ستة أشهر على إرهاب الأفراد

منشور 30 آذار / مارس 2016 - 06:33
ارشيف
ارشيف

ألون بن دافيد

اسرائيل ـ الجمهور، واضعو السياسة ووسائل الإعلام ـ يجدون صعوبة في تعريف الوضع الذي نعيشه منذ بدء هجمة إرهاب الافراد في ايلول 2015. منذ تشرين الأول وبعد 250 عملية ومحاولة تنفيذ عملية فان أكثر من 90 في المئة منها نفذت على أيدي أفراد. صحيح أن عدد العمليات تراجع باستمرار، لكن لا توجد علامات على اختفاء الظاهرة. خيبة الأمل وغياب الأفق لدى الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس يسهمان في ذلك، وايضا أجواء العنف التي يفرضها «داعش» في الشرق الاوسط.

عند مواجهة ظاهرة جديدة غير مفسرة، يميل الانسان إلى العودة إلى ما يعرفه، لذلك تمت تسمية الهجمة الإرهابية «انتفاضة». وهناك من اعتبر الظاهرة «انتفاضة الأفراد» أو «انتفاضة السكاكين» حيث إن معظم العمليات الدموية كانت عمليات طعن. ولكن مشكوك فيه أن مفهوم انتفاضة يلائم الواقع الذي نشأ. القاسم المشترك بين الانتفاضتين أنهما حدثان مختلفان في الجوهر من ناحية طابعهما وشكل تطورهما ـ هو مشاركة المجتمع الفلسطيني، كله تقريبا، في المواجهة مع اسرائيل. أما الآن فان المجتمع الفلسطيني يشاهد العمليات من الجانب، يبارك لكنه لا ينضم. المظاهرات الكبيرة التي حدثت في تشرين الاول حول موضوع الحرم تحت زعم أن اسرائيل تسعى إلى تغيير الوضع الراهن في الموقع، تلاشت. والآن يخرج العشرات فقط للتظاهر في ايام الجمعة وللتصادم مع الجيش الاسرائيلي.

منفذو العمليات لم ترسلهم أي منظمة وللكثيرين منهم قصة شخصية تشمل عنصر الضائقة وخيبة الأمل. اضافة إلى ذلك تبين من التحقيق مع المنفذين الذين بقوا على قيد الحياة، أنهم جميعهم حصلوا على الالهام من مشاهدة وسيلة إعلام ـ الانترنت، التلفاز والصحف ـ أكدت الاجحاف الاسرائيلي ضد الفلسطينيين، الامر الذي دفعهم للقيام بعمل. ويوجد للكثيرين منهم صلة قرابة أو معرفة بأحد الـ 180 فلسطيني الذين قتلوا في نصف السنة الاخير.

خلافا للانتفاضة الثانية، حيث مر معظم المخربين الانتحاريين بعملية تحضير، فان هجمة الإرهاب الحالية يتم اتخاذ قرار التنفيذ فيها قبل وقت قصير. من بين المنفذين يوجد رجال ونساء، متزوجون وغير متزوجين، عاطلون عن العمل وعاملون. اغلبيتهم الساحقة تلائم النموذج الكلاسيكي لمنفذ العملية الوحيد: 71 في المئة منهم تتراوح اعمارهم بين 15 ـ 25 واغلبيتهم غير متزوجين ولا يعملون.

«داعش» يتوجه بالضبط إلى هؤلاء الشباب ـ إنه يهيء لهم اجواء العنف والمغامرة ويدعوهم إلى لعب اللعبة الحقيقية والحصول على رضا الله. هؤلاء الشباب الذين يسميهم الجيش (شباب متعلمون ومحبطون) أو «فلسطينيون جدد» لا يعترفون بصلاحية أحد: الأبوين، السلطة الفلسطينية، منظمات الإرهاب الممأسسة واسرائيل ايضا. الحوار بينهم يركز على حقوق الانسان الاساسية والسعي إلى انهاء الاحتلال، لكنهم لا يهتمون بصيغة الحل النهائي أو «التخفيف» الذي تقوم به اسرائيل تجاه الفلسطينيين. بعضهم يطالب بعدم اعلان أي تنظيم مسؤوليته عن افعالهم.

يبدو أن الاستخبارات الاسرائيلية المتقدمة تقف عاجزة أمام هجمة الأفراد. الجهاز الاكثر نجاعة والذي أقيم للكشف عن تنظيم إرهابي، بقي بدون فائدة عند الحديث عن الإرهاب الغير منظم والقرار الفردي، حيث لا يوجد شركاء. ايضا الطرق الحسابية التي تم تطويرها من اجل الوصول إلى فلسطينيين يعربون عن رغبتهم بالتضحية في الشبكات الاجتماعية، غير ناجعة أمام عشرات الآلاف الذين يتحدثون يوميا عن ذلك. ايضا الردع الاسرائيلي لا يؤثر في قرار تنفيذ العملية. يمكن القول إن اغلبية المخربين يعتقدون أنهم لن يبقوا على قيد الحياة، لكنهم يعرفون أن عائلاتهم ستحظى بالاحترام والمكانة الاجتماعية ومخصصات سخية من السلطة الفلسطينية وحماس (10 ـ 15 ألف شيكل شهريا). صحيح أن اسرائيل تمنع اعادة اعمار منازل المخربين التي هدمت، لكن بجانب الانقاض أقيمت منازل جديدة ولم تبق العائلات في الشارع. من هنا، هدم المنازل الذي قد يخلق الشعور بالانتقام من اسرائيل، لا يساهم في الردع. يمكن أن طرد عائلات المخربين إلى غزة سينشيء وضعا من الردع، لكن فكرة كهذه مرفوضة من قبل المستشار القانوني والحكومة.

السياسة الاسرائيلية العامة تنجح في استيعاب الظاهرة ومنع انتشارها، نظرا لأن 120 ألف فلسطيني ما زالوا يجدون رزقهم في اسرائيل وفي المستوطنات وهم لا يريدون أن يفقدوا ذلك. في الآونة الاخيرة قررت الحكومة اعطاء تصاريح عمل لـ 40 ألف فلسطيني آخرين. يضاف اليهم 170 ألف فلسطيني هم موظفوا السلطة الفلسطينية و38 ألف فلسطيني يخدمون في الاجهزة الأمنية الفلسطينية. ثلاثة منهم نفذوا عمليات. ولكن اغلبيتهم، رغم وجود السلاح بحوزتهم، يرغبون في الاستمرار بالحياة. مع ذلك، ونظرا لأن الهجمة الإرهابية هي نتاج الاجواء، فهي لن تختفي قريبا.

اللافت هو أن اعضاء فتح لا يشاركون في هذه الاحداث، بل يشاهدونها من الجانب، رغم أنهم يملكون الكثير من السلاح. وقد شارك اعضاء فتح في المظاهرات التي جرت في شمال رام الله، لكن رئيس السلطة أبو مازن سارع إلى عقد اجتماع لقادة فتح في الضفة وقال لهم إن هذه الاحداث لا تخدم النضال الفلسطيني. ومنذئذ، فإن عشرات آلاف المسلحين من التنظيم بقوا خارج دائرة العنف. إنهم يحاربون الجيش الاسرائيلي بالنار اثناء الاعتقالات التي تتم في مخيم قلندية أو في مخيم جنين، لكنهم لا يبادرون إلى القيام بعمليات. في المقابل، إذا انضمت فتح إلى المواجهة فستكون اسرائيل أمام مواجهة مسلحة ستضطرها إلى اعادة احتلال مدن الضفة وجمع السلاح من المنظمة.

حتى الآن هذا لم يحدث، لكن مجموعة الاحداث الصدفية أو زيادة حرب الوراثة لكرسي أبو مازن، يمكن أن يدفع التنظيم للخروج إلى معركة مع اسرائيل.

حماس في غزة ايضا بقيت خارج الاحداث. إلا أنها تمول العمليات وتعرض أفلام ارشادية للطعن، لكنها لا تبادر إلى العمل من مناطق القطاع. فكرة مقاومة اسرائيل لم يتم اهمالها، لكن حماس تبحث عن اتفاق يعزز مكانتها في القطاع.

وفي الوقت الحالي تقوم بحفر الانفاق واسرائيل تحاول تطوير وسائل الكترونية لمواجهة هذا الامر. كلما استمر تجاهل نداءات الاتفاق، كلما زاد التراجع إلى الخلف من اجل جولة الحرب القادمة.

مجموعة اخرى من شأنها الانضمام إلى هذه المواجهة هي العرب في اسرائيل. صحيح أنه منذ بداية الاحداث كان هناك تسعة من العرب الاسرائيليين نفذوا أو حاولوا تنفيذ عمليات، اضافة إلى 36 عربي حاولوا الانضمام لـ«داعش» في 2015 و10 منهم الآن يحاربون في صفوفه وسيكون هناك من ينضم اليهم، إلا أن اغلبية السكان العرب في اسرائيل ومن يتضامنون مع منفذي العمليات، يشاهدون من الجانب غرق العالم العربي في بحر الدماء ويبحثون عن مستقبلهم في اطار الدولة الاسرائيلية.

ما الذي يتصدر المواجهة مع اسرائيل؟ أولا وقبل كل شيء، سكان شرقي القدس. المقدسيون خرجوا لطعن اليهود في صراعهم من اجل الحرم، ومنذ ذلك الحين الهجمات مستمرة لأن تنفيذ ذلك ليس بالأمر المعقد.

المدينة التي أعلنت عنها اسرائيل أنها موحدة إلى أبد الآبدين، لا يوجد فيها فصل بين السكان الاسرائيليين والفلسطينيين، الامر الذي يُمكن أي فلسطيني، من كفر عقب أو صور باهر، من الوصول وهو مسلح إلى غربي المدينة. الضم الاسرائيلي لعشرين قرية فلسطينية حول القدس ومنح بطاقات الهوية الاسرائيلية للسكان، جعل اسرائيل تضم 300 ألف فلسطيني لا يتضامنون معها، وفي نفس الوقت يتمتعون من حرية الحركة، بعضهم يعيشون في مناطق ليس فيها بنية تحتية أو قانون. وعلى بعد عشر دقائق سفر من كنيست اسرائيل، يوجد مخيم اللاجئين شعفاط وفيه 60 ألف نسمة. لا توجد فيه خدمات اجتماعية أو جهاز تعليمي أو اخلاء للقمامة. هذه قنبلة موقوتة.

ماذا تستطيع اسرائيل أن تفعل؟ أولا، يجب تحسين الفصل بين الاسرائيليين والفلسطينيين، الأمر الذي سيقلل الاحتكاك والعمليات، لا سيما في القدس وداخل الخط الاخضر. ثانيا، يجب اتخاذ اجراءات في مواجهة السلطة الفلسطينية تعمل على تغيير الاجواء. الجيش الاسرائيلي يتحدث عن شمال السامرة وأريحا كأماكن تستطيع اسرائيل فيها تحسين سيطرة السلطة الفلسطينية الكاملة. ثالثا، يجب تحسين الردع أمام الافراد من خلال طرد عائلات المخربين التي تؤيد العمليات إلى غزة. هذه عقوبة صعبة وهي تتعلق بأسئلة قانونية واخلاقية صعبة، لكن يمكن القول إن المخرب الذي يعرف أن عمله سيضر بعائلته، سيتراجع عن ذلك.

حكومة اسرائيل تصدر التصريحات المتشددة لكنها لا تفعل الكثير. في ظل غياب المبادرة الاسرائيلية التي تغير الاجواء وتؤدي إلى الفصل بين السكان في مناطق الاحتكاك الرئيسية، فان الظهر الاسرائيلي سيبقى مكشوفا للطعن.

نظرة عليا 29/3/2016

مواضيع ممكن أن تعجبك