عن قضية أحمد الدقامسة

منشور 14 آذار / مارس 2017 - 03:46
عن قضية أحمد الدقامسة
عن قضية أحمد الدقامسة

أطلقت السلطات الأردنية فجر الأحد الماضي سراح أحمد موسى الدقامسة منفذ هجوم الباقورة في 12 آذار/مارس عام 1997 والذي أدّى لمقتل 7 طالبات إسرائيليات كنّ في رحلة مدرسية، وجرى ذلك أثناء وجوده في برج مراقبة في معبر الشيخ حسين الذي يصل بين شمال الأردن وإسرائيل خلال فترة حراسة الحدود الأردنية حيث حكم بعدها بالسجن المؤبد وقضى فترة محكوميته التي بلغت يوم إطلاق سراحه مدّة 20 عاماً كاملة.


كانت قضية الدقامسة محل شدّ وجذب في الإطارين السياسي والشعبي في الأردن لفترة طويلة وكانت المطالبات بإطلاق سراحه تتواتر وتتصاعد مع اشتداد الممارسات العنفية الإسرائيلية، وكذلك مع مجريات الواقع الأردني والعربي، كما حصل حين قام الجيش الإسرائيلي عام 2014 بقتل رائد زعيتر، القاضي الأردني من أصل فلسطيني، على الحدود بين الضفة الغربية والأردن وادّعى حينها أن كاميرات النقطة الأمنية في اليوم الذي قتل به زعيتر قد تعطلت، بل إن لجنة تحقيق ثلاثية من السلطة الفلسطينية والأردن وإسرائيل سلمت تقريرها لعمّان لكن الحكومة، التي كان يرأسها عبد الله النسور آنذاك، فضلت عدم نشر نتائج التحقيق.


أظهرت قضية الدقامسة وجود تعاطف شعبيّ وسياسيّ كبير معه، وهو ما انعكس بتقديم 70 شخصية أردنية طلباً من الملك الأردني عبد الله الثاني عام 2007 لإطلاق سراحه، بل أن وزير العدل الأردني الراحل حسين مجلي ـ وهو نقيب سابق للمحامين ـ وصفه بعد أربعة أيام من استلامه منصبه في شباط/فبراير عام 2011 بالبطل وقال إنه «لو كان لدى إسرائيل ومارس تجاه العرب ما مارسه (تجاههم) لأقاموا له تمثالاً عندهم»، رابطاً عملية الدقامسة بإيمانه بقضية فلسطين وبأن «لا سلام مع الاحتلال»، وهو يعني، تلميحاً ضمنيّاً من مسؤول أردني رفيع برفض معاهدة السلام التي أقرّها الأردن عام 1994 والتي طبعت العلاقات بين البلدين والتي دفعت رئيس وزراء الأردن حينها، عبد السلام المجالي، لاعتبارها «نهاية عصر الحروب».


تحمل قضية الدقامسة العناصر الشائكة والمعقّدة التي تعتمل داخل المجتمع الأردني وتتفاعل مع المحيط الفلسطيني والعربيّ، ولا يمكن، بالتالي، حصرها بالجانب القانونيّ وحده، ولكنّها، حتى في هذا الجانب، تبيّن المفارقات الفظيعة، فالإسرائيليون الذين يتغنّون بقوانينهم حكموا على جنديّ أجهز على جريح فلسطيني بالسجن سنتين وكان الدافع لذلك تصوير الجرم وثبوته على المجرم بحيث أصبح الأمر يتعلّق بسمعة إسرائيل وجيشها «الحضاري»، واندفعت مزايدات المسؤولين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وحمّى التعاطف والضغط على القضاء لإطلاق سراح الجندي المجرم إلى حدود قصوى، وهو أمر يكشف فعليّاً طبيعة المجتمع الإسرائيلي ويعطي كل التبريرات الممكنة لمشاعر الأردنيين المتعاطفة مع الدقامسة.


تظهر بعض تعليقات مؤيدي الدقامسة حرجاً من قتله لتلميذات وذلك بترديد أقوال من قبيل أنهن كن مجندات، وأنهن محتلات صهيونيات، كما يرددون رواية أن الطالبات استهزأن بصلاته، وكلّ هذه أشكال من الدفاع عن موقف يصعب، في السياق الطبيعي للأشياء، الدفاع عنه، أكان ذلك من منظور سياسيّ أو أخلاقي أو إسلاميّ بحت.


لكن حين يتابع الأردنيون مظاهر الغضب الإسرائيلي من إطلاق سراح الدقامسة ومطالبة أحد نواب الكنيست، سلطات الاردن بإعادة اعتقاله مجدداً وتهديده، وإذا لم يحصل ذلك، باغتياله، تخرج القضيّة بالتأكيد من سياقها القانوني (وحتى السياسي) المحض وتغدو تفصيلاً صغيراً في علاقة صراع مع وحش مفترس يبرّر، عمليّاً، بانفلات غرائزه وغطرسته وتكبّره، انحطاط السياسة إلى محض عمليّة افتراس في غابة لا تخضع للقوانين.

 

مواضيع ممكن أن تعجبك