عودة الروح إلى الثورة السورية

منشور 10 آذار / مارس 2016 - 05:16
ارشيف
ارشيف

بكر صدقي*

كانت مفاجأة كبيرة، لمؤيدي الثورة وخصومها والرماديين معاً، هذه العودة إلى المظاهرات السلمية في المناطق المحررة التي شملها «وقف الأعمال العدائية» وفقاً للاتفاق الأمريكي الروسي.

104 نقاط تظاهر في عموم البلاد، كثير منها بأعداد كبيرة، وبأجواء كرنفالية ذكرتنا بأجمل أيام الطور السلمي الدنيوي من ثورة السوريين، ورفعت جميعاً علم الثورة. شعارات وطنية جامعة، أكدت على ثوابت الثورة وملامحها المبكرة، قبل أن تحل الفصائل المسلحة محل تنسيقيات الشباب، والرايات الجهادية السوداء محل علم الثورة، والاقتتال الداخلي محل مواجهة النظام الكيماوي، وحروب الوكالة محل حرب الاستقلال الثاني.

عادت الروح إلى الثورة في وقت أمسك فيه المحتل الروسي بقرار بقايا الدولة، وتوافقت دول «مجموعة فيينا»، بقيادة الأمريكيين والروس، على خارطة طريق عرجاء وعقيمة (القرار 2254 من مجلس الأمن) تسعى للإبقاء على النظام، ورأسه أيضاً ربما لأجل محدود، مقابل الإجهاز النهائي على المعارضة المسلحة، وتحويل ما سيتبقى منها إلى قتال «داعش» كتفاً لكتف مع جيش الشبيحة التابع للعائلة الحاكمة.

عادت الروح إلى الثورة في وقت رفعت فيه واشنطن وموسكو عصا التقسيم، ابتزازاً للمعارضة، إذا حاولت هذه أن تعاند في شروطها بشأن وقف غارات الطيران واستهداف المدنيين، وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، وإطلاق سراح المعتقلين، قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات في جنيف. ولسان حال كيري ولافروف يقول: فعلنا ما بوسعنا لكي تصلوا، كسوريين، إلى حل توافقي في ما بينكم. لكنكم لا تريدون حلاً سلمياً. أثبتم أنكم غير قادرين على التعايش في بلد واحد. إذن ليأخذ كل منكم حصته من البلاد وينشئ دولته بعيداً عن الآخر.

لم يتوقع أحد، على الأرجح، أن يعود المارد الشعبي هذا من تحت الرماد والخراب، بعد سنوات من الإنهاك قتل، في غضونها، نصف المليون من السوريين، وتم تدمير ثلاثة أرباع المدن والبلدات والقرى، وتشرد نصف السكان، والنصف من هؤلاء خارج البلاد. آلاف البراميل المدمرة والصواريخ والقنابل والسلاح الكيماوي وغاز الكلور، تلقَّتها بالذات هذه المناطق المحررة التي خرج فيها متظاهرو «جمعة الثورة مستمرة» الشجعان.

منذ سنوات ونحن نتكلم جميعاً عن خروج مصير سوريا من يد السوريين، بعدما تحول الصراع في سوريا إلى حرب بالوكالة، وبعدما سيطرت منظمات جهادية لا تعترف بأجندة وطنية، وتعتبر الديمقراطية والعلمانية كفراً، على كثير من المناطق التي سبق للجيش الحر وفصائل معارضة مسلحة تحريرها من سيطرة النظام، وبعدما سيطر حزب الاتحاد الديمقراطي على مناطق يزعم هيثم مناع أن نسبتها تبلغ 16٪ من الأراضي السورية، وبعدما دخل المحتل الروسي الحرب بكل همجيته وبدائيته، وأمسك بقرار بقايا الدولة، وبعدما تشكلت مجموعة وصاية دولية (مجموعة فيينا)، بقيادة أمريكية ـ روسية، أعطت لنفسها حق تقرير مصير سوريا بمعزل عن السوريين.

اليوم عاد السوريون إلى سيرتهم الأولى: الشعب يريد إسقاط النظام! هكذا أعادوا المشكلة إلى أساسها البسيط الواضح، بعيداً عن «التعقيد» الذي طالما وصفت به «المشكلة السورية». عاد «اللاعب السوري» إلى الظهور حالما توقف، جزئياً، تساقط الصواريخ والبراميل والقنابل فوق رأسه. فإذا كان النظام الكيماوي خرج من اللعبة الدموية بمحض إرادته بعدما سلم مصيره إلى وصيّه الروسي، فالسوري، الذي عاد إلى تظاهراته السلمية تحت رايته الوطنية الجامعة، أعلن بوضوح أنه موجود، ومطالبه معلنة، ولا أحد يمثله من الدول التي زعمت يوماً أنها «أصدقاء الشعب السوري». فإذا كان لا بد من تسوية سياسية تضع حداً للمأساة، فلا بد من أخذ هذا اللاعب المنسي ومطالبه ومصالحه وتطلعاته بنظر الاعتبار، بوصفه أحد المقررين على الأقل.

مع هذه القيامة الشعبية الجديدة، سقط رهان «خط المجتمع المدني» الذي أقام نظريته الرمادية على فرضية إنهاك واستنزاف قوة الشعب تحت وطأة الحرب الطاحنة، إلى الحد الذي يتخلى فيه عن أهداف ثورته ويستسلم لوصفات الأمم المتحدة القائمة على الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف.

من الحصافة، مع ذلك، ألا نندفع وراء تفاؤل كبير. فالدول الممسكة بمفاتيح الصراع المسلح والحل السلمي معاً لن تتخلى، ببساطة، عن احتكارها هذا، وقد يحتاج الأمر إلى عناد شعبي طويل ليتمكن اللاعب السوري من فرض نفسه بقوة على الجميع، بمن فيهم تلك المنظمات الجهادية التي لم تتحمل المظاهرات الشعبية وشعاراتها الوطنية والعلم الوطني الذي ارتفع فوق الجميع، فبادرت إلى تفريق مظاهرة كبيرة في إدلب ومزقت العلم الوطني واعتقلت عدداً من النشطاء الإعلاميين. إنه موقف ذو دلالة كبيرة اضطرار جبهة النصرة وأحرار الشام إلى إصدار بيان يتبرآن فيه من قمع هذه المظاهرة. فالاضطرار إلى الكذب ينطوي على اعتراف ضمني بالخطأ، وعجزٍ عن الدفاع عن موقف وضع المنظمتين في صف الدفاع عن النظام الكيماوي من خلال قمع مظاهرات رفعت شعار إسقاطه.

ثورةٌ لم يجهز عليها كل هذا التكالب الدولي ضدها، جديرة بالانتصار. وسوف تنتصر.

٭ كاتب سوري

عن "القدس العربي"

مواضيع ممكن أن تعجبك