معارضة السيسي مع تقديس الجيش: الفخّ المعلن

منشور 11 شباط / فبراير 2018 - 06:00
معارضة السيسي مع تقديس الجيش: الفخّ المعلن
معارضة السيسي مع تقديس الجيش: الفخّ المعلن

ثمة تناقض بنيوي صارخ في البيان الذي وقعه أكثر من 500 شخصية عامة في مصر، تضامناً مع البلاغات التي استهدفت 13 من قيادات المجتمع المدني، ممّن دعوا إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة. فالبيان، من جهة أولى، يقول كلمة حقّ بصدد اعتبار الانتخابات «معركة هزلية»، شهدت منذ البدء «مصادرة حق الترشح»، و»تلويث كلّ من حاول المشاركة»، و»فرض مشروع وحيد على المواطنين»، هو «بناء الدولة الفاشلة الدكتاتورية»، و»دولة الإفقار» التي «تصادر الحريات العامة»


ومن جهة ثانية، يقول البيان كلمة حقّ حول الجيش المصري، لا تقود تجلياتها الفعلية على الأرض إلا إلى الباطل؛ أو مخادعة الذات، كي لا يتحدث المرء عن الرياء والتزلف. يقول البيان إنّ السيسي «استغلّ موقعه لتوريط المؤسسة العسكرية في حماية نظامه، معلناً أنّ حياته وحياة الجيش ستكون في مواجهة ذلك، وأنّ ذلك يعدّ إعلاناً خطيراً يضع الجيش في مواجهة المواطنين، ما لا نرضاه للجيش والمؤسسة العسكرية من أن تكون طرفاً فيه».


والحال أنّ الجيش (بعد تجريد هذه المفردة من مفهومها الغيبي، المطلق والمثالي) هو المؤسسة التي قامت بالانقلاب العسكري ضدّ محمد مرسي، أوّل رئيس منتخَب ديمقراطياً في تاريخ مصر؛ ولم يكن عبد الفتاح السيسي سوى المشير الذي تصدّر الواجهة، ثمّ تولى الإشراف على تمكين المؤسسة العسكرية بمختلف أجهزتها، حتى ساعة وصولها بمصر إلى الدرك المحزن الذي يصفه بيان الـ500. وإذا كان كثر من الموقعين على بيان اليوم ــ وكثر في عداد القيادات الـ13 المبلّغ عنهم إلى النائب العام، وكثر هنا وهناك في أحزاب وقوى ومنظمات المجتمع المدني المصري ــ قد هللوا في الماضي لانقلاب السيسي، بوصفه استكمالاً لثورة يناير/كانون الثاني؛ فإنّ الحاضر يستوجب ما هو أبعد من كلمة حقّ، نزيهة وصريحة وقاسية، في نقد الذات وتسمية عناصر المشهد بمسمياتها الفعلية.


صحيح أنّ «الجيش» في المفهوم العام، هو جيش مصر الأمّة، يتألف من أبنائها ويتوجب أن يدافع عن أمنها ومصالحها العليا. صحيح أيضاً، في المقابل، أنّ هذا الجيش هو ــ كما سُمّي بحقّ، وبجدارة! ــ «مصنع رؤساء» مصر؛ منذ محمد نجيب وجمال عبد الناصر، إلى أنور السادات وحسني مبارك والسيسي، ليس دون إغفال جنرالات الظلّ من أمثال المشير محمد حسين طنطاوي. وصحيح أنّ المساس بالجيش، في العرف الأخلاقي الشعبي العامّ، يُحتسب في باب القذف ضدّ المؤسسة الوطنية الأولى في مصر، وضدّ تضحياتها وشهدائها وتاريخها. ولكن من الصحيح أيضاً، في المقابل، أنّ فئة الأقلية من قيادات الجيش العليا ليست جديرة بالتبجيل الأخلاقي ذاته الذي يتوجب أن تتمتع به فئات الأكثرية من الأفراد والضباط.


وبهذا المعنى، كيف يمكن لذي بصيرة أن يستغرب لجوء السيسي إلى توريط الجيش في «المعركة الهزلية»، والإعلان صراحة أنّ مصيره في كرسي الرئاسة هو مصير الجيش، سواء بسواء؟ أليس العكس، أي حرص السيسي على إبعاد الجيش عن صراعات النظام ضدّ المجتمع المدني، هو الذي يتوجب أن يكون مستغرباً تماماً؟ هذا هو رأس الانقلاب، وهذه هي مؤسسة الانقلاب، ونقد الرأس مع تنزيه المؤسسة ليس أقلّ من لعبة مخادعةٍ معلنة، كاشفة مثلما هي مكشوفة، تُفقر لاعبيها قبل أن تنقلب وبالاً عليهم.


ومن جانب آخر، إذا كان السيسي نفسه قد انتهك قسطاً عزيزاً من كرامة هذا الجيش، الوطنية والمسلكية، حين استنجد بسلاح الجوّ الإسرائيلي في سيناء؛ وأشاع أجواء تسميم وطني معمم تضمنت اعتقال مرشحين، ومقاضاة معارضين، وتجنيد إعلاميين، وابتزاز رأي عام… فهل ينساق قادة الحراك المدني ضدّ مهزلة الانتخابات إلى حال من التناقض، تجعلهم يسيرون خبط عشواء نحو فخّ معلن قوامه معارضة السيسي وتقديس جيشه، في آن معاً؟

صبحي حديدي - القدس العربي

مواضيع ممكن أن تعجبك