خطوة شجاعة وصحيحة

منشور 28 حزيران / يونيو 2016 - 10:36
ارشيف
ارشيف

براك ربيد

فندق «فولدورف استوريا» يجلس على تلة في النقطة الاعلى في روما. في الطابق التاسع من الفندق الذي تمتد من ورائه المدينة الرائعة في جمالها، أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن تحقيق اتفاق المصالحة مع تركيا. بعد سنة حطم فيها ارقاما قياسية من الانجرار وراء رغبة الشعب، تحدث نتنياهو بصورة واعية. لأول مرة منذ زمن طويل تحدث برسمية واعتدال ودون الهجوم على منتقديه.

يمكن انتقاد سلوك نتنياهو في الموضوع التركي في السنوات الاخيرة. فهو لم يفهم خطورة التوتر الذي نشأ بين الدولتين في اعقاب عملية «الرصاص المصبوب» في غزة في نهاية 2008. عندما دخل إلى مكتب رئيس الحكومة بعد ذلك ببضعة اشهر لم يعط أهمية كافية لتركيا ولم يعمل من اجل منع استمرار التدهور. اضافة إلى ذلك، في كثير من المرات زاد نتنياهو من خطورة الوضع بتصريحاته العلنية واقوال صحيفته «إسرائيل اليوم» واعضاء حكومته وعلى رأسهم وزير الخارجية في حينه، افيغدور ليبرمان، ضد تركيا وزعمائها.

لم يفهم نتنياهو ايضا خطورة القافلة التركية إلى غزة والتورط السياسي الذي قد ينشأ من وقفها بالقوة من خلال ارسال مقاتلي شييتت للسيطرة على سفينة «مرمرة». مراقب الدولة ولجنة تيركل التي أقيمت لفحص القضية، وجهوا انتقادات شديدة لسلوك المستوى السياسي في الايام التي سبقت قدوم القافلة. والنقاش المتسرع في الكابنت في الدقيقة تسعين، والذي تم في الاساس للدعاية، والانغلاق أمام تحذيرات وزراء بدون وزارة ممن لهم الكثير من العقل المباشر مثل دان مريدور وبني بيغن اللذين توقعا ما سيحدث.

في السنوات التي تلت ازمة السفينة، قام نتنياهو بعدد لا يحصى من الاخطاء في موضوع تركيا، حيث قام بتعيين موشيه يعلون لادارة المفاوضات مع الاتراك، رغم حقيقة أن يعلون كان يمثل خطا صقريا ورفض الحل الوسط حتى لو كان صغيرا جدا. واستمر بالسماح لليبرمان بالهجوم على الاتراك في كل مناسبة. وتسلق مرة تلو الاخرى الاشجار حينما أعلن أنه لن ينتنازل ولن يعتذر، بل وتراجع في عدة فرص عن توقيع الاتفاق في اللحظة الاخيرة، حيث كانت المسودة أمامه.

الانتقاد الاساسي الذي يمكن توجيهه لنتنياهو يكمن في سؤال لماذا وقع الآن وليس قبل سنة، أو سنتين أو اربع سنوات. إذا كان الحديث يدور عن اتفاق استراتيجي بالنسبة لإسرائيل فلماذا لا يتم السعي إلى انهائه في أسرع وقت. كلما مرت السنين تزداد الازمة خطورة ويصبح التوصل إلى اتفاق أمرا أصعب ـ سواء في الجانب التركي أو بسبب الضغط السياسي في الجانب الإسرائيلي.

نتنياهو لا يرفض تماما هذا الانتقاد، لكنه يزعم أن الظروف نضجت الآن فقط من اجل توقيع الاتفاق بشكل كامل ـ الاتراك تنازلوا عن قسم من مطالبهم وإسرائيل حصلت على استجابة عالية لمطالبها. يمكن أن يكون نتنياهو على حق، لكن بالتأكيد أنه مع قدر أقل من «الأنا» وقدر أكبر من التفكير، كان يمكن التوصل إلى نفس الاتفاق بعد بضعة اشهر من حادثة «مرمرة».

يمكن فهم مصوتي اليمين الذين سمعوا رئيس الحكومة في السنوات الاخيرة وهو يتحدث ضد تركيا وقيادتها بشدة، والآن هم غاضبون عليه. واليساريون الذين يزعمون أن نتنياهو متلون وأنه لو كانت الحكومة برئاسة حزب العمل، فانها كانت ستتوصل إلى نفس الاتفاق، هم على حق ايضا. وايضا بوقه السياسي «إسرائيل اليوم» كانت ستمطر النار والكبريت في محاولة لافشاله.

لكن من لا يمكن فهم انتقاداتهم هم رجال المعارضة أنفسهم. بدءاً من اسحق هرتسوغ ومرورا بـ اريئيل مرغليت وانتهاء بـ زهافا غلئون. الاخيران اللذان هاجما نتنياهو قبل بضعة اشهر على اعتبار أنه حطم العلاقة مع تركيا، نجحا في كسب ارقام قياسية من التلون ودحرجة العيون عندما هاجما اتفاق المصالحة الذي يطلبان التوقيع عليه منذ ست سنوات. كان هرتسوغ سيوقع على نفس الاتفاق بالضبط، لو كان فاز في الانتخابات. أو على الأقل كان سيسوقه في العالم، لو كان حزبه جزءا من الائتلاف قبل شهر وكان هو وزير الخارجية لدى نتنياهو. لقد كانت تسيبي لفني هي الوحيدة تقريبا المستقيمة، حيث قالت إنها كانت ستصوت في الكابنت مع الاتفاق.

نتنياهو من خلال مبعوثه الخاص، يوسف شحنوبر، ومستشار الامن القومي السابق يوسي كوهين والقائم بأعماله يعقوب نيغل، نجحوا في تحقيق انجازات كبيرة في المفاوضات مع تركيا. الانجاز الاستراتيجي الاهم لنتنياهو هو أنه نجح في جعل تركيا تتراجع عن طلبها رفع الحصار البحري عن القطاع بشكل كامل. كان طلب تركيا هو السبب في خروج القافلة البحرية إلى غزة. اتفاق المصالحة كما هو الآن يشكل عمليا اعترافا تركيا بأنها اخطأت عندما سمحت للقافلة بالخروج، واعترافها باحتياجات إسرائيل الأمنية فيما يتعلق بغزة، وطلب إسرائيل بأن كل بضاعة تذهب إلى غزة يجب أن تمر عن طريق ميناء أسدود.

يضاف إلى ذلك أن نشاط حماس في تركيا وموضوع المفقودين الإسرائيليين والقتلى في غزة لم يكونا جزءاً من الاتفاق الاصلي وغير مرتبطين بالازمة بين إسرائيل وتركيا. بل استطاعت إسرائيل ادخالهما إلى المفاوضات في محاولة لتحقيق شيء ما. ولم تحصل إسرائيل على كل ما طلبته في هذين الموضوعين، لكنها حصلت من تركيا على المقابل الذي لم يكن من المفروض أن تحصل عليه. حتى لو كان جزءاً من هذا المقابل، مثل تعهد تركيا الضغط على حماس لإنهاء قضية المفقودين واعادة جثث الجنود، هي مجرد اعلان نوايا فقط، ومن الافضل وجودها في الاتفاق.

قسم كبير من الانتقادات، سواء من اليمين أو من اليسار، يتعلق بدفع إسرائيل 20 مليون دولار كتعويض لعائلات المواطنين الاتراك الذين قتلوا فوق سفينة «مرمرة». مبلغ التعويضات الذي تنازلت فيه ايضا تركيا، وضع قبل أكثر من عامين. ليس واضحا أين كان كل اولئك المنتقدين حتى الآن. من كان يعتقد أنه بالامكان انهاء الازمة بدون دفع التعويضات، فإما أنه ساذج أو أنه ببساطة لا يريد التوصل إلى اتفاق المصالحة مع تركيا.

كثير من الاشخاص الذين لهم صلة بالعلاقة مع تركيا يعتقدون أن اردوغان ونتنياهو يذكران بعضهما بالسلوك السياسي أكثر مما أرادا التفكير فيه. وقد احتاج الاثنان ست سنوات من اجل عمل جولة لافتة والعودة إلى نقطة البداية واستئناف العلاقة بين الدولتين. اتفاق المصالحة لن يعيد العلاقات بين إسرائيل وتركيا إلى شهر العسل الذي كانت فيه إلى ما قبل ثماني سنوات. الدولتان لم تكسبا أي شيء من الازمة المتواصلة بينهما، بل خسرتا اشياء معينة. اصلاح العلاقة سيحتاج وقت واعادة بناء الثقة ستكون بطيئة، لكن هناك فرصة كبيرة لقطف الكثير من الثمار السياسية والامنية والاقتصادية من قبل إسرائيل وتركيا.

اتفاق المصالحة مع تركيا هو أحد القرارات السياسية الاكثر اهمية لنتنياهو منذ دخوله مكتب رئيس الحكومة في 2009. كان يجب اتخاذ هذا القرار منذ زمن، لكن هذا لا يجعله أقل شجاعة أو أقل صحة. يتحمل نتنياهو على الاقل نصف المسؤولية عن تدهور العلاقة مع تركيا، والنصف الآخر يتحمل مسؤوليته اردوغان. ولكن بنفس القدر هو يستحق الكثير من الثناء بسبب الاصلاح وانهاء الازمة. كل ما بقي لنتنياهو الآن هو المصادقة على الاتفاق في الكابنت وفي اوساط الجمهور، الامر الذي لن يكون سهلا.

هآرتس

مواضيع ممكن أن تعجبك