عن خطاب السيسي

منشور 20 أيّار / مايو 2016 - 04:30
ارشيف
ارشيف

اليكس فيشمان

لولا النفوس العاملة، لكان يمكن التعاطي مع خطاب الرئيس المصري السيسي عن استئناف المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين، مثل خطاب السادات التاريخي، الذي دعا فيه نفسه لزيارة اسرائيل. ولكن بالطبع ليس هذا هو السادات ولا بيغن، بل مهزلة شرق أوسطية اخرى، نكتة غير ناجحة اخرى على حساب مصيرنا.

ما بدأ كخطوة سياسية انتهى بخطوة بناء سياسي داخلية، سرقت كل الاوراق. لخليط ليبرمان ونتنياهو لا توجد معطيات أولية من أجل الوصول إلى مفاوضات مع الجامعة العربية في القاهرة.

لخطاب السيسي، مثلما لخطاب السادات في حينه، سبقت فترة عدة اشهر في اثنائها جرت اتصالات بين الطرفين من خلف الكواليس. هذه المرة قادها مبعوث رئيس الوزراء، المحامي اسحق مولكو، مع رجال السيسي في القاهرة. يتبين ان التوقع المصري باستمرار الوضع الراهن بين اسرائيل والفلسطينيين هو رؤيا الاخرة. فبتقديرهم، السلطة ستنهار وحماس ستفقد الحكم في صالح جهات اكثر تطرفا في قطاع غزة، وهذه حقيقة ستكون لها آثار جسيمة على الأمن وعلى الاستقرار في سيناء وفي مصر ذاتها.

وعليه، فان لمصر مصلحة في استئناف المبادرة المصرية، التي عرضت بعد حملة الجرف الصامد ـ وتتحدث عن مؤتمر للدول العربية المركزية، المؤيدة للغرب، تؤدي إلى خطوة مزدوجة: استئناف الحوار بين اسرائيل والفلسطينيين، وفتح حوار متعدد الجوانب يخرج من الخزانة شبكة العلاقات الاستراتيجية الطويلة التي بين اسرائيل وبين دول عربية في مسائل مثل الصراع ضد داعش وإيران ويوثق التعاون الاقليمي في هذا الصراع.

من الجهة الاخرى، في اسرائيل، فان مصلحة رئيس الوزراء هي محاولة سحب البساط من تحت ما يفهم بانه خطوة اوروبية ـ أمريكية منسقة، هدفها فرض تسوية على اسرائيل والفلسطينيين، باسناد قرارات مجلس الامن. وفي مكتب رئيس الوزراء يؤمنون بان هذه الخطة توشك على الخروج إلى حيز التنفيذ في تلك الاشهر التي يكون فيها الرئيس الأمريكي الجديد منتخبا ولكنه لم يتسلم بعد مهام منصبه. هكذا بحيث يكون بوسع اوباما ان يفعل كما يشاء، مثل رؤساء آخرين في اواخر ولاياتهم.

وبالتوازي، يوضح جهاز الأمن في اسرائيل للقيادة السياسية بان ما يحصل الان في المناطق هو هدوء وهمي. فكل الظروف التي أدت إلى موجة الإرهاب الاخيرة موجودة على الارض ومن شأنها أن تتفجر بقوة متجددة في رمضان. هكذا بحيث إنه لاسرائيل مصلحة واضحة في خلق زخم استئناف المفاوضات، حتى وان كان ظاهرا، من أجل منع استئناف العنف. اما السلطة الفلسطينية، من جهتها، فترى في امكانية استئناف المفاوضات ولا يهم من خلال من، الفرنسيين، المصريين او غيرهم ـ قشة يتعلقون بها كي يعطوا أملا ما للجمهور الفلسطيني وكسب مزيد من الوقت في الحكم.

الاتفاق بين مكتب رئيس الوزراء ومكتب الرئيس السيسي تحدث عن ان يبادر الرئيس المصري إلى توجه علني لاستئناف المفاوضات، ويسحب نتنياهو اعتراضه على المؤتمر الاقليمي لاستئناف المفاوضات، وعندها يبدأ المكتبنان بتنسيق المؤتمر. وهذا بالتأكيد ترتيب مريح للجميع، وذلك لان المؤتمر الاقليمي ليس ملتزما بتسوية دائمة في السنة ـ السنتين القريبتين. سيجلسون ويتحدثون 3 ـ 4 سنوات عن خريطة طريق ويؤجلون النهاية.

ولكن ماذا؟ كي يشتري نتنياهو بطاقة دخول إلى مثل هذا المؤتمر عليه ان يأتي بمهر صغير، بالحد الادنى، في الموضوع الفلسطيني، الامر الذي يسمح للرئيس السيسي بان يبرر وجود المؤتمر ودعوته إلى مصر. هذا يمكن أن يكون، مثلا، تعهدا بتجميد البناء في المستوطنات لفترة زمنية معينة. ولكن لغرض مثل هذه الخطوة فان نتنياهو ملزم بان يبني ائتلافا يسمح له بتنازل ما في المناطق. هكذا وحدة قصة الغرام مع هرتسوغ. اما هرتسوغ من جهته، فلا يصمد امام اغراء الشراكة في الخطوة التاريخية لمؤتمر دولي لحل مشاكل المنطقة مع العالم العربي ـ وهو الحلم الرطب لزعماء حزب العمل على اجيالهم.

توقيت نشر توجه السيسي العلني أملاه نتنياهو. وعملت الخطة كالساعة السويسرية. ونشر نتنياهو وابو مازن بيانات تأييد، كما هو مخطط. وعندها جاءت لذعة نتنياهو: هرتسوغ بدأ يطلق اصوات الانضمام إلى الحكومة، بدأت تظهر مصاعب في المعسكر الصهيوني، وعندها هجم نتنياهو على ليبرمان.

من هنا فصاعدا، كما يذكر، سرقة الاوراق: لن يكون مؤتمر في القاهرة، التوتر في المناطق سيتصاعد، مصر ستبقى محبطة والسيسي تلقى درسا آخر: كان عليه أن يفهم بانه عندما يتحدث عن السياسة وعن التسوية السياسية، في اسرائيل يتحدثون عن السياسة الداخلية وعن البقاء الشخصي.

يديعوت 19/5/2016

مواضيع ممكن أن تعجبك