نقاش متأخرحول العلمانية في تركيا

منشور 28 نيسان / أبريل 2016 - 03:30
ارشيف
ارشيف

بكر صدقي*

قال رئيس مجلس النواب التركي إسماعيل كهرمان، في ندوة فكرية، إنه يجب إلغاء مفهوم علمانية الدولة من الدستور، وصياغة دستور ديني. إنها المرة الأولى التي يعبر فيها أحد أركان الحكم في تاريخ تركيا عن رأي مماثل، الأمر الذي يثير التساؤلات عن الغاية من هذا التصريح «المجدِّف» من زاوية نظر العقيدة المؤسسة للجمهورية التركية التي رفعت مبدأ العلمانية إلى مرتبة الدين الرسمي للدولة، ونصبت المؤسسة العسكرية حارسةً له ولها.

والحال أن هذا التصريح لم يأتِ في إطار نقاش أكاديمي مجرد، يعبر فيه الناس عن آرائهم بمعزل عن السياقات السياسية، بل جاء والبلاد تستعد لإنشاء دستور جديد يجبُّ ما قبله من دساتير كان للعسكر في صياغتها وإقرارها اليد الطولى، حين كانت لهؤلاء يد طولى. دستور يريده رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان تعبيراً عن انقلاب الموازين الاجتماعية، ومراكز القوة داخل النظام، في العقد ونصف العقد من حكم حزب العدالة والتنمية، وتكريساً لسلطته الشخصية الواسعة التي لا يسعها ضيق كرسي الرئاسة في الدستور النافذ. وسبق لأردوغان أن عبر عن هذا الموضوع بشفافية لافتة، في معرض دفاعه عن النظام الرئاسي الذي يطمح لإقامته بدلاً من النظام البرلماني المعمول به، حيث قال إن النظام قد تغير عملياً بعد الانتخابات الرئاسية التي حملته إلى القصر، قبل عامين، ويجب تغيير الدستور بما يتوافق مع هذا التغيير العملي.

ترى هل كان الهدف من تصريح كهرمان الغريب، إذن، افتعال زوبعة في فنجان لحرف النقاش عن موضوع بأهمية الانتقال إلى نظام رئاسي، يثير مخاوف محقة من ميول أردوغان السلطوية الجامحة لدى معارضي حكم العدالة والتنمية المديد؟ ذلك أن الصدام التقليدي بين التيارين الإسلامي والعلماني، سبق وانتهى منذ سنوات، بفضل الحزب الحاكم نفسه، إلى تركيب عقلاني يمكن وصفه بانتقال الدولة التركية من علمانية يعقوبية معادية للدين، إلى علمانية ديمقراطية متصالحة معه على النمط الأنكلو – سكسوني. بفضل هذا التحول التاريخي لم يعد علمانيو تركيا يرون بأساً في حجاب النساء في الميدان العام، مقابل إقرار إسلامييها بحياد الدولة إزاء مختلف العقائد الدينية.

كان لافتاً، بهذا الصدد، تصريح أردوغان المطول الذي رفض فيه كلام رئيس البرلمان، مذكراً بثلاثة مواقف له ولحزب السلطة من موضوع علمانية الدولة. ذكَّرَ أردوغان ببرنامج حزب العدالة والتنمية الذي يتمسك بعلمانية الدولة، وكذا فعل البيان الانتخابي لأردوغان حين ترشح لمنصب رئيس الجمهورية قبل عامين. وأخيراً الخطاب الذي ألقاه في القاهرة، عام 2011، حين أثار حفيظة النخبة الإخوانية التي كانت وقتها تمسك بالسلطة في مصر، بعد سقوط نظام حسني مبارك على يد ثورة ميدان التحرير.

هل وضع أردوغان، برده هذا على كهرمان، نقطة النهاية لنقاش في غير أوانه؟ هذا ما لا يمكن التكهن به في بلد يجيد فيه محترفو السياسة خلق مشكلات مفتعلة تشغل الرأي العام عن المشكلات الحقيقية التي تحتاج الاهتمام والمعالجة. فقد استنفر تصريح كهرمان حول الدستور الديني الذي يراه مناسباً لتركيا، أقلام التيار العلماني في الصحف، ويمكن توقع ردود مقابلة من التيار الإسلامي في الأيام القليلة القادمة. بل إن مظاهرات نزلت إلى الشارع، في أنقرة وإسطنبول وإزمير، استنكاراً لتصريحات رئيس البرلمان. وهكذا يكون جدل بلا أساس حول علمانية الدولة، قد غطى على أخبار تساقط صواريخ كاتيوشا التي يطلقها مقاتلو داعش على بلدة كلس الحدودية بشكل يومي، وعجز الحكومة عن فعل شيء يوقف تلك الهجمات، مقابل مواصلتها حرباً دموية ضد المناطق الكردية بذريعة ضرب مواقع حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره منظمة إرهابية.

 

وينطبق الأمر ذاته على التضييق المتفاقم باطراد على حرية الصحافة والإعلام، بما في ذلك اعتقال كتاب معارضين وإغلاق صحف ومحطات تلفزيون يسارية وإسلامية لا تروق للحاكم الأوحد الذي أصبحه أردوغان منذ صعوده إلى منصب الرئاسة، ويعمل على تكريس تفرده بالسلطة من خلال دستور جديد يقر التحول إلى النظام الرئاسي.

إنها من سخريات القدر أن نقرأ اليوم للكاتب الليبرالي محمد آلتان تحذيره من الفاشية الإسلامية الصاعدة، بعدما كان من أكثر مؤيدي إصلاحات حزب العدالة والتنمية، في السنوات الخمس الأولى من حكمه، تأييداً بلغ ذروته أيام ترشيح عبد الله غل لرئاسة الجمهورية في عام 2007، حين رأى في الحزب الحاكم قاطرة التحول إلى «الجمهورية الثانية» التي طالما حلم بها آلتان ـ صاحب هذا التعبير ـ ومعه تيار ليبرالي ديمقراطي فاعل في الرأي العام.

يمكن تلخيص الانقلاب العميق في الموازين الاجتماعية والسياسية، في سنوات مطلع الألفية الثالثة في تركيا، بأفول أيام النخبة الكمالية التي امتلكت الدولة لأكثر من نصف قرن، وصعود خصمها الإسلامي وما يمثله من بورجوازية محافظة تشعر اليوم بأن الدولة أصبحت ملكها. بالتوازي مع هذا المسار انحسر وزن المؤسسة العسكرية في قيادة الدولة لمصلحة الطبقة السياسية الجديدة.

يشير محمد آلتان إلى التشابه العميق بين النخبة الكمالية أيام عزها والنخبة المحافظة التي تمسك اليوم بمقاليد الحكم، فيقول إن الأولى تعاطت بعدائية وتوجس مع التيارات الليبرالية والماركسية والكردية والإسلامية؛ مقابل تعامل النخبة الحاكمة اليوم، بالعدائية والتوجس نفسيهما، مع التيارات الليبرالية والماركسية والكردية والعلمانية. فإذا قارنا القائمتين وجدنا أن الإسلامي قام بطرد العلماني خارج الحلبة وحل محله، ثم كرر نهج سلفه بصورة حرفية في العداء للتيارات الأخرى.

٭ كاتب سوري

عن "القدس العربي"

مواضيع ممكن أن تعجبك