ما بين قطر وإيران جغرافيا سياسية لا يراها المقاطعون

منشور 11 حزيران / يونيو 2017 - 09:01
ما بين قطر وإيران جغرافيا سياسية لا يراها المقاطعون
ما بين قطر وإيران جغرافيا سياسية لا يراها المقاطعون

مثلما حصل في الانقلاب العسكري الذي شهدته تركيا العام الماضي، تعاملت طهران مع ما يمكن تسميتها «الأزمة القطرية» بواقعية أثارت «غضب» الدول الأربع التي قاطعت قطر على خلفية اتهامها بدعم الإرهابيين وإيران.


أثناء «الانقلاب العسكري» في تركيا، وقفت طهران إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرغم من كل الخلافات حول الأزمة السورية، والشيء نفسه فعلته في «الأزمة القطرية» رغم الخلافات الحادة في الموقف من كل ما يجري في سوريا، إذ تنطلق طهران من حقيقة تغيب أو تكاد عن خصومها، وهي أنها جزء أساسي من المنظومة الأمنية في منطقة الخليج من واقع الجغرافيا والتأريخ، كون إيران بلد كبير يتقاسم دول مجلس التعاون الخليجي العربية العيش في المنطقة.


منذ اندلاع الأزمة انبرى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وأجرى ولا يزال، سلسلة اتصالات مع دول نافذة في الإقليم والعالم، والتقى وزراء خارجية دول فاعلة منهم نظيره الروسي حيث خرجا معاً بموقف موحد شدد على حل الأزمة بالحوار، إضافة إلى لقائه في أنقرة التي زارها على عجل، الرئيس التركي أردوغان قبل أن يصادق الأخير على قرار البرلمان بارسال قوة عسكرية إلى قطر قوامها خمسة آلاف ضابط وجندي، في الوقت الذي فتحت فيه طهران الأجواء للطائرات القطرية، وخصصت ثلاثة موانئ لنقل البضائع والمواد الغذائية للشعب القطري لكسر الحصار المفروض عليه من «أشقائه» الخليجيين.


وحتى وإن وصف الموقف الإيراني من بعض المؤيدين العرب لمجموعة الأربع المقاطعين لقطر، بالانتهازي المستفيد من الفرصة، إلا أن الإيرانيين وهم يجدون أنفسهم وقد زجوا قسرا في خانة «الأزمة القطرية» ما عليهم إلا أن يصطفوا معها لأسباب كثيرة، لاسيما وأن حجم الهجوم الإعلامي والسياسي من مجموعة الأربع، مهد الأرضية لتعزيز التقارب الإيراني القطري، من واقع تفسر دوافعه طهران بالسياسية، وهي ترى فيها فرصة من أجل تحقيق المزيد من التقارب مع قطر والكويت وسلطنة عمان في الخليج، والانفتاح أكثر على دول فاعلة في الاتحاد الأوروبي، وطبعاً روسيا، لأنها تعتبر أن «الأزمة القطرية» تشكل خرقاُ قوياً للتحالف الذي تريده السعودية ضدها.

 

مصالح اقتصادية

ولا تستطيع طهران أن تتخلى عن قطر، وبينهما أيضاً مصالح اقتصادية مشتركة خصوصاً في حقل الغاز المشترك في مياه الخليج، لا سيما وأن إيران فتحت مؤخراً باب الاستثمار في هذا الحقل الغني بالغاز الذي تبلغ مساحته 9700 كيلومتر مربع، وتمتلك قطر 6000 كيلومتر مربع منه، بينما إيران تمتلك 3700 كيلومتر مربع.
وبرز اسم هذا الحقل كثيراً في المناظرات التلفزيونية التي سبقت الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جددت للرئيس حسن روحاني ولاية ثانية، ووعد ناخبيه بالاستثمار أكثر في هذا الحقل المشترك وفي حقول نفطية مشتركة أخرى مع العراق، الأمر الذي يستدعي مزيداً من التعاون والتقارب بين البلدين لضمان المصالح الاقتصادية المشتركة في هذا الشأن.
وبعد رفع العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي عن طهران كثمرة للاتفاق مع المجموعة الدولية 5+1 كثفت طهران من اهتمامها بقطر مستندة إلى عدة اتفاقيات وقعتها مع الدوحة خلال السنين الماضية في مجال النقل الجوي والتعاون العلمي والتقني والتعليمي والثقافي، وسط دعوات من خبراء ومسؤولين تدعو إلى زيادة حجم التبادل التجاري المنخفض جداً، وزيادة الاستثمارات بين الدوحة وطهران.

 

المزاج الإيراني مع قطر

حتى بعد العمليتين الإرهابيتين اللتين تعرضت لهما طهران واستهدفت رمزين بارزين في نظام الجمهورية الإسلامية (البرلمان رمز الجمهورية، ومرقد الإمام الخميني رمز إسلامية النظام القائم على نظرية ولاية الفقيه) فقد أبدت الأوساط الشعبية والرسمية رغبة في توسيع العلاقات عن طريق حكومة روحاني التي اتصفت بقدرتها على التكيف مع المواقف والجهات المعارضة لنفوذها في المنطقة، خصوصاً وأن روحاني دعا بشدة بعد الاتفاق النووي وخلال حملته الانتخابية، إلى انفتاح إيران على دول الخليج العربية.
وبينما أطلق إيرانيون على تويتر وسماً بالانكليزية دعوا فيه إلى تضامن بلادهم مع قطر، وبرز فيه الموالون والمعترضون، فإن الصحافة الإيرانية أجمعت تقريباً بمختلف اتجاهاتها بين إصلاحيين ومحافظين ومعتدلين، على حث حكومتهم على الوقوف بجانب قطر، دون أن يمنع ذلك بعض كتّاب المقالات من توجيه الانتقاد إلى قطر بسبب الموقف من الأزمة السورية. وكتب محمد رضا صدر في صحيفة «دنياي اقتصاد» حول ما سماها «الأزمة الجديدة في علاقات العالم العربي مع قطر» موضحاً «إن قطر داعمة للإخوان المسلمين؛ بينما تعتبر مصر والإمارات الإخوان الشيطان الأكبر، كما أن المملكة العربية السعودية لها موقف مماثل من الإخوان بحجة أن قطر هي من تدعم هذا التنظيم السياسي وبتعبيرها أنها تدعم تنظيما إرهابيا، بينما الغرب يعتبر جميع هذه الدول مجتمعة داعمة للإرهاب».
وتطرق الكاتب إلى أبرز الأسباب التي تسببت في الأزمة بين قطر وبعض الدول العربية بالأخص المملكة العربية السعودية، ورأى «أنها تكمن في عدم رضا الأخيرة عن العلاقات المميزة التي تربط طهران بالدوحة، ورفض قطر دعم السياسات المعادية لإيران التي تقودها السعودية وتتبعها في ذلك الإمارات والبحرين».

 

الدور الإيراني

وتطرق صلاح الدين هرسني في صحيفة «جهان صنعت» إلى قطع السعودية وحليفاتها العلاقات الدبلوماسية مع قطر وقال إنها تنبئ بأزمة جديدة وتوتر في العلاقات الدبلوماسية في العالم العربي، ورأى «أن أول تبعات هذه الأزمة يتمثل في انهيار التحالف الذي بدأ برقص السيوف الذي بدأه ترامب في قمة الرياض» مشيرا إلى أن هذه الأزمة تحولت إلى فرصة ثمينة لكي تستعيد طهران دورها في المنطقة. وأضاف «المغامرات الجيوسياسية للسعودية في خلق الأزمات وإطالة أمدها عرض مكانة مصر والإمارات والبحرين للخطر، وسلب منها إلى حد ما استقلالية اتخاذ القرار السياسي حول قضايا شتى في المنطقة».


وتابع «في ظل الظروف التي تتعرض فيها الدوحة إلى ضغوط سعودية من أجل دفعها للعزلة عن محيطها، فان من غير المستبعد أن يدفع ذلك بقطر إلى التقارب أكثر مع إيران، خصوصا وأن مصالح مشتركة تجمع بينهما في مجالات عدة من بينها حقل الغاز المشترك، كما أن التوتر في العلاقات القطرية العربية سيؤثر بشكل أو بآخر على مستقبل الأزمات بعينها في المنطقة بما فيها الأزمة السورية».


وكتب حسن محمدي في صحيفة «قانون صنعت» قائلاً «فقدت السعودية زعامة العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط بسبب تزمتها وقطع سبل الحوار مع إيران والولايات المتحدة في عهد أوباما، لأنها كانت تخشى أن تخسر قدرتها في المناورة مع الغرب من أجل مضاعفة ضغطها ونفوذها على الدول العربية الأصغر في العالم العربي. وهذا ما فتح الباب أمام إيران لدعم التنظيمات في محور المقاومة كحماس التي تستمد قوتها من الدعم الإيراني».


ويضيف الكاتب «إن فتح باب الحوار بين إيران والولايات المتحدة بذريعة الملف النووي، تحول إلى أهم تحديات الحكومة السعودية ولهذا السبب خصصت ميزانية ضخمة للتأثير على مسار المباحثات النووية لإفشالها». ويرى الكاتب أن «مكانة السعودية باتت ضعيفة بين الدول العربية، بحيث لا تلقى دعماً إلا من الدول الضعيفة كجيبوتي».


وجاء في المقال أيضا: «ان منظمة حماس وتركيا والكثيرين ممن كانوا يستندون على النظام السعودي كانوا يتخوفون من أن يتحولوا إلى نقطة ارتكاز للرياض في مشاريعها التوسعية في المنطقة، وهذا ما دفع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إلى أن يتسرع في اللجوء إلى ترامب ويوقع صفقة التسلح التي تجاوزت 100 مليار دولار».

 

حاجة السعودية للعدو الافتراضي

أما فريدون مجلسي فقد أشار في صحيفة «اعتماد» الاصلاحية إلى التغيير السريع الذي طرأ على العلاقات السعودية الأمريكية وكتب «أن دول مجلس التعاون تعاني من خلافات كبيرة بينها، وسعت السعودية دوما إلى استعداء إيران وشيطنتها وتوجيه العالم العربي نحوها لتوحيدهم على طاولة واحدة ضدها، بدلا من إسرائيل». وأضاف الكاتب أن «مخاوف أكثر الدول العربية تركزت على أن السعودية تسعى لاستعبادها وأن تجعلها تابعة لها. كما أنه من الناحية العملية فإن قطر أغنى من السعودية بشكل نسبي، وتحتل الدوحة ثقافيا وعلميا مراكز متقدمة مقارنة بالسعودية، وهذا الأمر يغيظ السعودية». وأشار الكاتب أيضا إلى الحصار البحري الذي فرضته هذه الدول على قطر وقال «لم تترك هذه الدول أمام الدوحة حلا سوى التقرب من إيران».


أخيراً فإن ما بين قطر وإيران أيضاً اتفاقية تعاون أمني تم التوقيع عليها العام 2015، وهي ليست استثناء لأن اتفاقية مماثلة وقعت بين إيران والسعودية في العام 2001 وقعها من الجانب السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز ومن الجانب الإيراني وزير الداخلية آنذاك عبد الواحد موسوي لاري، وليس الخلاف القطري السعودي سبباً رئيسيا في التقارب بين الدوحة وطهران.

 

 

مواضيع ممكن أن تعجبك