وبدأ السيسي من حيث انتهى مبارك… خلع البدلة!

منشور 24 آذار / مارس 2018 - 08:11
وبدأ السيسي من حيث انتهى مبارك… خلع البدلة!
وبدأ السيسي من حيث انتهى مبارك… خلع البدلة!

كان في نيتي، والنية محلها القلب، أن أكتب اليوم عن الراقصة الروسية خالدة الذكر الفنانة «إبكاترينا» واسم الدلع «جوهرة»، لولا حديث الأخ الاستاذ عبد الفتاح السيسي مع المخرجة «ساندرا نشأت»، والذي أذاعته عموم القنوات التلفزيونية المصرية ما ظهر منها وما بطن، وهو إجراء لا يتم إلا عند الانتقال إلى إذاعة خارجية لنقل وقائع صلاة الجمعة، ولا يحدث فيه هذا الاحتشاد التلفزيوني، بهذا العدد من القنوات التلفزيونية، التي نقلت هذا الحوار، الذي ظهر فيه الأستاذ بـ «نيولوك»، ليس فقط بتحلله من الملابس الرسمية، ولكن بظهوره ببشرة بيضاء، مشرئبة بالحُمرة، وهو ما فتح أمامي أبواب الأمل على مصراعيها، لأن أتحول إلى ذوي البشرة البيضاء، عندما أصبح رئيساً بإذن الله تعالى، فأدعو الله وأنتم موقنون بالإجابة!

 

وفي الحقيقة أن الكتابة عن الراقصة «ايكاترينا» واسم الدلع «جوهرة»، كانت تنبغي أن تكون في الأسبوع الماضي، ومنذ أن نشرت الصحف السيارة أن مطار القاهرة الدولي استقبلها عائدة من روسيا وبعد رحلة عمل في موسكو استمرت ثلاثة أسابيع، ترأست خلالها تحكيم مسابقات للرقص وورش للتدريب، كما جاء في هذه الصحف. وللتأريخ فقد كانت العودة الميمونة في 14 الشهر الجاري، نفع الله بها، ودوافعي للكتابة ليست سياسية بالمرة، غير أنني كتبت عنها عقب القاء القبض عليها، وقد وجهت لها النيابة العامة اتهامات عنيفة هي التحريض على الفسق وإثارة الغرائز وقيامها بالرقص بدون الملابس الداخلية وببدلة غير مطابقة للمواصفات الأخلاقية، وقد تحركت النقابة المختصة، وقالت إن «جوهرة»، تمارس العمل في مصر بدون ترخيص منها. وهو أمر يجرمه قانون اتحاد النقابات الفنية، قبل أن يتم الافراج عنها، وكان من الواضح أن جهة عليا تدخلت من أجل ذلك، لكن الجهة الأخرى التي ألقت القبض عليها ردت بقرار ترحليها!


ومتابعة الكتابة دافعها أنني كتبت هنا عن قرار الترحيل، وأخشى أن تأتي الأجيال القادمة، فتطالع ما كتبت فتظن أن «إيكاترينا» واسم الدلع «جوهرة» قد انتهت علاقتها بمصر بقرار الترحيل، وعلى غير الحقيقة؛ إذ أن ما تعرضت له «جوهرة»، كان جملة اعتراضية في حياتها، خلال مسيرتها الفنية، فقد خرجت من سجنها معززة مكرمة، وكانت هذه هي الصفعة الأولى على وجوه المنتسبين للجهة التي ألقت القبض عليها، حيث كانت الصفعة الثانية في إلغاء قرار الترحيل، واللافت هنا أن أحداً لم يتحدث عن سير القضية، وهل ستحيلها النيابة العامة إلى القضاء، أم قامت بحفظها؟ ليطرح هذا سؤالاً: إذا كانت قضية بسيطة يمكن أن تحفظ بهذه السهولة، فلماذا الحبس الاحتياطي؟ وليس هذا هو الموضوع، فاللافت أنه لم يصدر لها قرار بالمنع من السفر، فخرجت من مطار القاهرة في مهمة علمية على الرحب والسعة، وعادت أيضاً على الرحب والسعة، ولم تعد النقابة المختصة تتحدث عن ممارسة «جوهرة» للعمل بدون ترخيص، فمن هى الجهة التي تحمي «إيكاترينا» والدلع «جوهرة»؟ وكما قال الشاعر زكريا: «أوحش حاجة إنك تكون بتحب في حد/ وانت واخدها بجد/ والحد واخدها هزار»!

 

الحول العقلي

فما علاقة ما قاله الشاعر زكريا بالقضية محل النقاش؟ هذا ما سنوضحه بعد قليل، غاية ما في الأمر عزيزي القارئ، أنني شاهدت عبر إحدى القنوات التلفزيونية الزعيمة الخالدة «إيكاترينا» وهي تقول إن الحكومة المصرية أسبغت حمايتها عليها، وكانت معها في محنتها ولم تتخل عنها، ولم تتركها أبداً. ليصاب المرء من جراء هذا بالحول العقلي، فإذا كانت الحكومة المصرية قد وقفت بجانبها فمن ألقى القبض عليها؟ اخواننا الجنجاويد؟ أم المليشيات الصومالية؟ أم أن من فعلها هم القوم في ولاية سيناء؟ ومن الحكومة المصرية التي وقف بجانبها، هل الحكومة كلها: السادة رئيس الحكومة والسادة الوزراء؟ أم أن لفظ الحكومة يطلق على جهات أخرى لا تعلمونها الله يعلمها؟!


وإزاء هذا الحول، لا يكون أمامنا إلا استدعاء بعض ما جادت به قريحة الشاعر زكريا: «أوحش حاجة إنك تكون بتحب في حد/ وأنت واخدها بجد/ والحد واخدها هزار»، كم هي مؤلمة هذه الحالة!


والآن ننتقل إلى جدول الأعمال، حيث لقاء السيسي مع المخرجة «ساندرا نشأت»، وهى المقابلة التلفزيونية الوحيدة للمرشح الأوحد، وكان في سنة 2014، أجرى أكثر من حوار دعائي، كان أحدهم مع «إبراهيم عيسى» و «لميس الحديدي». وقد جاء حواره مع «ساندرا» في فترة الصمت الانتخابي، وقد جيء بها من خارج الكادر، لإدراكه أن أذرعه الإعلامية فقدت أي مصداقية لها في الشارع، فكان البحث عن شخصية غير معروفة جماهيريا، ومن خارج السياق الإعلامي، لأنها ليست مقابلة بالمعنى المعروف، فقد كان المهم هو الصورة، والمذكورة مخرجة، وتتميز في أنها من خارج السياسة، لكي تليق بشخص يقول إنه ليس سياسياً ولا يهتز له رمش، وهو يتولى أعلى منصب سياسي في البلاد، وقديماً اعتقدت أنني أطعن في جدية المشهد برمته، عندما كتبت أن مصر تدار سياسياً بواسطة إثنين لا علاقة لهما بالسياسة، ويحظر القانون عليهما ذلك الأول لأنه قاض وهو «عدلي منصور» والثاني لأنه عسكري وهو عبد الفتاح المذكور (لا بأس فالقافية حكمت ونحن لا زلنا في رحاب الشاعر زكريا)!


لأن «نشأت» مخرجة سينمائية، فقد اهتمت بالإخراج، فكنا أمام فيلم «مناظر» لا «قصة»، وإذا كان هناك من تفذلك، من الفذلكة، وشغل نفسه بالبحث عن اخطاء اخراجية، فظني أن صاحبتنا نجحت في مهمتها، والنظرة الدقيقة لذلك ينبغي تترك للمتخصصين في المعهد العالي للسينما، لكن من حيث الصورة وحركة الكاميرا فقد كانت الأمور جيدة، بل إن نبرة صوتها تعطي للمقابلة بعدها العاطفي، فأحبالها الصوتية تعاني برودة الشتاء القارس، كما الأحبال الصوتية للسيدة فاتنة (ولا مؤاخذة) حمامة!


لم تقل «ساندرا نشأت» أين تم التصوير، فهل هذا قصر عبد الفتاح السيسي، فأين يقع على وجه الدقة؟، ومصر كانت على مر تاريخها تعلم أين يقيم حكامها، وعنوان مساكنهم بالضبط، إلا السيسي الذي يحتاط من أحلامه، وقد شاهد السادات في أربع «منامات» أنكرهما في حواره مع «ساندرا»، وقال إنه لم يحلم بأن يكون رئيساً، على عكس مما قاله قبل ذلك، بيد أنه قال إنه لم يحلم في يقظته، فاته أن الأحلام دائماً تكون والمرء نائماً، أما ما يحدث في اليقظة فهي أمنيات، لكنه هنا كان يريد أن ينفي أن تكون أحلامه سبباً في انقلابه على الرئيس مرسي، وقد أرجع ما جرى إلى أن محمد مرسي رفض طلب الجماهير بانتخابات رئاسية مبكرة، في حين أن موافقة الرئيس لم تعد سراً الآن، سواء قبل الانقلاب أو بعده، بيد أنه وبمعاونة قوى اقليمية أفسد المشهد مرة بالانقلاب والثانية بالمجازر!

 

فيلم دعائي

وإذا كانت القصة لها علاقة بالمطلب الجماهيري بالانتخابات الرئاسية المبكرة، فلماذا لم تجر بعد الاطاحة بالرئيس المنتخب، ولماذا ترشح هو في هذه الانتخابات، لنستعير شعر الشاعر زكريا: «أوحش حاجة إنك تكون بتحب في حد….»!


لا نزال في الشكل، والاجماع في وسائل الاعلام المصرية على تصنيف المقابلة بأنها «فيلم وثائقي»، في حين أنها لا تمت لجنس الوثائقي بصلة، فهى ليست أكثر من مقابلة دعائية، ربما تصلح أكثر للدعاية للكريم المستخدم في «تفتيح البشرة»!


وكان الهدف هو تقديم الجانب الانساني في شخصيته، وكل أدائه منذ أن عرفناه يدور حول هذا المعنى، حتى حدث التشبع، وأصاب الناس بالملل، لفرط المبالغة والادعاء، وكأن المجازر، والقتل، والاعتقال، وحرق الجثث، قام بها البرامكة وليس هو!


تحدث عن عمه «محمود»، وسألته «ساندرا» ما الذي تعلمه من «عمه محمود»؟ فأجاب: العطاء، ويتذكر أنه القائد، الرمز، فيستدرك بأن هذه خصلة كانت فيه، فقد «استكثر» على «عمه محمود» أن يكون قد علمه شيئاً، إذن ما هى قيمة الرجل اذن؟!


ولا شك أنها دعاية بدأت من حيث انتهى مبارك، ففي آخر انتخابات له كان الحرص على تقديمه أنه انسان، وله ارتباط بجذوره، حيث مدرسة المساعي المشكورة، وكان المعروف عنه أنه يفتقد للعاطفة، كما أنه ليس معنياً بجذور أو أصول، وعاش بعيداً عن أقرب الناس له.


كان المهم في الحديث الانساني هو الابتعاد عن كل ما يعكر الصفو، فلا سؤال عن تفريطه في الأرض، أو تنازله عن الكثير منها لصالح السعودية والإمارات، أو تساهله في عملية ترسيم الحدود مع قبرص مما ممكن إسرائيل من الغاز المصري، ولا سؤال كذلك عن تفريطه في حصة مصر التاريخية من نهر النيل، فالمقابلة تدور حول «إنسانية الانسان»، «وعاطفة الرئيس»، وحتى الموضوعات الحساسة جرى التطرق لها من هذه الزاوية، ففي الحديث عن عدم وجود منافسين يقول إنه كان يتمنى أن يكون في مواجهته ولو عشرة مرشحين، فأضحك الثكالى، لأن من قرروا منافسته فتك بهم، مع أنهم قرروا المنافسة على نفس النغمة، وهى أن الإمارة من الجيش، على وزن الإمارة من قريش!


فزج برئيس أركان الجيش المصري للسجن الحربي، كما سجن العقيد أحمد قنصوة، أما رئيس القوات الجوية ورئيس الحكومة السابق الفريق أحمد شفيق، فقد فرض عليه الاقامة الجبرية بعد أن جاء به مختطفاً من الإمارات ولا تزال بناته رهائن إلى الآن لدى محمد بن زايد!


بينما يتحدث عن البديل إذ به يشرخ، كما شرخت أنا باستدعاء شعر الشاعر زكريا، ويتحدث عن مقدمي البرامج في القنوات التلفزيونية فمن أين يمكنهم أن يأتوا بالكلام لكل يوم ولمدة ثلاث ساعات يوميا؟ فما علاقة هذا بذاك؟ فهل ينتوي التدخل لتنظيم عملية التقديم التلفزيوني بنفسه؟!


المهم، أن السيسي ظهر بدون الملابس الرسمية وهو ما فعله مبارك في آخر انتخابات له، فخلع مبارك البدلة، قبل أن تخلعه الجماهير.
«خير بمشيئة الله»

سليم عزوز

مواضيع ممكن أن تعجبك