافيا والتاريخ الاساسيين لوطنهم. ويضر بقدرة طلاب الصف السابع على فهم الواقع السياسي والديمغرافي الذي ولدوا فيه ويؤثر على قدرتهم إذا أرادوا في المستقبل المشاركة في تشكيل هوية المجتمع والدولة أو تبني مواقف سياسية، يمينية أو يسارية.

في هذه الخارطة يكمن أحد أسرار تزايد قوة اليمين الإسرائيلي في صورته الحالية: هذا يمين تزداد قوته كلما استمرت الحكومات في استغلال احتكارها في تحديد التعليم الحكومي من اجل الحرب ضد حق وواجب معرفة الاشخاص للواقع الذي يعيشون فيه. هذا يمين ما زالت دروس الجغرافيا والخرائط من هذا النوع جزء حيوي في تبلوره. هذا يمين تشكل في معظمه نتيجة ترك المجتمع الإسرائيلي للمعارف في صالح السادية العقلية التي يقف من ورائها الجهل العلمي. هذا يمين وُجد لأن حكومات إسرائيل تستخف بحقوق مواطني الدولة في الحصول على التعليم العالي.

الادعاء المفهوم عن رفض الحريديين تعليم شؤون الصراع في مؤسساتهم التعليمية، يُقال وبحق منذ عشرات السنين. كل شخص لم يطلق الواقع يفهم أن الدولة العصرية لا يمكنها أن تسمح ـ أو تمول ـ لجهاز تعليمي يوافق على مصادرة قدرات الطلاب على العيش باستقلالية. ويتبين أن تيار التعليم الحكومي يختار، باسم تعزيز «الهوية القومية»، محاربة قدرة باقي مواطني الدولة على التفكير بشكل مستقل.

لكن هذا السر يفهمه ايضا العرب الذين يعيشون هنا. ورغم محاولات مُعدي الخارطة اخفاء هذه الحقيقة. إلا أن العرب يلخصون هذه المهزلة بالجملة التالية: «العقل تغلب على الدولة». أي أن العقل والمعرفة يهددان السلطة.

هآرتس 10/3/2016

مواضيع ممكن أن تعجبك