هل استحدث ماكرون طرازاً جديداً من مساجلة الصحافة؟

منشور 17 نيسان / أبريل 2018 - 03:05
هل استحدث ماكرون طرازاً جديداً من مساجلة الصحافة؟
هل استحدث ماكرون طرازاً جديداً من مساجلة الصحافة؟

أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مقابلة تلفزيونية مع الصحافيين إدفي بلينيل عن موقع «ميديابارت» الاستقصائي الإلكتروني، وجان ـ جاك بوردان عن قناة «بي. إف. إم» وراديو «مونتي كارلو»، وذلك في مناسبة مرور سنة على انتخابه، ولتدقيق ما تم إنجازه من برامجه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والوقوف على آفاق المستقبل. كذلك تناولت المقابلة الشؤون الدولية، وفي طليعتها الملف السوري والضربة الأخيرة الأمريكية ـ الفرنسية ـ البريطانية المشتركة ضد مواقع إنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائية للنظام السوري.


ويلفت الانتباه أولاً أن الرئيس الفرنسي تعمد اختيار الصحافيين بحيث يحقق توازناً بين مدرستين في الإعلام الفرنسي المعاصر، الأولى تعتمد على محاورة الأحداث الساخنة والوقائع الإخبارية كما يمثلها بوردان في برنامجه الإذاعي والتلفزيوني اليومي، والثانية يمثلها بلينيل وتنتهج الاستقصاء والتحقيق ومساءلة السلطة عبر موقع إلكتروني مستقلّ يقتصر تمويله على الاشتراكات وحدها. كذلك شاء ماكرون أن يسبغ على الحوار مسحة مختلطة من الليبرالية وخطّ الوسط من خلال «بي. إف. إم» وراديو «مونتي كارلو»، وخطّ اليسار ونقد السلطة من خلال «ميديابارت»، ولعل الجديد في هذا التوازن هو استضافة الجهة الإعلامية الثانية التي باتت المنبر الأبرز في احتضان الصوت المعارض المستقل.


المقابلة جرت على الهواء مباشرة واستغرقت ساعتين و38 دقيقة، وكانت في الحقيقة أقرب إلى السجال الساخن بين أنداد، منها إلى روحية المقابلات المعتادة التي تجريها الصحافة مع الرؤساء وكبار المسؤولين في الحكومات الغربية بصفة خاصة. وأياً كان مقدار اتفاق المشاهد أو اختلافه مع أقوال ماكرون، أو مع مجمل سياساته وشخصيته الرئاسية ذاتها، فإن أداءه في التعاطي مع أسئلة الصحافيين كان لافتاً من حيث المرونة وسعة الصدر، وكذلك ذكاء العبارة وحسن التخلص في الإجابة على النقاط المحرجة.


وفي المقابل يُسجل للصحافيين الارتقاء إلى سوية عالية في اختيار الموضوعات واستنباط الأسئلة منها، مع سعي واضح إلى استفزاز الرئيس عن سابق عمد، على نحو حشره في مواقع التفسير أو التبرير أو الدفاع، وأجبره على سوق المعطيات الملموسة والاتكاء على الأرقام والاحصائيات. ذلك كله يوضع في سياق خاص هو أن فرنسا تعيش اليوم أجواء مشحونة على خلفية مشاريع قوانين إصلاحية تخصّ العمل والهجرة واللجوء، وتشهد بالتالي سلسلة إضرابات في مرافق حيوية وقطاعات حساسة.


وفي العموم بدا أن ماكرون تقصد من هذه المقابلة السجالية أن ينقل إلى الرأي العام الفرنسي، وكذلك إلى الأوروبي والعالمي، رسالة محددة حول طبيعة السلوك الإعلامي الجديد، والتجديدي، الذي يتوجب أن يقترن بالجيل الشاب من الساسة في الديمقراطيات الغربية. وكأنه أراد القول إن الفرنسيين الذين انتخبوه على حساب الانقسامات التقليدية القديمة بين يمين ووسط ويسار، ومنحوه أغلبية مطلقة حاكمة في الجمعية الوطنية، يستحقون طرازاً من الإعلام يتجاوز المقابلة التقليدية بين صحافي ورئيس، إلى سجال الأنداد بين مواطن مسؤول ومواطن صحافي.


وهذا لا يلغي أحقية الانتقادات التي أثارتها المقابلة لأسباب سياسية أو أخرى مهنية، بل لعل الانكباب على تحليلها وتفنيدها واستكشاف مواطن المناورة والإحراج والاستفزاز من الجانبين، هو كله في صالح توطيد هذا الخيار الحيوي في ممارسة المسؤولية الإعلامية.

القدس العربي 

مواضيع ممكن أن تعجبك