مخرج مُشرف

منشور 11 أيّار / مايو 2016 - 04:42
ارشيف
ارشيف

جاكي خوري

عصف القطاع في نهاية الاسبوع هذا، وليس بسبب غارات سلاح الجو. ثلاثة اطفال من عائلة ابو هندي في مخيم الشاطيء للاجئين لاقوا حتفهم في حادثة مأساوية، بينما كانوا نياما عشية السبت. يسرى ابنة الثلاثة، وشقيقاها راهف ابن السنتين وناصر ابن الشهرين احترقوا موتا في اشتعال نشب في بيتهم. في تلك الساعات خيم الظلام على الحي بسبب انقطاع عادي للكهرباء، كما هو معتاد منذ بضع سنوات في مدن القطاع. شموع اشعلها الابوان لتبديد الظلام اشعلت غرفتهم ولم تترك لهم أملا. نقل الاطفال إلى مستشفى الشفاء، ولكن موتهم تقرر على الفور.

في يوم السبت برز في جنازة الاطفال الثلاثة مشهد غير عادي: ثلاثة نشطاء الذراع العسكري لحماس، ملثمون ومسلحون، حملوا الجثامين الثلاثة على ايديهم ووقفوا على قبورهم. وعلى رأس المؤبنين وقف المسؤول الكبير من المعسكر السياسي للحركة، اسماعيل هنية. ولم يضع وقتا.

ففي خطاب تأبين استغرق عشرين دقيقة جير هنية المصيبة للكفاح السياسي. فقد ادعى بان قطع الكهرباء هو نتيجة الحصار على غزة، الذي تشارك فيه اسرائيل والسلطة الفلسطينية معا. اسرائيل «في انها هاجمت منشآت الكهرباء في سلسلة من الحروب في العقد الماضي، والسلطة في أنها لا تدفع المال اللازم لشراء السولار لتفعيل محطة توليد الطاقة. «طائرات العدو تحرق اراضينا وبيوتنا»، هتف هنية، و«الحصار على غزة، مع اولئك الذين يتآمرون ضد غزة ـ يحرقون أولادنا».

انتصار تحت ارضي

ليس صدفة أن استعصى التوتر في الاسبوع الاخير مع حماس على التدهور إلى خطر عام حقيقي على الطرفين. ليس فقط بسبب الوساطة النشطة من المخابرات المصرية، الحكومة القطرية ومبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الاوسط. فالهدف المسبق لهذا التوتر لم يكن كمقدمة متدرجة لمواجهة عاصفة. فالتوتر بادر اليه الذراع العسكري لحماس وله هدف واضح. مشكوك أن يكون هذا تحقق، ولكن من السابق لاوانه الوصول إلى النتائج.

منذ بضعة اشهر والواقع الامني في غزة يسجل تغييرا جوهريا وهدوء. فالواحد تلو الاخر تنهار أنفاق حماس، وتدفن احيانا مقاتلين من الذراع العسكري يتدربون فيها. فتواتر الحالات عال بشكل نسبي، وفي القطاع تدور تساؤلات حول سبب الامر. بعضها انفاق داخل غزة ومحيطها، واخرى تسمى «انفاق هجومية»، تدخل إلى الاراضي الاسرائيلية. في ذروة الميل الخفي الذي ينتاب بلاد الانفاق في القطاع، اعلنت حكومة اسرائيل عن العثور على وسيلة تكنولوجية لاكتشافها.

ان الوسائل التكنولوجية التي توجد اليوم تسمح باكتشاف فضاءات في داخل الارض والتمييز بينها ـ بارتفاع متر واحد تقريبا. ولكن الانفاق حفرت باعماق تتراوح بين عشرة وعشرين مترا. وتفيد محافل اسرائيلية منذ سنتين بان خبراء من الجهاز الامني يبحثون عن وسائل لاكتشاف فضاءات في هذه الاعماق، وأعربت عن ثقتها بان الحل سيتوفر.

وبالفعل، قبل ثلاثة اسابيع بشر رئيس الوزراء باختراق تكنولوجي لاكتشاف الانفاق: «سكان غلاف غزة يمكنهم أن يكونوا هادئين»، وعد بنيامين نتنياهو. وبالتوازي بلغ شهود عيان في غزة بان جرافات الجيش الاسرائيلي عملت في الاسابيع الاخيرة بنشاط على الحدود مع اسرائيل وبوسائل تكنولوجية معينة في محاولة لاكتشاف الانفاق.

تصوروا محمد ضيف ومرؤوسيه: من مكان اختبائهم في مدينة غزة يشاهدون بعيون تعبة كيف تفلت الوسيلة الاستراتيجية التي بنوها بكد ومال كثيرين على مدى عقد من الزمان ونيف، من بين ايديهم.

هذه الانفاق تسمح لحماس بتسجيل انجازين حاسمين. ففي اثناء المعركة «اقتحام خطوط العدو وايقاع الخسائر فيه، وفي ايام الطواريء او الحياة العادية» اختطاف اسرائيليين وادارة مفاوضات لتحرير السجناء مقابلهم. في حماس فهموا منذ وقت بعيد بان اسرائيل ليست سخية على الاطلاق في هذه النقطة، وفقط أسرى اسرائيليون سينتجون صفقات تحرير. وها هو، الوسيلة الاولى في سموها للحصول على اسرى اسرائيليين تنكشف وتهاجم.

من ناحية اسرائيل، هذا انتصار تحت ارضي، خفي عن العيان، ولكن ثقيل الوزن في ميزان القوى مع حماس. وفي حماس فهموا هذا، وسعوا في الاسبوع الماضي لجباية ثمن من اسرائيل. ولكن هذا الثمن في الصورة فقط: اطلاق قذائف الهاون والصواريخ كان حذرا وبتواتر متدن. وهو لم يوجه نحو مناطق السكان ولم يستهدف اصابة الجنود. وبالتأكيد لم يوجه لجر الجيش الاسرائيلي إلى مواجهة قاسية. كان هدفه واحد فقط هو ارسال رسالة إلى القيادة السياسية في القدس والقيادة العليا في الجيش الاسرائيلي. وهذه الرسالة بسيطة: اوكي، تلقينا منكم ضربة، ولكن لا تنسوا بان في مخازننا آلاف القسامات. صحيح أن تهديد الانفاق تقلص، ولكن الصواريخ ستبقى تهددكم في كل مواجهة مستقبلية. وكل هذا يحصل، بالصدفة ام بغيرها، في الزمن الذي تعصف فيه الساحة السياسية في اسرائيل على هذه الخلفية بالضبط: خلف الزاوية ينتظر تقرير مراقب الدولة الذي يعنى بمعالجة القيادة السياسية والجهاز الامني لانفاق حماس.

يستعرضون العضلات

خلف الكواليس، ودون انتاج عناوين رئيسة، عمل رجال المخابرات المصرية على لجم الطرفين ومنع التدهور. من نواح عديدة، هذا اللجم لا داعي له. فاحد في غزة غير معني بالتدهور، ولكن الطرفين يرغبان في استعراض عضلاتهما قدر الامكان. والهدوء الذي وعدت به قيادة حماس جمهورها منذ يوم الخميس، بدأ يتثبت ببطء صباح امس. تفاصيل الاتفاقات لم تسرب، وعلى رأسها مسألة هل ستحتمل حركة حماس استمرار اعمال الجيش الاسرائيلي على جدار الحدود، بضعة امتار في عمق الاراضي الغزية. ولكن مؤشرات العودة إلى الحياة العادية سجلت على الطرفين.

من تابع في نهاية الاسبوع الاصوات التي انطلقت من القطاع فوجيء بان يكتشف سلسلة من التصريحات المثنية على اتفاق التهدئة الذي سيتحقق بعد بضع ساعات. والواحد تلو الاخر صعد مسؤولون في حماس، مثل موسى ابو مرزوق وخليل الحية، بل وممثلون عن الجهاد الإسلامي ليعدوا بان «الهدوء سيحل».

«طلبنا من الطرف المصري بان يتدخل ويوقف العدوان»، قال ابو مرزوق يوم الخميس مساء، «الرد كان فوريا والامور عادت إلى مسارها». وفي غضون ساعات قليلة اطلق صاروخ آخر نحو الحدود مع اسرائيل، وسلاح الجو اقلع للرد.

لماذا رفض الهدوء ان يحل؟ لذات السبب الذين وصفناه آنفنا. يبدو أن في حماس ايضا، القادة العسكرية التابعة للقيادة السياسية ترفض السير على الخط حسب احتياجات اسيادها وتتبع سياسة خاصة بها. الذراع العسكري لحماس، عز الدين القسام، يدير صراعا مستحيلا حيال احد الجيوش الاكثر تجهيزا في العالم. واذا كان عليه أن ينقذ شرفه او يطلق رسالة ردع، فمع كل الاحترام ـ فان السيد هنية، السيد ابو مرزوق ورفاقهما سيتعين عليهم ان يعضوا على شفاههم وينتظروا بضعة ايام حتى تحقق الهدف.

ورغم التطور الهاديء على الارض، هناك من يعتقد بان هذا الهدوء ليس اكثر من ضمادة صغيرة ملصقة على جرح نازف. «بعيون مفتوحة تماما، نحن نسير نحو الجولة التالية»، يقول البروفيسور شاؤول مشعال، رئيس برنامج الشرق الاوسط في المركز متعدد المجالات في هرتسيليا، بل ويجد في هذه النقطة الزمنية توازٍ معين بين غزة والقدس: دولة اسرائيل منقسمة ليس فقط اجتماعيا بل وسياسيا ايضا»، قال امس في مقابلة مع صوت الجيش، «الجيش يريد خطا اكثر اعتدالا، براغماتية، ولكن القيادة السياسية تريد الضرب فأكثر فأكثر. ومع الفرق، في طرف حماس يوجد ذات التماثل المأساوي: الذراع العسكري لديهم يوازي الذراع العسكري لدينا. فهو يسعى لان يسير بقوة اكبر. ومقابله، الذراع السياسي لديهم يوازي المؤسسة العسكرية في اسرائيل».

معاريف 10/5/2016

مواضيع ممكن أن تعجبك